مسرح الثقافة الجماهيرية والصعود إلي الهاوية

20

تحقيق: سهام العقاد

الثقافة هي القوي الناعمة التي ساهمت في صنع المجد المصري علي مر الأزمنة المتعاقبة، وهي القاعدة الرئيسية التي استندت إليها مصر منذ العهد الفرعوني، وعلي مدي عقود نجحت الثقافة الجماهيرية في رفع المستوي الثقافي والوعي القومي للمجتمع، وساهمت في نشر الثقافة المسرحية بين الجماهير في مختلف النجوع والقري والمحافظات، منذ تأسيسها علي يد وزير الثقافة الاسبق د.ثروت عكاشة الذي أتاح الفرص للمبدعين وللمواهب الحقيقية للتعبير عن نفسها. وبات مسرح الثقافة الجماهيرية أحد أهم المسارح تأثيرا نظرا لتواجده مجانا في كل المحافظات المختلفة.

اليوم يشهد المسرح في هيئة قصور الثقافة حالة من التراجع، كما حدثت العديد من الصدامات بين المسرحيين والشاعر سعد عبد الرحمن رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة بسبب إعلانه أكثر من مرة آن المسرح ما هو إلا “سبوبة”، وحدثت مشادات عديدة بينه وبينهم لعل أبرزها ما حدث في ختام مهرجان المسرح بأرض السامر. في التحقيق التالي نحاول التعرف علي عوامل ازدهار المسرح، وأسباب تراجعه من خلال بعض المسئولين والفنانين الذين عملوا في مسرح الثقافة الجماهيرية.

إغلاق المسارح

يقول أحمد زحام نائب رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة السابق: المسرح هو الماء والهواء لرواد الثقافة سواء من جمهوره أو من صانعيه، والمسرحية الواحدة يصل عدد المشاركين فيها من تمثيل ومساعدين إلي الثلاثين شابا، وكل قصر له فرقة مسرحية، وكل محافظة لها فرقة مسرحية تسمي الفرقة القومية المسرحية، أما نوادي المسرح هي ورش مسرحية تدرب الشباب علي التأليف المسرحي والإخراج والديكور والإعداد الموسيقي كما تم اكتشاف مواهب في كل ذلك خلال القرن الماضي حتي الآن، منهم محمود ياسين وجمال عبد الناصر وحمدي الوزير واحمد بدير ومراد منير وغيرهم الكثير.

وحول أزمة المسرح في الثقافة الجماهيرية، أري أن المسرح هو المكان الذي يجمع حوله عددا كبيرا من الممثلين والمخرجين الهواة عن بقية أنشطة الهيئة العامة لقصور الثقافة التي تعاني من فقر في روادها، ويقدم أكثر من 400 موقع عروضا مسرحية مابين عروض فرق قومية وفرق قصور وفرق بيوت وفرق نوادي مسرح، ويواجه المسرح مشاكل عديدة منها: قلة الميزانيات وفقرها، بالإضافة لعدم وجود مسارح كافية لتقديم عروض مسرحية عليها، كما أن المسارح الموجودة داخل القصور مغلقة ولا يسمح بالعروض عليها أما بسبب عدم وجود تجهيزات، أو لعدم موافقة الحماية المدنية علي إجازة القصر والمسرح لعدم توفر اشتراطات الحماية المدنية. أضاف زحام: من الغريب والمستغرب أن الهيئة تعاني سنويا من التأخير في الإعداد للعروض وإقامتها طوال شهور السنة نظرا لعدم وجود رؤية واضحة داخل إدارة المسرح، وتتوارث هذه المشاكل من عام إلي آخر دون تقديم حلول لها بشكل فعلي علي أرض الواقع، كما أن آليات العمل الفني تتعارض مع اللوائح والقوانين الإدارية المنظمة للعمل المالي داخل الهيئة، فلازالت تتعامل بلوائح قديمة عمرها من عمر إنشاء الثقافة الجماهيرية ، بجانب غياب الدورات التثقيفية للشباب المشارك في تقديم هذه العروض، وعدم التجديد في النصوص المقدمة بحجة عدم وجود اعتمادات مالية ، فلا يوجد شراء لنصوص جديدة ولا مخرج من هذه الأزمة إلا بعد مناقشة تلك المشاكل مع المعنيين بالعمل المسرحي دون غيرهم، وقد قامت الفرق المسرحية ومكاتبها الفنية بالمطالبة بعقد مؤتمر لهم علي غرار مؤتمر أدباء مصر لكنه لم يتم حتي الآن رغم الوعود الكثيرة التي أعطيت لهم.

عالم ساحر

الفنان عزت إبراهيم يحكي تجربته الثرية مع مسرح الثقافة الجماهيرية ويقول: كم أنت رائع أيها المسرح، لقد جعلني اعرف معني الوطنية منذ كنت طالبا، عندما ذهبت بالمصادفة لمسرح السامر العظيم، حيث كان هناك مهرجان الـ 100 ليلة، مسرحيات من كل قصور وبيوت ثقافة محافظات ومراكز مصر، شاهدت عروضا رائعة لكبار الكتاب العظام أتذكر منهم سعد الله ونوس الفريد فرج نجيب سرور جورج شحادة ممثلين هواة ومخرجين مبدعين، حالة حقيقية كنا نشاهد كل هذا بالمجان عشقت المسرح منذ رأيت مسرحية “مغامرة رأس المملوك جابر” للكاتب سعد الله ونوس والمخرج الكبير مراد منير الذي تبناني فيما بعد وأصبحت أشارك في كل عروضه سواء في الثقافة الجماهيرية أو عندما انتقلنا إلي مسرح الدولة بداية من مسرحية “منين أجيب ناس” إلي مسرحية “علي جناح التبريزي وتابعه قفة” استمتعت بعروض كبيرة وجميلة أهمها ملك الشحاتين والملك هو الملك … لكن يظل دائما مسرح الثقافة الجماهيرية هو الأعظم لأنه عالم بكر وخاص وحقيقي تعلمت منه ألا أكون محترف واعمل بروح الهواة

المدهش في الثقافة الجماهيرية أن الفقراء والباعة الجائلين من إمبابة للعجوزة وماسحي الأحذية كان متاح لهم مشاهدة مسرح وعروض لكبار المخرجين والكتاب، أنه حقا عالم ساحر، كنت أشاهد هؤلاء وهم في حالة انبهار وهم يشاهدون علي سبيل المثال عرض “جحا والواد قله” للكاتب يسري الجندي المأخوذ عن دائرة الطباشير القوقازية لبريخت.

الثقافة كانت تصل للعوام والأميين من خلال مسرح فقير بأقل الإمكانات ولكنه مدهش أسعد الجميع، وساهم في رفع وعيهم وتذوقهم، لأن المسرح يظل بالنسبة لهم الحلم الذي يأخذهم إلي عالم يتمنوه، كان الجمهور يضحك كثيرا خاصة في مشاهد الارتجال الكوميدية “التواصل بين الممثل والمتفرج”ويبكي أحيانا، وكانت هناك عروض تساعد علي تنمية وعيه السياسي كما في مسرحيات محمود دياب ونجيب سرور وسعد الدين وهبة وتوفيق الحكيم. لقد شاركت كممثل في سلسلة من أجمل مسرحيات الثقافة الجماهيرية خاصة تلك العروض التي جسدت عالم سعد الله ونوس، والمخرج مراد منير وقد عملت معهما في الثقافة الجماهيرية علي مسرح الريحاني، “الملك هو الملك” و”مغامرة رأس المملوك جابر” و”المتنبي يبحث عن وظيفة” تأليف عبد السميع عبد الله ، و”منين أجيب ناس” نجيب سرور،وغيرها من العروض.

مسرح الفقراء

الفنان عهدي صادق يري أن “مسرح الثقافة الجماهيرية” يواجه الآن حالة من التحدي الحقيقي، خاصة بعد المد الثوري الذي أحدثته الثورة المصرية، مؤكدا الدور الريادي الذي قامت به الثقافة الجماهيرية في نشر الوعي الثقافي والتنوير في الكفور والنجوع والمحافظات، بالإضافة للدور المهم الذي لعبته في مقاومة كل أشكال الانحرافات والسلبيات الموجودة بالمجتمع. يؤكد الفنان عهدي أن هناك أزمة تواجه مسرح الفقراء، خاصة بعدما تقلصت أعداد الفرق وخفضت الميزانيات، والأجور الضعيفة، بالإضافة لوجود تخوف من نشر الوعي الثقافي في المجتمع!!

التعليقات متوقفه