رفيـق الـدرب المناضل محمــد دكروب

11

بقلم | كريم مروة

فقد العالم العربي قبل أيام الأديب محمد دكروب. رحل عن أربعة وثمانين من العمر أمضى ستين عاماً منها فى العمل الثقافى فى ميادينه المختلفة. وأصدر العديد من الكتب التي ألقى فيها المزيد من الأضواء على سير وإبداعات عدد من كبار أعلام الأدب والفكر فى العالم العربي. ومارس إدارة تحرير كل من مجلتيّ “الثقافة الوطنية” فى الخمسينبات و”الطريق” فى مراحل مختلفة من صدورها. وكانت له إطلالات متواصلة فى أكثر من مجلة ثقافية عربية.

فاجأنا محمد دكروب بغيابه من دون إنذار قبل أوان الرحيل. غاب وخلّف للأجيال العربية تراثه الغني فى النقد الأدبي على وجه الخصوص وفى مجالات ثقافية متعددة. وسيظل حزني على فراقه يرافقني ما دمت حياً. وأعترف بأنني خسرت بغيابه شخصياً رفيق عمر طويل على إمتداد سبعين عاماً، استمرت فيها علاقتنا بصورة متواصلة ومن غير انقطاع برغم اختلاف المهمات والاهتمامات التي شغلت كلاً منا واستولت على مسار حياته. لكن بعض تلك المهمات والاهتمامات لم تلبث أن جمعتنا فى رفقة عمل حميمة على مدار سنوات عديدة كان معظمها فى رحاب مجلة “الطريق”. ولهذه المجلة خلال تاريخها الطويل فى حياة محمد على وجه الخصوص وفى حياتي دور كبير فى تكوين ثقافتنا. وكانت تلك المجلة مدرسة حقيقية لكلينا ولأجيال عديدة على إمتداد الأعوام الستين من صدورها.

الهلال والرسالة

فى المراحل الأولى من رفقتنا الطويلة كنا نلتقي فى مدينة صور فى دكان السمكرية الذي كان محمد يتولى مسئولية العمل فيه مع شقيقه البكر العبد. كنا نتداول خلال تلك اللقاءات فى آخر ما كنا قد قرأناه فى المجلات الثقافية العربية التي كانت مجلتا “الهلال” و”الرسالة” الأبرز بينها. كما كنا نتداول فى ما كنا قد قرأناه فى بعض الكتب لكبار الأدباء والمفكرين العرب، لا سيما منهم المصريين. لكن جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة كانا الأكثر تأثيراً على أفكارنا التي قادتنا إلى التمرد والثورة على التقاليد السائدة. وانتهى بنا المطاف بالتدريج إلى رحاب الاشتراكية. وكان ذلك فى أواخر الأربعينيات بالنسبة إليّ وأوائل الخمسينيات بالنسبة إلى محمد. لكن كلاً منا دخل إلى إشتراكيته على طريقته.

كان محمد يجهد فى بداية اهتمامه بالأدب لكي يصبح كاتب قصة وروائياً. أما أنا فكانت تتبلور عندي الأفكار بفعل القراءة المتواصلة باللغتين العربية والفرنسية التي سرعان ما ساهمت فى تحوّلي إلى العمل السياسي منذ وقت مبكر باسم الاشتراكية فى صفوف الحزب الشيوعي اللبناني. وإذ سبقته فى الوصول إلى حضن الاشتراكية ببضعة أعوام فإنه لم يتأخر فى الانتماء فكرياً، قبل الانتظام رسمياً إلى الحزب الشيوعي، فى مطالع الخمسينيات. فى ذلك العام بالذات كانت قد نضجت وتحددت عند محمد اتجاهاته الأدبية وهو يمارس العمل فى دكان فى وسط العاصمة بيروت لبيع الورق والمغلفات. كان ذلك الدكان يقع بالقرب من سينما “كريستال” التي إشتهرت بكونها المكان الذي نظم فيه أول مهرجان احتفالاً بعيد أول أيار فى عام 1925 بدعوة من حزب الشعب اللبناني، حزب الشيوعيين. ولهذا التاريخ فى حياة محمد دور سيعود إليه فى النصف الأول من السبعينيات.

اللحظة التاريخية

عندما نضجت عند محمد الاتجاهات الأدبية اتخذ قراراً متعسفاً، ندم عليه فيما بعد، بالانكفاء عن كتابة القصة بعد أن كان قد كتب بعض القصص. وتوقف عن العمل لإنجاز الرواية التي كان قد بدأ الاعداد لها فى النصف الثاني من الأربعينيات. قرر أن يكون باحثاً فى ميدان الأدب إسوة بالجيل الذي كان قد سبقه فى هذا الميدان، جيل حسين مروة ومارون عبود ورئيف خوري وآخرين. وفى تلك اللحظة التاريخية بالذات بدأت مسيرته الأدبية فى الصعود. وتكرست تلك المسيرة بتكليف قيادة الحزب الشيوعي له بإدارة تحرير مجلة “الثقافة الوطنية” من دون أن تكون لديه أي خبرة مسبقة فى ذلك النوع من العمل الثقافي. لكنه خاض التجربة بنجاح. وكان ذلك فى أواخر عام 1952.

تعميق الانتماء

 وكان شريكه الأساسي فى تلك المهمة الثقافية الشهيد حسين مروة الذي ظل يعتبره معلمه الأول. وكان لهما شركاء آخرون من الأدباء والمفكرين اللبنانيين. لكن محمد كان صاحب الدور اليومي فى العمل فى المجلة وفى استقبال المثقفين وفى توسيع دائرة مساهماتهم فى المجلة. ومن موقعه فى مجلة “الثقافة الوطنية” دخل محمد عالم الأدب من الأبواب الواسعة، وصار شريكاً للعديد من الأدباء العرب فى العديد من المؤتمرات الثقافية التي عقدت فى سوريا وفى لبنان، ثم فى مصر وفى بلدان عربية فيما بعد. كما كان من المساهمين الأوائل من المثقفين العرب فى تحويل “رابطة الكتاب السوريين” إلى “رابطة الكتاب العرب”. التقيت مع محمد فى أواخر الستينيات فى المدرسة الحزبية فى موسكو. وكان ذلك العام من أجمل أيام حياتنا فى الجانب الشخصي وفى الجانب الفكري على حد سواء. وإجتهدنا معا فى تعميق إنتمائنا الاشتراكي من منابعه الأصلية. لكن محمد بقي فى موسكو بعد إنتهاء الدراسة فى المدرسة الحزبية لبضعة أعوام. وعدت أنا لمتابعة المعركة التي كنت قد شاركت فى إطلاقها من أجل تجديد حياة الحزب وإخراجه من حالة الجمود والتصحر والتبعية المطلقة للمركز الأممي فى موسكو. وهي المعركة التي إنتهت بإنتصار جيلي من الشيوعيين بإنعقاد المؤتمر الثاني للحزب فى عام 1968. وإذ أحسست أن غياب محمد عن لبنان قد بدأ يؤثر على مسار حياته الأدبية تطوعت فى مطلع السبعينيات لإقناعه للعودة إلى لبنان، فوافق. وكنا قد بدأنا فى الحزب الشيوعي نعد للاحتفال بالعيد الخمسين لتأسيس الحزب. عاد محمد وعادت إليه حيويته الثقافية. واتخذ على الفور قراراً ظل يذكّر باسمه، وهو مساهمته فى الاحتفال اليوبيلي للحزب بإعداد كتاب عن المرحلة الأولى من تأسيس الحزب. وكان كتابه “جذور السنديانة الحمراء” أجمل هدية للحزب فى يوبيله الذهبي. وصدر الكتاب فى صيف عام 1974. وهكذا تحوّل محمد بسرعة من خلال هذا الكتاب والكتب الأخرى التي أصدرها فيما بعد إلى علم كبير من أعلام الأدب والثقافة فى العالم العربي. وجعلته زياراته المتواصلة إلى مصر وسوريا على وجه الخصوص، فضلاً عن البلدان العربية الأخرى، لحضور المؤتمرات والندوات الثقافية، جعلته مصرياً وسورياً وعربياً بامتياز إلى جانب لبنانيته التي ظل يعتز بها حتى آخر حياته. وصدرت خلال الثمانينيات والتسعينيات وقبيل رحيله ببضع سنوات أعداد خاصة لعدد من المجلات الثقافية العربية مكرسة لمسيرته الثقافية. الحديث عن محمد دكروب يبدأ ولا ينتهي. وسيرته الغنية تغري بالكثير من الحديث عنه وعن تراثه الثقافي. لكنني أكتفى هنا فى لحظة وداعه الحزينة بالاشارة إلى السنوات العشر التي إشتركنا فيها بإعادة إصدار مجلة “الطريق” بين عامي 1993 و2003.

الفقر والكدح

جهدنا خلال تلك الفترة، دكروب وأنا، لجعل المجلة منبر نقاش وحوار حول قضايا بلداننا فى حاضرها ومستقبلها وحول اليسار العربي وحول مستقبله فى مرحلة ما بعد انهيار التجربة الاشتراكية. وقد قامت المجلة بدورها المشار إليه فى ظل صعوبات كبيرة كانت المسألة المالية الأكثر إرهاقاً لنا ولها. ولم تلبث تلك الصعوبات أن قادتنا فى آخر الأعوام العشرة من التجربة إلى التوقف عن إصدار المجلة مكرهين. وكانت تلك الأعوام من أجمل ما التقينا فيها معاً فى إطار مهمة ثقافية مميزة لا تزال تشكل فى حياتي نقطة ضوء ساطعة.  كان محمد منذ شبابه الباكر فقيراً وكادحاً بدأب من أجل أن يعيش كريماً. وظل على امتداد حياته فقيراً وكادحاً. لكن أياً من الفقر والكدح لم يؤثرا على الابتسامة الدائمة التي كان يطل بها على الجميع، ولم يقللا مقدار ذرة من الظرف الذي كان من سماته إلى جانب الوداعة والتواضع والحب للآخرين. لذلك كان كثير الصداقات لا سيما بين النساء.

لمحمد دكروب فى مسار حياتي منذ شبابنا الباكر وعلى امتداد الأعوام السبعين من رفقتنا مكان خاص به محفور عميقاً فى الوجدان وفى العقل وفى الذاكرة لا يبرحها.

تلك هي بعض الكلمات التي أودع فيها رفيق عمري محمد دكروب والأسى يملأ قلبي وعقلي ووجداني.

التعليقات متوقفه