أطفال الشوارع في مهب الريح .. يصنعوا مجتمعهم على أنقاض إنسانيتهم

29

– المجتمع والحكومة ورجال الأعمال مسئولون عن تفشى الظاهرة

– يتعرضون للاعتداءات الجنسية

– الدستور يمنع تشغيل الأطفال في الأعمال التي تعرضهم للخطر

تحقيق:سهام العقاد

انتبهوا .. الظاهرة تتفاقم بدلا أن تتلاشى بعد ثورة 25 يناير التى رفعت شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية..  ومع الانهيار الاقتصادي،وتزايد الفقر وغياب الأسرة والرقابة، وتدهور التعليم تفشت في مصر ظاهرة أطفال الشوارع، وباتت قنبلة موقوتة تهدد المجتمع، وتكاد تعصف به.

أكثر من مليون طفل يعيش في قلب الخطر، بين التشرد والضياع، والاغتصاب والانتهاكات، والإدمان.

يفترشون الأرصفة والحدائق وأسفل الكباري.. أطفال حفاة، ملابسهم رثة، بلا مأوى يحميهم، أو أسرة تحنو عليهم، أو مدرسة تنير عقولهم، أو مجتمع يحتضنهم.

هم ضحايا التفكك العائلي، ضحايا الجوع والفقر المدقع، ضحايا المجتمع الطبقي الفاسد المتوحش، مجتمع يغتال البراءة ويسحقها.

 أين الضمير الإنساني من تلك الظاهرة؟  أين الثورة من هؤلاء بعد موجتى 25 يناير و30 يونيو؟ ما هو المستقبل المجهول الذي ينتظر هؤلاء؟ وهل من حل للقضاء على تلك الكارثة المزمنة قبل فوات الأوان، وقبل أن يتحول أطفال الشوارع إلى لصوص وإرهابيين وقطاع طريق يبثون الرعب في نفوس البشر، ولن يجنى المجتمع من ورائهم سوى الذعر والجرائم والخراب؟.

“الأهالي” تحاول فى هذا التحقيق التعرف على أسباب الظاهرة من خلال عدد من أطفال الشوارع، وسبل الحل من خلال بعض الباحثين.

 جناة أم ضحايا

سمعنا وقرأنا عن حقوق الطفل وحمايته الذى يتصدر اهتمام المجتمع الدولي منذ بداية القرن العشرين. وجري إبرام المواثيق والاتفاقيات الدولية المتعلقة بحماية الأطفال, فصدر إعلان جنيف، والإعلان العالمي لحقوق الطفل، ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة التي تؤكد أهمية التعاون الدولي لتحسين ظروف معيشة الأطفال في كل بلد. وعليه فقد تم الاتفاق على إبرام اتفاقية حقوق الطفل عام 1989 التي تعتبر المرجعية الدولية الرئيسية لهذه الحقوق. والتي صادقت عليها معظم دول العالم بما فيها مصر!!

رغم كل ذلك ، تعالوا نرى حال أطفالنا في الشارع المصري عقب ثورتين مجيدتين!!

نفسى أتعلم صنعة

دنجل في التاسعة يقول وهو يشعل سيجارته: تركت المنزل بعدما ضربني والدي وطردني من المنزل، فلم أجد مأوى يحتضنني سوى الشارع، وأعيش على التسول”.

بدر في الرابعة عشر: “أنا مش حرامي أنا بكسب من عرق جبيني بمسح العربيات وأبيع علب المناديل، بنام بجوار الجامع، لكنى بكره الشتاء لأني بموت من البرد، نفسي أتعلم صنعة، عشان ابعد عن عيون الناس اللي فاكرين أنى جربان”.

محمود في الثامنة من العمر: “أنا مولود في الشارع أبويا يعيش في طنطا، وأمي في المنيا، وأنا بلقط رزقي، شوية اشتغل شيال وشوية في محل سباكة، لكن لما المعلم ضربني طفشت، ونفسي أشوف أبويا.

كمال في الخامسة عشر “عاوز افتح كشك سجائر بدلا من التسول ومد الأيد للى يسوى وإللى ما يسواش”.

محمد في الرابعة عشر:  منادى سيارات بالسيدة زينب، يقول وهو شبة غائب عن الوعى “أبويا مات زمان، وأخويا الكبير نشال و بيضرب حقن، لكن أنا  بشم كلة، وصاحبي مات من شم الكلة لأنه شد أوى، بس هي حلوة لأنها أرخص من البرشام والخمر، عشان أعلى الدماغ، وأبقى فل الفل”.

اعتداءات جنسية

تحلل الباحثة سوسن شاكر مجيد جذور وأبعاد تلك الظاهرة، باعتبارها الأكثر انتشارا ونموا، ولها أثار شديدة الخطورة على المجتمع، تقول: أنهم يحتاجون إلى عناية خاصة، حيث تتراوح أعمارهم ما ين السابعة والرابعة عشرة، ينتمون لأسر فقيرة، وغالبيتهم لم يكمل مرحلة التعليم الإبتدائية، يعانون من الإهمال ولامبالاة الأسرة، وأحيانا تفككها، ومنهم من يعانى من فقد أحد الأبوين أو كليهما، ما يؤدى لغياب الرقابة، بجانب الظروف الاقتصادية الطاحنة التي تدفع الأطفال لتحمل أعباء الأسرة والخروج للعمل وهم في عمر الزهور، ولديهم ميل جارف نحو الحرية والهروب من الضغوط الأسرية، وتؤكد أن أطفال الشارع هم الأكثر عرضة للعنف والاعتداءات بجميع أنواعها وذلك نظراً لوجودهم على حافة المجتمع واعتمادهم على أنشطة هامشية لكسب العيش مثل التسول و أعمال النظافة والسرقات الصغيرة الأمر الذي يجعلهم في احتكاك مستمر مع أفراد الشرطة وبالتالي زيادة نسبة تعرضهم للعنف، ولعل اخطر الاعتداءات التي تتم تجاه الأطفال هي الاعتداءات الجنسية، حيث يتعرض أطفال الشارع من الجنسين ذكر أو أنثى كثيرا للاعتداءات الجنسية، كما يواجه العديد من أطفال الشارع مشكلة الهوية حيث نجدهم لا يمتلكون في الأصل شهادة ميلاد.

تؤكد ان لهؤلاء الحق في الحماية والوقاية، وأن تلك القضية تستلزم حلا عاجلا شاملا متعدد الأبعاد يبدأ بالوقاية وتدخل الأجهزة والمؤسسات المعنية، وصولا إلى تأمين وإعادة تأهيل الأطفال حتى يندمجوا مع المجتمع مجددا، ولابد من توفير طبيب نفسي للتعامل مع هؤلاء الأطفال وذلك للتعرف على المشاكل النفسية التي يواجهها الأطفال في حياتهم واختلاف هذه المشاكل مثل الانطوائية وعدم الثقة بالنفس واهتزاز الشخصية.

أطفال بلا مأوى

قال الفنان محمد صبحي المجتمع والحكومة ورجال الأعمال مسئولون عن تفشى ظاهرة أطفال الشوارع، لذا أطلقت مبادرة للقضاء على ظاهرة أطفال الشوارع “أطفال بلا مأوى” من أجل إعادة تأهيلهم وتربيتهم من جديد، ولا بديل عن دعم رجال الأعمال للقضاء على تلك الظاهرة التي تمثل سبة في جبين الوطن، وسوف يتم التعاون مع وزارة التربية والتعليم، من أجل إنشاء 50 مدرسة في خمسين قرية كخطوة أولى للحد من ظاهرة تسريب الأطفال من التعليم.

الشعور بالعدوانية

بينما رصدت الباحثة الاجتماعية د.رضوى فرغلي مؤلفة كتاب “أطفال الشوارع .. الجنس والعدوانية “، العديد من حالات الأطفال، وتقول إن أطفال الشوارع صنعوا مجتمعهم على أنقاض إنسانيتهم، واخترعوا لأنفسهم عالما معتما مشوها،  هؤلاء الضحايا يعيشون على هامش الحياة ويعانون من قسوة مفرطة، وإهمال جم من قبل الدولة ومنظمات المجتمع المدني، إنهم ضحايا لتفكك المجتمع ، والخصخصة والمعاش المبكر ومجمل الأزمات التي نعيشها على أرض الواقع.

وترى ضرورة تفعيل دور الوزارات والهيئات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني في تنفيذ الإستراتيجية القومية لحماية هؤلاء الأطفال، والحد من خروجهم للشارع وتوفر لهم الرعاية الواجبة، بالإضافة إلى إعداد برامج تدريبية لكل صناع القرار والهيئات والمؤسسات المعنية بالظاهرة، بجانب تدريب الكوادر المتخصصة وتأهيلهم للتعامل مع هؤلاء الأطفال، ورعاية أسر الأطفال وتوعيتهم لحماية أبنائهم من الخروج للشارع، حتى نتمكن من دمج أطفال الشوارع في المجتمع من خلال بعض الأنشطة التي تشعرهم بالانتماء للمجتمع وتقلل من شعورهم بأنهم منبوذون، ونحد من شعورهم بالعدوانية تجاه الآخرين.

والسؤال القائم حاليا هل تقوم الدولة بحماية هؤلاء الأطفال البؤساء، من كل إشكال العنف و الإساءة, بما في ذلك الإساءة البدنية أو النفسية أو الجنسية؟

دستور2013

المثير للدهشة والفرح معا انه تمت الإجابة على تلك الأسئلة عقب إجراء هذا التحقيق مباشرة، من خلال المادة 60 التي أقرها الدستور والتي تنص على أنه:
“يعد طفلا كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره , ولكل طفل الحق في اسم وأوراق ثبوتية , وتطعيم إجباري مجاني , ورعاية صحية وأسرية أو بديلة , وتغذية أساسية , ومأوى آمن , وتربية دينية , وتنمية وجدانية ومعرفية، وتكفل الدولة حقوق الأطفال ذوى الإعاقة وتأهيلهم واندماجهم في المجتمع.
وتلتزم الدولة برعاية الطفل وحمايته من جميع أشكال العنف والإساءة وسوء المعاملة والاستغلال الجنسي والتجاري.
ويحظر تشغيل الطفل قبل تجاوزه سن إتمام التعليم الأساسي، كما يحظر تشغيله في الأعمال التي تعرضه للخطر.
كما تلتزم الدولة بإنشاء نظام قضائي خاص بالأطفال المجني عليهم والشهود. ولا يجوز مساءلة الطفل جنائيا آو احتجازه إلا وفقا للقانون وللمدة المحددة فيه. وتوفر له المساعدة القانونية ويكون احتجازه في أماكن مناسبة ومنفصلة عن أماكن احتجاز البالغين.

وتعمل الدولة على تحقيق المصلحة الفضلى للطفل في كل الإجراءات التي تتخذ حياله.”
ويظل الملف مفتوحاً إلى أن تتشكل حكومة ثورية تؤمن بحقوق هؤلاء البؤساء  وتسعى نحو جعلهم عناصر منتجة تضيف لثروات البلاد واقتصاده ولاتكون عبئاً عليه.

قبل أن تقرأ

يذكر أن محمد على باشا كان يعانى من ذات المشكلة في القرن التاسع عشر، حيث كانت الدولة المصرية آنئذ تضم ما يقرب من ثلاثمائة ألف مشرد في مختلف محافظات مصر، وكان يدرك أن هؤلاء يمكنهم أن يسقطوا الدولة المصرية العظمى.. لذا قام بالقبض على كل أطفال الشوارع، وأودعهم في معسكر بالصحراء لمدة ثلاث سنوات، وأمر قائد الجيش سليمان باشا الفرنساوي أن يأتي بأعظم المدربين الفرنسيين في شتى المهن والحرف اليدوية ليعكفوا على تدريب هؤلاء المشردون .. وبعد تلك السنوات تخرج لمصر الآلاف من الصناع المهرة في تاريخ مصر الحديثة، وأرسل محمد على العديد منهم كخبراء في الدول التي تفتقد الصناع المهرة، والمثير للدهشة أن من بين هؤلاء كان رئيس النجارين مصباح إبراهيم والد عبد الله النديم، الذي ساهم في صنع الأسطول البحري الذي استخدمه محمد على في فتح العديد من البلدان.

التعليقات متوقفه