د. يسري عبدالله : الثورة المصرية جدارية بديعة تبحث عن عالم أكثر عدلا وجمالا وإنسانية

16

الثورة تحتاج الى جسارة ووعي لا الارتماء فى أحضان المقاعد

حوار: خالد عبدالراضي

يخوض تيار الثقافة الوطنية معركة شرسة لتحرير الثقافة المصرية من “مثقفي العولمة وأذناب الأستعمار” كما وصفهم الدكتور يسري عبدالله الناقد الأدبي وأستاذ الأدب الحديث والنقد بجامعة حلوان, وأحد مؤسسي ورموز التيار, فى مقالاته. “الأهالي” حاورت الناقد الطليعي وناقشت معه هموم الثقافة المصرية وغياب دور المثقف الثوري في الموجتين المتتابعتين للثورة المصرية, وسبل مقاومة “الثقافة الاستهلاكية”, ودور المثقفين فى الاستحقاقات الوطنية المقبلة .. فإلى الحوار .

– من حلم تثوير الثقافة والاقتصاد فى ٢٥ يناير الى محاولة الدفاع عن بديهيات مثل فكرة الوطن ذاتها ضد القوى الظلامية، كيف ترى الواقع الثقافي والسياسي فى مصر ؟

تبدو الثورة المصرية بموجتيها الفارقتين” يناير 2011، ويونيو 2013″ جدارية بديعة، بحثا عن عالم أكثر عدلا وجمالا وإنسانية، وكلتا الموجتين الثوريتين تتآزران وتتقاطعان في كونهما تعبيرا عن رغبة المصريين في الخروج من دائرة الاستبداد بتنويعاته السياسية والدينية، كما أنهما تشتركان في المطالب الشعبية نفسها” عيش / حرية/ عدالة اجتماعية”، وإذا كانت الموجة الأولى من الثورة المصرية في يناير 2011 قد كسرت حاجز الخوف من أدوات القمع السياسي، وجعلت الجماهير المصرية تدرك مكامن قوتها، فإن الموجة الثانية من جدارية الثورة المصرية يونيو 2013 سعت لاستقلالية القرار الوطني المصري، واستعادة الهوية الوطنية المصرية الجامعة التي حاول الإخوان المسلمون ومن والاهم من قوى الرجعية تغييبها، ولذا تمثل الموجة الثانية من الثورة في الثلاثين من يونيو2013 تصحيحا بليغا لمسار الموجة الأولى في يناير 2011 بعد أن امتطاها الرجعيون وقوى الإسلام السياسي والذين لعبوا دور مخلب القط لصالح قوى الاستعمار العالمي الجديد.

الثورة بموجتيها عززت من مفهوم الوطن الذي حاول مرتزقة الإسلام السياسي محوه لصالح تصوراتهم الأحادية الضيقة عن الحياة والعالم. الثورة بموجتيها كشفت أن من يتطلع إلى المستقبل لا بد وأن يغادر ما هو ماضوي، وأن ينحاز بالكلية إلى كل قيم التقدم والحرية، والمواطنة، والحداثة والاستنارة، والإبداع.

 أذناب العولمة

– فى مقالك بجريدة الاهرام “الثقافة والفرار من المعركة” تحدثت عن غياب دور المثقفين فى موجتي الثورة الأولى والثانية، ثم في “أذناب العولمة الامريكية” تحدثت عن تحالف بعضهم مع الرجعية، كيف يمكن استعادة دور المثقف الثوري لمواجهة الرجعية والفساد ؟

لقد غابت الثقافة الرسمية منذ البداية – وللأسف الشديد- عن مشهد الثورة الباكر في الخامس والعشرين من يناير2011, هذا الغياب الذي يتعمق خطره الآن بعد ثورة الثلاثين من يونيو2013, ففي اللحظة التي نواجه فيها أفكارا ماضوية تعيسة, تنتمي إلي قرون بائدة, وتصورات خارج اللحظة والتاريخ, تصنع الثقافة في زيها الرسمي البليد رطانا فارغا إما عبر نخب هزيلة متحالفة مع الموقف الأمريكي الاستعماري, أو نخب رجعية بالأساس, تقتات علي كل الموائد, وكلاهما: مثقفو الاستعمار, ومثقفو الرجعية لا يدركون معني الأوطان ولا يعرفون قيمتها.

وفي هذا السياق الآسن يغيب الصوت الثقافي الرسمي تماما, مثلما غاب من قبل مرارا وتكرارا, فلم نر مثلا- قوافل ثقافية تخرج إلي القري والنجوع والكفور المصرية, لتروي عطش الظامئين إلي ثقافة مختلفة, ومتجددة, ترفع- وباختصار- حال العتامة التي خلفتها التيارات المتأسلمة برجعيتها وتخلفها المزري, لم نر في الحقيقة الإمكانات الضخمة لوزارة الثقافة توضع في خندق الدولة المدنية الوطنية الجديدة بنت ثورتي يناير, ويونيو, فالسياسات الثقافية لم تزل كما هي, والوجوه الرسمية شاخت في مواقعها بوصفها تملك حضورا سرمديا عابرا للأزمنة!! فوزير الثقافة نفسه عمل مع كل الأنظمة التي تعاقبت علي حكم مصر, حيث عمل مع مبارك, ومع المجلس العسكري, ومع نظام الإخوان الأكثر رجعية وتخلفا في مفارقة بالغة الدلالة والأسي!, وهكذا الحال مع معاونيه ورؤساء هيئاته المختلفة.

الثورة بنت التغيير الجذري هكذا الحقيقة, أما الدوران في المكان فمصيره الفشل والإخفاق, الثورة تحتاج قدرا أكبرمن الجسارة والوعي بماهية اللحظة ومهامها الجسام, لا الارتماء في أحضان المقاعد الوثيرة انتظارا للقفز مع من يربح! الثورة يجب أن تصبح خيار الثقافة الوحيد والحقيقي لصوغ عالم أكثر عدلا وجمالا وإنسانية, تستعاد فيه قيمة المثقف العضوي بوصفه حارسا للضمير الجمعي لأمته, عبر انغماسه في واقعه, وانحيازه إلي ناسه وجماهير شعبه, أما ذلك المثقف التقني الانتهازي الذي يؤمن بسيده ولا يؤمن بثقافته, فمصيره إلي الهاوية مع حلفائه من الرجعيين.

صوت المقموعين

– أسهمت مع الروائي خالد إسماعيل فى تأسيس تيار الثقافة الوطنية، هل أدى التيار الدور المنوط به فى الثقافة المصرية ؟

تيار الثقافة الوطنية يحوي نخبة من أكثرالمثقفين المصريين نزاهة وصدقية وموهبة أيضا، ومعظمهم من الشباب الذين يعول عليهم كثيرا، وحين فكرنا في إنشائه أنا والروائي خالد إسماعيل، ومعنا المترجم عمرو خيري، والقاص هيثم خيري، وكل من وقع على البيان التأسيسي مثل الروائي يحيى مختار، والشاعر محمود قرني، والفنانون الشباب محمد يحيى وأسامة صبحي وأيمن آدم وغيرهم كثيرون، أردناه صوتا للمقموعين، تعبيرا عن ناسنا من المهمشين والبسطاء، عن حقهم في ثقافة تخصهم، بنت سياقاتهم، وتطلعاتهم، عن أمانيهم صوب عالم نبيل وحر وتقدمي، ينحاز إلى إنسانية الإنسان، وقدم التيار عددا من الأصوات الطليعية الجديدة في مسيرة السردية العربية، وناقشنا أعمالا مهمة لكتاب جدد مثل: حسين البدري وعلي سيد علي ووسام جار الحلو، وشعراء مثل: جورج ضرغام، وإبراهيم رفاعي، وخليل عزالدين، وأحمد مرسي، وغيرهم، وانا أقول دائما إننا نحاول الكشف عن الوجه الطليعي الجديد للثقافة المصرية، كما سعينا لاستعادة عدد من أهم رموز الثقافة الوطنية المصرية فاحتفينا بيحيى مختار ومحمد البساطي وعبدالحكيم قاسم ويحيى الطاهر عبدالله.

 ويخوض التيار معركة حقيقية الآن دفاعا عن الحرية، والإبداع الحقيقي لا المعقم، والانتصار الواضح  لكل قيم الاستنارة والحداثة والتقدم والإبداع، محاولا إعادة الاعتبار للدور الثقافي المصري الذي أهانه سماسرة الثقافة القدامى والجدد من الحواة وبهلوانات الثقافة الرسمية، فنحن ندافع عن ثقافة وطنية تقدمية طليعية بحق، وبحيث لا تصبح الثقافة صدى لأنظمة مستبدة، ولا في خدمة السلطة، بل تعود للثقافة حيويتها في خلق مشهد ينحاز إلى المجموع، ويعبر عنه في آن.

وعبر هذا الفهم تشكل تيار الثقافة الوطنية المصرية “ضد الاستبداد.. ضد التبعية”، بوصفه فضاء لأفق ثقافي سياسي/مجتمعي يعبر عن الثورة، ويتأسس على قيم الانحياز إلى الجماعة الشعبية، وتفعيل دور المثقف العضوي، المنغمس في واقعه، القادر – دوماً – على إنتاج أفكار خلاقة، والواقف – بثبات – في خندق التقدم والحداثة والإبداع، في محاولة للتعبير عن الموزاييك المصري المتنوع، بجذوره الحضارية المختلفة، ومن هنا يواصل “تيار الثقافة الوطنية” ما دشّنه الآباء المؤسسون، بأجيالهم المتلاحقة: طه حسين، ويحيى حقي، ونجيب محفوظ، ومحمد مندور، وشكري عياد، ولويس عوض، وعبد الحكيم قاسم، ويحيى الطاهر عبدالله، وأمل دنقل، ومحمد عفيفي مطر، وغيرهم كثيرون.

– فى مشروعك النقدي تربط بين  الأدب وسياقه الاجتماعي، ما هي أبرز تجليات الأدب المعبر عن الفقراء ضد الثقافة الاستهلاكية ومثقفي العولمة وامريكا .. وهل أفرزت الثورة مبدعين معبرين عنها ؟

أنطلق دوما من أن الكتابة كانت – وستظل – بنتا للتنوع والاختلاف، وليست بنتا لأحادية التصور، وواحدية الاتجاه. غير أن ثمة محاولات لـ “تسليع الأدب”، تنطلق من تصورات جاهزة عن الأشياء، ومن ثم نجد أحيانا نصوصا تكرس لصور نمطية عن الذات، والعالم، فتبدو أقرب إلى الوصفات سابقة التجهيز، والرؤى المعدة سلفا، وهذه الأنساق الكتابية عينها في الغالب على المترجم الغربي فحسب، ولذا فأفقها محدود، وشأنها شأن تسطيح الكتابة، وإفراغها من بناها العميقة، لتشكل “الجاهزية” و”الخفة” معا عنوانين عريضين لإفقار الأدب. والكارثة أن النقد  قد يلعب دورا سلبيا في هذا السياق، فينحو تجاه تبرير القبح؛ ولذا فإن ثمة دورا تاريخيا ومسئولا يجب على النقد أن يمارسه الآن، انطلاقا من كونه حقلا معرفيا متخصصا، وغير منعزل عن الواقع، بل يحيا معه جدلا خلاقا وفق آلية مفادها جدل “الاتصال/ الانفصال”.

– في كتابك” الرواية المصرية: سؤال الحرية ومساءلة الاستبداد”، رأينا حضورا لأجيال مختلفة من الروائيين، وتصورات متعددة عن الواقع المصري؟

سعيت في هذا الكتاب تحديدا إلى رصد تحولات الرواية المصرية، بدءا من العقد الأول من الألفية الثالثة، وبما يعنى أنه مشغول بالراهن المعيش، ومسكون بذلك «الآن/ وهنا»، فى تماس نقدى مع المنجز الروائى المصرى فى صيغته الآنية، وعبر إطار أشمل أهدف من ورائه إلى الكشف عن جدارية السرد المصرى بتنويعاته المختلفة، ومراحله المتلاحقة؛ ولذا فثمة تنويعات سردية نجدها فى كتابى تنبيء عن أن الكتابة كانت وستظل بنتا للتنوع، والاختلاف، وليست بنتا لأحادية الرأي، وواحدية الاتجاه، ومن ثم تتجاور أجيال مختلفة من الكتابة الروائية فى هذا العمل النقدي، تشى جميعها بثراء المشهد السردي، وتنوعه. وبما يؤكد أن الرواية بنت للاستمرار، والتراكم المعرفي، والجمالي، فى الآن نفسه، فخالد إسماعيل يعد امتدادا مغايرا لجيل السبعينيات فى السرد المصرى (فتحى إمبابى ومحمود الورداني) مثلا، محملا بذلك الحس الأيديولوجي المدافع عن ناسه من المقموعين، حتى كتاب ما بعد التسعينيات ليسوا منقطعى الصلة عن مسار السردية المصرية والعربية، بل نجد امتدادا مختلفا لدى كتاب مثل: محمد الفخراني، والطاهر شرقاوي، ونهى محمود، وهاني عبدالمريد، وغيرهم، كما نجد كتابا خارج حيز فكرة الجيل مثل: إبراهيم عبدالمجيد، وجار النبى الحلو، وسعد القرش، وحمدى الجزار.

المسرح السياسي

– سعيت لاستكشاف ملامح المسرح السياسي عبر علمين من أعلام المسرح العربي، هما سعد الدين وهبة وسعدالله ونوس، هل للسياسي كل هذا الزخم في علاقته بالثقافي؟

 لقد حاولت الكشف عن التجلى الإبداعى للدراما السياسية عند سعد الدين وهبة وسعد الله ونوس ، وحددت مفهوماً إجرائياً للدراما السياسية يتمثل فى أن تُصبح القضية السياسية هى جوهر الصراع الدرامى والتيمة الجوهرية المحركة للأحداث أو بعبارة أخرى أن تمثل السياسة مركز الثقل فى الدراما، متكئا على رصد التجلي البارز لفكرة المسرح لدى الكاتبين، هذه الفكرة التى مثلت الرؤية الفكرية الكامنة خلف التشكيل الدرامى لنصيهما، حيث يتواشج السياسى مع الاجتماعى فى مسرح سعد الدين وهبة بشكلٍ يبدو فيه طارحاً للسياسى عبر الاجتماعى ؛ وهذا الأمر أرجعه إلى أن ” فكرة المسرح ” عند وهبة ترتكز على كون المسرح مُعبأ بالواقع الاجتماعى ومشحونا به، فى حين ينطلق سعد الله ونوس من رؤية مغايرة ، حيث يرى أن المسرح كان ولا يزال سياسياً ، ومن ثم فلا بدله أن يؤدى وظيفة سياسية ، فالمسرح عند سعد الله ونوس سياسى بالضرورة ؛ ومن ثم كانت دعوته ” لتسييس المسرح.

–   تبدو مدافعا عن قصيدة النثر، فهل صارت متنا للشعر العربي؟

قصيدة النثر صارت متنا حقا للشعر العربي ولم تعد هامشا إلا في وعي السلطة الثقافية المتكلسة الموصولة بلحظة زمنية خارج اللحظة، وخارج التاريخ. قصيدة النثر بثت روحا جديدة في القصيدة العربية ، وعبرت عن  نفسه الطليعي الجديد ومنحته ما أسميه دوما بـ”حيوية الاختلاف”، والتي يمكن أن  تلمس ملامحها المختلفة لدى عدد من أهم شعرائنا، مثل: محمود قرني، وإبراهيم داود، وغادة نبيل، و شريف رزق، وعاطف عبد العزيز، وعلي عطا، وغيرهم. أو لدى عدد من الشعراء العابرين لفكرة الجيل مثل محمد صالح، وعزت عامر، وأمجد ريان، وجمال القصاص، ورفعت سلام، وغيرهم.

–  موجة ٣٠يونية أسقطت الفاشية الدينية، برأيك هل مسارها السياسي سيحقق العدالة الاجتماعية ؟

 العدالة الجتماعية ليست مطلبا عابرا او جملة سيارة على صفحات الجرائد إنها خيار الجموع الهادرة التي خرجت في موجتي الثورة المصرية، والثورة لحظات من الفرز المستمر، سعيا لإحداث تحول جذري في بنية المجتمع، وعلى كل المسارات السياسية والثقافية، ولذا فلن تترك الأمة المصرية أحلامها لأحد، خاصة بعد أن اكتشفت صوتها الحقيقي، وفطنت إلى أن اماني ناسنا وجماهير شعبنا اعمق بكثير من جماعات المصالح والانتهازية الدينية والسياسية. الثورة بموجتيها عززت من مفهوم الوطن الذي حاول مرتزقة الإسلام السياسي محوه لصالح تصوراتهم الأحادية الضيقة عن الحياة والعالم. الثورة بموجتيها كشفت أن من يتطلع إلى المستقبل لا بد وأن يغادر ما هو ماضوي، وأن ينحاز بالكلية إلى كل قيم التقدم والحرية، والمواطنة، والحداثة والاستنارة، والإبداع.

الثورة لحظات مستمرة ومتجددة من الفرز، والمساءلة والموقف النقدي آليتان أساسيتان لحماية الثورة، ومن قبلهما الرهان الفعلي والحقيقي على ناسنا بوصفهم الصناع الأصليين للثورة، والجماهير والنخب الطليعية الحقيقية لن تخدع أبدا، ومصر بلد ولود ومتجدد، وقادرة على بلورة أسماء طليعية جديدة بعيدا عن مرتزقة الإسلام السياسي برجعيتهم وتخلفهم، ومرتزقة مبارك بفسادهم، وما بين الرجعية والفساد صلة وثيقة طمح المصريون أن تكون ثورة الثلاثين من يونيو نهاية لها، ولذا فإن الثورة مستمرة، وباقية حتى نتخلص من العفن بتنويعاته المختلفة. الثورة باقية لأنها بنت الناس والخيال الجديد لا البليد، ولأنها كذلك بنت التلاحم الوطني والوعي المختلف.

دور الجيش

–  كيف ترى دور الجيش فى الحياة السياسية، وهل توافق على رئيس عسكري ؟

أنا من حيث المبدأ مع الدولة المدنية قلبا وقالبا، مثلما أوقن تماما أن الجيش بيت الوطنية المصرية، ومن ثم فلا أملك الفوبيا التي تنتاب بعض المثقفين، خاصة أن الدستور والقانون يكفلان ذلك للمرشح في حال خلع البدلة العسكرية، والرهان دوما على الناس، وعلى قدرتهم على الفرز والاختيار واستكمال ثورتهم وأهدافها، والمصريون امتلكوا الآن وعيا مركبا غادر تماما منطقة الوعي البسيط، وهم في سبيلهم لامتلاك ذلك الوعي الممكن القادر على المجاوزة والاستشراف.

–  أطروحتك للدكتوراه حملت عنوان بنية المساءلة عند جيل السبعينيات في الرواية، لماذا هذا الجيل تحديدا؟

تمثل التجربة الروائية لجيل السبعينيات في الكتابة المصرية أحد المنعطفات المهمة في مسيرة السرد العربي، وقد تبدت هذه الانعطافة في طروح روائية بالغة الجسارة ، و لم تكن هذه الانعطافة سوى محصلة لتفاعل جدلي أو استجابة جمالية مع السياقات المأزومة (السياسية/الثقافية) التي نبتت فيها هذه الرواية؛ لقد شهدت السبعينيات تنوع أسئلة الرواية، و طرائق كتابتها، و بدأت الكتابة عند هذا الجيل تنتقل من حيز (السؤال) إلى حيز (المساءلة) للواقع، و الذي ازداد بدوره تشابكاً و تعقداً على مسارات مختلفة، فالظرف (السياسي/الثقافي) الذي صاحب نشأة جيل السبعينيات كان مغايراً في تشكلاته عما قبله، حيث اهتز البناء الأيديولوجي السائد في الستينيات نتيجة لهزيمة الصيف السابع و الستين، و من ثم تداعي الحلم الناصري، والذي كان يمثل منطلقاً لمشروع قومي اشتراكي الملامح، و قد تفاقم الأمر بحدوث هزة قيمية ومجتمعية نجمت عن قرارات الانفتاح الإقتصادي عام 1974، ثم ما تلاها بسنوات قليلة من معاهدة السلام بين مصر والعدو الصهيوني.

–  وأخيرا .. هل الثقافة فى مصر بخير ؟

ثمة عوار في المشهد الراهن, يمكن تلمسه في ذلك الأداء الباهت لوزارة الثقافة والتي كانت المتخلف الوحيد عن المعركة مع الإرهاب, مع أن مواجهة التطرف تبدأ بالأساس من هناك, فأنماط التفكير الرجعية الماضوية تحتاج نزوعا طليعيا تقدميا لمواجهتها, وتفنيد حججها الساذجة, وصوغ طريق أكثرمواعدة لأفق مصري جديد, يؤمن بالتنوع, وثقافة الاختلاف, ويمجد قيم التقدم والحداثة والاستنارة والإبداع بوصفها قيما أصيلة في تقدم الأمم والشعوب. يجب أن نكرس وباختصار- لثقافة السؤال, والتفكير الخلاق, وكل أطر المجاوزة والتخطي, ومغادرة مناطق الجبن العقلي, والسكونية, والثبات. الثقافة بحاجة حقيقية لنخب طليعية تقدمية جديدة خارجة من رحم الثورة ومعبرة عن أحلام ناسنا وجماهير شعبنا في عالم أكثر جمالا وحرية وإنسانية.

التعليقات متوقفه