قصور الثقافة.. طموح ثقافي تنقصه الإمكانات

32

تقرير: عيد عبد الحليم

ظهر مسمي «الثقافة الجماهيرية» في منتصف الأربعينيات، وتحديدا في أكتوبر من عام 1945، حيث تم إنشاء أول جامعة شعبية بمدينة القاهرة برئاسة المفكر الراحل أحمد أمين، وكان لها خمسة عشر فرعا في محافظات مصر المختلفة، وفي عام 1948 عُدل الاسم ليصبح «مؤسسة الثقافة الشعبية» وكان الغرض منها – في الأساس – نشر الثقافة العامة بين أفراد الشعب والمساهمة في إيقاظ الوعي عن طريق العمل علي رفع المستويين الفكري والاجتماعي.

وكانت في البداية عبارة عن هيئة تابعة لوزارة المعارف، وبعد ثورة يوليو 1952 تحولت أمورها الإدارية والفنية إلي وزارة الثقافة والإرشاد القومي، حيث صدر القانون رقم 692 لسنة 1958 والخاص بهذا الغرض، علي أن يتم تنفيذ مشروعاتها عبر سبعة برامج رئيسية وهي «الثقافة القومية، الثقافة العامة، الثقافة الاقتصادية، الثقافة الفنية، الثقافة النسوية، الثقافة العمالية، والثقافة الريفية».

ودعت الخطة الخمسية الأولي إلي بناء قصر ثقافة في عاصمة كل محافظة يجهز بعربة متنقلة تجوب المدن والقري التي لا يوجد بها موقع ثقافي ثابت، فتنقل إليها الخدمات الثقافية من أفلام سينمائية ومحاضرات فنية وثقافية، وعروض مسرحية.

ويورد محمود سعيد محمد – أحد الذين مارسوا العمل في الثقافة الجماهيرية لأكثر من أربعين عاما – في كتابه «خمسون عاما من الثقافة الجماهيرية» مقولة مهمة للدكتور ثروت عكاشة يقول فيها: «كان الإيمان بالعدل الاجتماعي في نشر النتاج الثقافي لا شيء غيره هو الذي حفزني إلي الأخذ بنظام قصور الثقافة، كما أن مصر بحاجة ماسة إلي تجميع العقول عامة علي ثقافة مشتركة، ولا نترك الجمهرة الكبري من سكان مصر بعيدة كل البعد عن الإسهام في الثقافة والارتشاف من منابعها».

ويؤكد «محمود سعيد» أن عكاشة كان يعتبر قصور الثقافة بمثابة مدارس ثقافية إلي جانب المدارس التعليمية.

وقد تبعت الثقافة الجماهيرية مجموعة من الأنشطة المسرحية فأنشأ المسرح العائم بطابعه الغنائي ليجوب القري المطلة علي النيل، وقد انتهي به الحال منذ أكثر من عشرين عاما ليصبح مجرد مكانا للعروض الشعبية التي لا تقدم شيئا من الفن الجاد.

تحولات إدارية

وفي بداية الثمانينيات كانت حصيلة الثقافة الجماهيرية من الأماكن الثقافية (26 مديرية ثقافية) و49 قصرا، و76 مكتبة فرعية، و61 دار عرض سينمائية في الوحدات المجمعة بالريف، و35 مركزا وقصرا لثقافة الطفل و50 قافلة ثقافية.

في عام 1989 وتحديدا في 4 مارس صدر القرار الجمهوري رقم 63 لسنة 1989 بإنشاء وتنظيم الهيئة العامة لقصور الثقافة وتولي رئاستها حسين مهران حتي عام 1967، ويحسب له أنه أدخل مشروع النشر في الهيئة من خلال إصدار أربعة عشر سلسلة أدبية وفكرية أسهمت – بشكل كبير – في بلورة حالة ثقافية خاصة.

بالإضافة إلي تفعيل دور المسرح الإقليمي من خلال إقامة مهرجانات ونوادي المسرح، مما يذكرنا بنشاط المسرح المتجول في الستينيات، والذي شارك فيه مجموعة من رواد المسرح المصري نذكر منهم عبدالرحيم الزرقاني وأمينة رزق ويوسف وهبي وسعد أردش وكرم مطاوع.

وبعد إحالة «مهران» إلي المعاش مرت الهيئة بحالة من التخبط الإداري خاصة في ظل تولي بعض قيادات وزارة الثقافة، الذين لم يتفرغوا – بشكل جيد – لإدارتها نظرا لتشتتهم في أعمال أخري مثل د. فوزي فهمي الذي انتدب من أكاديمية الفنون، ود. مصطفي الرزاز الذي انتدب من وزارة التعليم العالي ومحمد غنيم الذي انتدب من العلاقات الخارجية بالوزارة، ثم كان انتداب د. مصطفي علوي والذي شهد عهده كارثة حريق مسرح بني سويف والتي راح ضحيتها 53 من فناني ونقاد المسرح المصري.

وباستثناء الفترة القصيرة التي قضاها الناقد علي أبوشادي والتي استمرت من 1999 حتي 2001، ورغم أن «أبوشادي» عمل في الهيئة كسنوات طويلة قبل ذلك فإنه أثناء توليه المسئولية تفجرت قضية «الوليمة» التي هزت مصر كلها، وذلك بعد أن أصدرت سلسلة «آفاق عربية» والتي كان يرأس تحريرها الروائي «إبراهيم أصلان» رواية «وليمة لأعشاب البحر» للروائي السوري حيدر حيدر والتي صدرت طبعتها الأولي عام 1983.

ولم تكد أزمة «الوليمة» تمر حتي أثيرت أزمة أخري بعدها بستة أشهر تقريبا بعد أن أصدرت سلسلة «أصوات أدبية»، والتي كان يرأس تحريرها الروائي محمد البساطي ثلاث روايات هي «أحلام محرمة» لمحمود حامد و«الخطأ الرومانسي» لياسر شعبان، و«قبل وبعد» لتوفيق عبدالرحمن، حيث فوجئ الجميع بالنائب الإخواني د. جمال حشمت يقدم استجوابا في مجلس الشعب يطالب فيه بمحاكمة وزير الثقافة والقائمين علي إصدار السلسلة.

وكان موقف فاروق حسني – وزير الثقافة – مغايرا تماما لموقفه من قضية «الوليمة» حيث تمت إقالة علي أبوشادي والبساطي وأحمد عبدالرازق أبوالعلا المشرف علي النشر بالهيئة، من مناصبهم ووقفهم عن العمل، في واقعة قابلها الوسط الثقافي بالدهشة والاستنكار.

النشر الإقليمي

ومن المشرعات المهمة التي استحدثها «أبوشادي» إبان توليه المسئولية «مشروع النشر الإقليمي» وكان أحد التوصيات المهمة في مؤتمر أدباء الأقاليم الذي عقد بمدينة دمنهور عام 1999، وقد مثل دعامة أساسية لأدباء الأقاليم نظرا لأنه ساعدهم علي نشر إبداعهم في سلاسل منتظمة من نوادي الأدب المختلفة، ولولا بعض العيوب الفنية وسيطرة المحسوبية والشللية لكان لهذا المشروع دور حيوي في تقديم وجوه إبداعية متميزة.

ثقافة المؤتمرات

من طبيعة المؤتمرات الأدبية أنها تساعد علي التعرف علي المدارس النقدية والفكرية والإبداعية الجديدة، ومحاولة خلق آليات للتواصل بين المبدعين من مختلف التيارات والمدارس، ونظرة سريعة إلي المؤتمرات التي تقيمها الهيئة العامة لقصور الثقافة نجد أنها تقارب العشرة في محافظات مختلفة، بالإضافة إلي مؤتمرات الأقاليم الثقافية «غرب ووسط الدلتا»، و«شرق الدلتا» و«شمال الصعيد» و«جنوب الصعيد» و«القناة وسيناء»، بالإضافة إلي المؤتمر العام لأدباء مصر.

ومعظم هذه المواقع الخاصة ببيوت الثقافة عبارة عن شقق في عمارات سكنية غير جيدة التهوية باستثناء قصر ثقافة كفر الدوار.

في حين أن هناك مواقع ثقافية معطلة عن العمل الفعلي بعد أن تم صرف ملايين الجنيهات عليها.

وقد تقدم د. أحمد نوار – رئيس الهيئة العامة لقصور الثقافة السابق – بتقرير عن أوضاع قصور وبيوت الثقافة طالب فيه بميزانية قدرها 2 مليار جنيه لإصلاح هذا القطاع الحيوي، المتهالك، حيث تحول كثير من هذه المواقع إلي خرابات ومقالب للزبالة، وتشكل خطرا علي من يريد ممارسة أي نشاط فيها، وهو ما حدث بالفعل في «حريق مسرح بني سويف» في 5 سبتمبر 2005 والذي راح ضحيته 53 من محبي المسرح.

وهذا يأخذنا بالتالي إلي حال المسرح في الهيئة – خاصة بعد هذا الحريق المروع – فهناك 120 فرقة مسرحية، و200 نادي مسرح، بالإضافة إلي الفرق القومية وفرق التجارب، وما تقدمه هذه الفرق يخضع للجان فحص مشروعات مسرحية.

التعليقات متوقفه