المخرج السينمائي محمد كامل القليوبي لـ«الأهالي»: الرقابـــــــة جهـــــاز لكبـــت حريـــــة الإبـــــــداع

12

حوار: سهام العقاد

مبدع.. مشاكس وشجاع ومتمرد جريء ثوري، وفنان صاحب قضية، مواقفه ثابتة، لا يحيد عن قول الحق، ولا يجيد النفاق ومغازلة الباطل، تناولت أفلامه حياة المهمشين والمطحونين والبسطاء، يعتبر أحد أهم المخرجين المصريين، امتلك لغة سينمائية متفردة، وهو من أبرز مخرجي الواقعية فى السينما المصرية، عبرت أعماله عن أهم القضايا المعقدة والشائكة فى المجتمع المصري، أخرج العديد من الأفلام التسجيلية والروائية، وقدم الكثير من الأبحاث النظرية حول الفن السينمائي، حصل على شهادة الدكتوراه فى فلسفة الفن من معهد السينما بموسكو، وتولى العديد من المناصب المهمة منها رئيس المركز القومي للسينما،  ومقرر لجنة الفنون بمكتبة الإسكندرية، وترأس مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولي ، وشارك فى العديد من لجان التحكيم  فى المهرجانات الدولية والمحلية.

انه المخرج السينمائي الكبير الدكتور محمد كامل القليوبي الذي اعتبر كل عمل من أعماله السينمائية -رغم قلتها- بمثابة ملحمة سينمائية تجسد أوجاع وأحلام المجتمع المصري، منها « وقائع الزمن الضائع» و» أحلام مسروقة» و» البحر بيضحك ليه « و» اتفرج يا سلام» و» خريف آدم»، بالإضافة لمسلسلي «الابن الضال» و«بعد الطوفان» والعديد من الأفلام الروائية القصيرة والتسجيلية. أما أخر أفلام د.القليوبي الوثائقية “ أنا.. اسمي مصطفى خميس” ، الذي عكف على إعداده وتصويره أكثر من عامين ويدور حول الحادثة الشهيرة لإضراب عمال مصانع الغزل والنسيج بكفر الدوار بعد ثورة 23 يوليو عام 1952، والتي تشكلت عنها محاكمة عسكرية حكمت على كل من مصطفى خميس، ومحمد حسن البقري بالإعدام الذي تم تنفيذه فى الثامن من سبتمبر عام 1952،  حول الفيلم ورحلته الفنية ورؤيته للواقع والفن كان هذا اللقاء

** بعد مرور 61 عاما على إعدام خميس والبقرى، ما الذي دفعك لتقديم فيلم عن تلك القضية؟

* الشعوب التي لا تعرف ماضيها والتي تتجاهل أحداث مهمة ليس لها مستقبل، هناك جروح تلتئم على صديد فى جسم الوطن، وأحيانا يتم تجاهل أحداث تاريخية مهمة، لذا رأيت أن من واجبي أن أفجر هذا اللغم للحفاظ على تاريخ الوطن وذاكرته، كنت أود منذ سنوات أن أقدم هذا الفيلم، لأنها المرة الأولى فى تاريخ مصر التي يتم فيها محاكمة مدنيين أمام محاكم عسكرية، وهذه سابقة أولى وليست الأخيرة، ربما لو تم استنكار تلك المحاكمة التي حكمت بالإعدام على الشابين خميس والبقرى ما كانت هناك محاكمات عسكرية للمدنيين حتى الآن، الكارثة أن كل ما يسمونه جرائم رأى يخضع لمحاكمات عسكرية!

وأظن أن قادة ثورة يوليو -حسب خالد محيى الدين- لم يكن لديهم خبرات سياسية فى التعامل مع الجماهير وقتئذ، كما أن العسكر يسعدون بالمدح والإطراء، ولا يحبون أن يوجه انتقاد إليهم.

جريمة كبرى

** يبدو أن الفيلم “أنا اسمي مصطفى خميس” يحمل الكثير من الإسقاطات السياسية؟

* الحقيقة أنا شرعت فى تصوير الفيلم إبان زمن الإخوان، تحديدا قبل عامين، المؤكد أن الإخوان المسلمين مدانون فى أحداث كفر الدوار لأنهم لعبوا دورا تحريضيا ضد العمال آنذاك! لقد توقفت عجلة التاريخ عقب ثورة يوليو، وحدث تعتيم كامل على تلك القضية، لدرجة أن الأديب نجيب محفوظ وصف ما حدث بأنه جريمة كبرى ارتكبت فى حق الأبرياء!، مع ذلك عملت على تقديم الحقيقة بكل موضوعية، دون انحياز لأي طرف من الأطراف.

** كيف كانت تجربتك لتوثيق الفيلم، وهل مازالت تلك القضية تشغل أذهان عمال كفر الدوار؟

* نعم مازالت تشغل كل عمال النسيج، ويريدون إعادة المحاكمة، ورد الاعتبار لعاملين اتهما بالخيانة وأعدما ظلما، إنهما شهداء الطبقة العاملة، والصمت على تلك الجريمة يعد بمثابة تواطؤ ترتبت عليه آثار كبيرة فى تاريخنا المعاصر، لذا قضيت شهورا طويلة فى كفر الدوار، أجريت العديد من اللقاءات مع العمال الذين شاركوا فى الإضراب ومازالوا على قيد الحياة، كما التقيت بأسرتي خميس والبقري، للوقوف على أبعاد الحقيقة.

الخريطة السينمائية

** فى ضوء اهتمامك بالسينما التسجيلية، كيف ترى حال الفيلم التسجيلي الآن؟

* السينما التسجيلية والروائية شئ واحد، فأهم مخرجي العالم صنعوا أفلاما تسجيلية، والمهرجانات الكبرى تضع السينما التسجيلية على قدم المساواة مع السينما الروائية، وأرى أن حال الفيلم التسجيلي فى مصر أفضل كثيرا من الفيلم الروائي، نظرا لظهور السينما المستقلة، التي أزالت الكثير من العراقيل أمام صناع السينما، وأتصور انه بتغيير الخريطة السينمائية ستعود العادات الايجابية التي افتقدتها السينما كأن يسبق عرض أي فيلم تجاري مجموعة من الأفلام التسجيلية والروائية القصيرة.

الانحطاط الثقافي

** كيف تري المشهد السينمائي بعد إزاحة الإخوان المسلمين عن السلطة ؟

* قال ضاحكا فترة حكم الإخوان هي أسوأ سنة فى حياتي، وفى تاريخ مصر منذ أيام مينا موحد القطرين وحتى الآن، ونظرا لسواد المشهد وضبابيته آنئذ فكرت فى الرحيل عن وطني، وأرى أن ما حدث فى 30 يونيه ما هو إلا معجزة من معجزات الشعب المصري العظيم.

للأسف الاحتكار دمر السينما المصرية واقتصرت دور العرض علي المولات الكبرى وجمهورها الساذج الذي يهوى أفلام المقاولات الخفيفة، ولا يهتم بالفن السينمائي ومن ثم حرم الفقراء من مشاهد الأفلام الجادة.

أنا متفائل لأن النضج السياسي لدى الشعب سوف يؤدى بالضرورة إلى صناعة سينما تستجيب لمتطلبات الشارع المصري، خاصة أن الثورات لابد أن تحدث تغييرات على كل الأصعدة السياسية والاجتماعية، وبالطبع سينعكس ذلك على مجمل الفنون ومن بينها السينما، والمؤكد أن السينما سوف تتعافى وتسترد مكانتها التي فقدتها بسبب الإهمال والردة والانحطاط الثقافى والفكري الذي أصاب المجتمع،

كبت الحريات

** وصفت الرقابة بأنها جهاز سيئ السمعة وطالبت بإلغائها.. لماذا؟

* جهاز الرقابة على المصنفات الفنية عار على جبين أي وزير ثقافة، بالأحرى يجب أن تدافع وزارة الثقافة عن حرية الإبداع، بدلا من إصرارها على كبت الحريات، عبر ذلك الجهاز المسمى رقابة، واقترح أن تتبع مكافحة القرصنة على المصنفات الفنية وزارة الداخلية بدلا من وزارة الثقافة، وأن تخضع الأفلام من قبل لجنة من المتخصصين فى علم النفس والاجتماع إلى تصنيف «عمري» يسمح للفرد الذي بلغ الثامنة عشرة بمشاهدة كل الأفلام.

التاريخ الأسود

** فى تصورك هل سقطت جماعة الإخوان المسلمين إلى غير رجعة ؟

* لقد انتهت تلك الجماعة على المستوى الشعبي، وفقدت مصداقيتها، وأثبتت الأيام صدق مقولة نجيب محفوظ: «يبدو أن المصريين يريدون أن يجربوا الإخوان»، كما أن الدكتور رفعت السعيد كتب باستفاضة عن تاريخهم الأسود، لكن هكذا يبدو أننا لا نتعلم إلا من خلال التجربة، وأرى أن هذا العام من حكمهم قد أنضج الشعب المصري، والذي لن يسمح مجددا بأن يتلاعب به أحد باسم الدين.

 ** هل تعتقد أن لجنة الخمسين قادرة على إعداد دستور يليق بمصر؟

* لا أحب الهواة، ولجنة الخمسين مشكلة من هواة دستوريين، ليسوا خبراء أو فقهاء فى القانون!!، علما بأننا لدينا كبار القانونيين الذين وضعوا دساتير لبلاد أخرى، ليست معضلة عمل دستور لدولة مدنية، والسؤال الذي يفرض نفسه ما هي علاقة السلفيين بالدستور؟ ونحن جميعا نعلم تاريخهم بداية من تحالفهم مع أمن الدولة، مرورا بتحالفهم مع الإخوان، وصولا إلى لجنة الدستور، علما بأن حظهم من الثقافة قليل ومن الجهل كثير. للأسف الحكومة رخوة ليست حاسمة، وليس لديها إستراتيجية واضحة.

أحضان أمريكا

** كيف ترى عودة الدب الأبيض لملعب السياسة المصري؟

* قطع العلاقات الروسية المصرية فى تصوري يمثل نوعا من الخيانة، لأننا لا يمكن بحال من الأحوال أن ننسى الدور الذي لعبه السوفييت فى بناء السد العالي، وتسليح الجيش المصري، والبعثات التعليمية التي منعها الغرب عن مصر، وغيرها من المواقف المصيرية التي قام بها الروس تجاه مصر، تناسينا ذلك وارتمينا فى أحضان الأمريكان الذين ساندوا الإخوان، وقاموا بدعمهم ليحكموا مصر وليعيدوها للوراء عدة قرون!!

أرى أن عودة العلاقات هي عودة الأمور لنصابها الطبيعي، روسيا دولة محورية مهمة، وأعترف بأنني انتمى عاطفيا للمعسكر الاشتراكي، فقد درست فى موسكو وتزوجت روسية، وأعشق الثقافة والأدب والسينما والشعب الروسي.

** فى تصورك خلفية الرئيس القادم.. عسكري أم مدني؟

* آمل أن يكون رئيس مصر ذا خلفية مدنية.. مصر ليست فى حاجة إلى زعماء ملهمين، مع كل التقدير للفريق عبد الفتاح السيسى الذي قام بدور وطني عظيم فى حماية مصر، واسترد السلطة من الطغاة، أتمنى أن يظل رمزا ومثالا للوطنية والشجاعة، المؤكد أن مصر الآن فى أمس الاحتياج لموظف على درجة رئيس جمهورية.

التعليقات متوقفه