شــــارع المعــــز.. يحتضـــــر

15

   تقرير: عيد عبدالحليم

شارع المعز لدين الله الفاطمى هو واحد من أشهر شوارع “القاهرة الفاطمية” حيث يقع فى “حى الحسين”، وهو يحتوى على مجموعة من الآثار النادرة من  العصور “الأيوبية” و”الفاطمية” و”المملوكية”، وقد تم ترميم هذه الآثار فى عهد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني، ليصبح الشارع – بعدها – تحفة أثرية بالغة الروعة والجمال، وواجهة حضارية متميزة.

وكان المقصود أن يصبح الشارع مركزا سياحيا وثقافيا تباهى به مصر العالم، لكن بعد الثورة تحولت الأمور إلى العكس – تماما – حيث تحول الشارع إلى مأساة بسبب الفوضى الناتجة عن غياب الأمن والرقابة، وصار سوقاً للباعة الجائلين، كما أصبح يمتلئ بعربات الكارو وسائقى التوك توك، وعربات الكبدة والفول، فى منظر أقل ما يوصف به أنه “منظر قذر”.

ويرجع ذلك لعدة أسباب:

أولها: عدم اهتمام الحكومات المصرية المتعاقبة بعد ثورة 25 يناير بهذا الشارع الذى يعد حالة نادرة من كثرة ما به من آثار ومبان ذات طابع معمارى متميز.

ثانيا: أدى انفصال وزارة الآثار عن وزارة الثقافة إلى تجاهل المسئولين بوزارة الآثار لما يحويه الشارع من تراث ثقافى وحضاري، فلم نجد مسئولا ينزل إلى هذا الشارع، مع العلم أن هذا الشارع – تحديدا – تابع مباشرة لرئاسة الوزراء.

وكان قبل الثورة لا يجرؤ أحد أن يدخله إلا بإذن وبعض إجراءات أمنية، لكن هذا الوضع الخطر يجعل “البيوت والقصور” والمساجد الموجودة فى الشارع مهددة من البلطجية.

ثالثا: غياب دور محافظة القاهرة تماما ليس فى هذا الشارع فقط بل فى جميع المرافق الحيوية فى مصر، فقد تحولت القاهرة إلى سوق كبير للباعة الجائلين الذين يمارسون مهنهم فى ظل حالة من الترهل الإدارى والأمني.

متحف مفتوح

كان المقصود من تطوير شارع المعز أن يكون متحفا مفتوحا للفنون، حيث يتم مزاوجة التراث الإسلامى – الذى تزخر به المنطقة – مع الفنون الإدارية ذات الطابع الشعبي، خاصة فيما كان يقدمه “بيت السحيمي” حيث تم فيه تقديم “السيرة الهلالية” بمشاركة الشاعر عبدالرحمن الأبنودى وشاعر السيرة سيد الضوي، وكذلك قدمت فرق المسرح الحر بعض عروضها هناك وسط جمهور من أهالى المنطقة خاصة “فرقة الورشة” التى تمزج فى عروضها ما بين “الموروث الشعبي” والإطار الواقعي.

كما قدمت “فرقة الموسيقى العربية” عروضها بقيادة المايسترو سليم سحاب. كما قدمت “فرقة النيل للآلات الشعبية” عروضها ذات الطابع المتميز، بما تتضمنه من غرف وإنشاد يعبر عن الشخصية المصرية. كما قدمت “فرقة الأراجوز وخيال الظل” عروضها مقدمة نموذجا فنيا كاد أن ينقرض، زاوجت فيه بين التراث والمعاصرة، عبر خطاب مسرحى ينحاز إلى الإنسان فى تحولاته السياسية والاجتماعية. وكان من المفترض أن يكون “بيت السحيمي” مركزا ثقافيا وتعليميا، حيث كان يهدف إلى تعليم أهالى المنطقة القراءة والكتابة، وقد تم إنشاء مدرسة بمنزل “مصطفى جعفر”، كما كان الهدف أيضا إقامة ورش مسرحية للفرق المستقلة بمنزل “الخرزاتي”.

لقد تم تطوير “شارع المعز” فى سياق تطوير “مشروع القاهرة الفاطمية” حيث تم ترميم ثمانية وثلاثين أثرا منها مسجد شرف الدين وسبيل وكتاب القاضى ووكالة الغورى ووكالة أبوالدهب.

وكان الهدف من تطوير القاهرة الفاطمية أن تصبح متحفا مفتوحا ومزارا سياحيا من الطراز الرفيع وأن يمنع نهائيا دخول السيارات إلي خمس مناطق منها بعد تحويلها إلي مزارات سياحية ودينية يستمتع بها جميع الناس بعيدا عن الضوضاء وتلوث عادم السيارات وتمنع التعديات على الآثار بعد إزالة كل أشكال القبح التى كانت تحيط بها ورفع اللافتات للمحال التجارية ونقل الحرف التى يجب ألا تحتل مثل هذه المناطق مثل ورش الخراطة والسيارات والدوكو والسمكرة وغيرها.

انتشار القبح

جدير بالذكر أن الشارع يطل على عدد من الوكالات الأثرية المهمة مثل “وكالة بازرعة” وتنسب إلى حسن كتخدا، وكانت معروفة بهذا الاسم حتى اشتراها “محمد بازرعة” وخصصها لبيع الصابون النابلسى والبن اليمنى ويرجع بناؤها إلى القرن الحادى عشر الهجري.

وكان أهم ما يميز مشروع تطوير منطقة “شارع المعز” وفق الخطة التى وضعتها وزارة الثقافة وقتها: الحفاظ على التراث الثقافى والمعمارى فى آن واحد، ففى بداية القرن العشرين كان بالشارع أربعة دكاكين لخدمة أهالى الحارة لكن فى الستعينيات أصبح بها 77 دكانا ومخزنا وورشة وقد شارك الأهالى فى تنظيف الآثار مما علق بها من قمامة وأتربة، وقد تم دعوة المدارس القريبة لقضاء حصص الرسم فى داخل “الآثار”، ونشر المشروع كتابين أحدهما يصف الأثر والآخر كتاب لتلوين “موتيفات” معمارية لها علاقة بالأثر. كما قامت إدارة المشروع بتشجيع الأهالى على تكوين جمعية أهلية لحماية التراث المعمارى المملوك للأفراد، والبحث عن حلول للأنشطة الضارة بالبيئة بالإضافة إلى خدمات متنوعة للأهالي. وهذا ما يجعلنا نتساءل عن دور الجهات الحكومية والأهلية لحماية هذه المنطقة الأثرية المهمة.

التعليقات متوقفه