حسين عبد الرازق يكتب : مع.. وضد.. المحاكمات العسكرية

78

لم يتوقف كثيرون أمام المواد المهمة فى مشروع الدستور الجديد الذى انتهت لجنة الخمسين من صياغته بعد مناقشات مستفيضة خلال 60 يوما، وانصب الاهتمام – بل والضجيج – حول مادة واحدة هى مادة القضاء العسكرى والتى حملت رقم 174، وبصفة خاصة الفقرة الثانية الخاصة بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، وتنص هذه الفقرة على ما يلي.. «ولا يجوز محاكمة مدنى أمام القضاء العسكرى إلا فى الجرائم التى تمثل اعتداء مباشرا على منشآت القوات المسلحة العسكرية أو معسكراتها أو ما فى حكمها، أو المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك، أو معداتها أو مركباتها أو أسلحتها أو ذخائرها، أو وثائقها أو أسرارها العسكرية، أو المصانع الحربية، أو الجرائم المتعلقة بالتجنيد، أو الجرائم التى تمثل اعتداء مباشرا على ضباطها أو أفرادها أثناء وبسبب تأدية أعمال وظائفهم..». وعندما طرحت هذه المادة للتصويت المبدئى فى لجنة الخمسين وافق عليها 30 من أعضاء اللجنة ورفضها 7 أعضاء وامتنع عضوان عن التصويت، وظللت – كعضو فى لجنة الخمسين وممثل لتيار اليسار – مترددا فى إعطاء صوتى فى أى اتجاه حتى لحظة المناداة على اسمى لأعلن موقفي، وكان الموافقة على المادة. كانت الحيرة بسبب موقفى الثابت طوال عقود ضد محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكرى وضرورة مثول أى متهم أمام قاضي الطبيعي، والتاريخ الأسود للمحاكمات العسكرية فى مصر بعد ثورة 23 يوليو 1952. مازالت الذاكرة تعى محاكمة الشيوعيين أمام مجلس عسكرى يرأسه الفريق هلال عبدالله هلال قائد سلاح المدفعية عام 1955 والأحكام القاسية التى صدرت ضدهم، ولم يكن لسيادة الفريق أى علاقة بالقانون، ولا لعضوى اليمين واليسار وكانا قائد سلاح الطيران وقائد سلاح البحرية. قبلها – وكنت مازلت طالبا فى الجامعة – حضرت عام 1954 محاكمة «الإخوان» عقب محاولتهم اغتيال «جمال عبدالناصر» فى المنشية، وكانت المحكمة «محكمة الشعب» برئاسة «جمال سالم» وعضوية «حسين الشافعي» و»أنور السادات» وجميعهم أعضاء فى مجلس قيادة الثورة ولا علاقة لأيهم بالقانون أو القضاء، وأصدرت «المحكمة» حكما بالإعدام على سبعة من المتهمين، أعدم ستة منهم وخفف الحكم على السابع «حسن الهضيبي» إلى الأشغال الشاقة المؤبدة. وتوالت بعدها المحاكمات ذات الصبغة العسكرية، القضية رقم 12 لسنة 1965 والتى اتهم فيها آلاف من الإخوان بمحاولة إحياء تنظيم جماعة الإخوان وتغيير دستور الدولة وشكل الحكومة بالقوة، وحكم بإعدام 7 من المتهمين يتقدمهم «سيد قطب» و»عبدالفتاح إسماعيل»، وبالأشغال الشاقة على 26، وما بين 7 سنوات و15 سنة على عدد آخر، ثم عام 1995 فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك حيث حكم على 34 من قيادات الجماعة فى 2 يناير 1995 حوكموا أمام القضاء العسكري، والحكم على 20 آخرين فى 23 نوفمبر 1995 وعلى اثنين من المتهمين فى 30 نوفمبر 1995، وقضية حزب الوسط عام 1996، ثم القضية رقم 18 لسنة 1999 جنايات عسكرية المعروفة بقضية النقابيين ومن بين المتهمين فيها «مختار نوح» و»محمد على بشر»، وقضية أساتذة الجامعات وصدر حكم القضاء العسكرى فيها بالسجن بين ثلاث وخمس سنوات فى 30 يوليو 2002. وفى تسعينيات القرن الماضى حوكم المئات أمام القضاء العسكرى من أعضاء الجماعات الإرهابية «الجماعات الإسلامية المسلحة» وأصدرت المحاكم العسكرية 86 حكما بالإعدام. كما حوكم الشاعر أحمد فؤاد نجم ومعه الشيخ إمام أمام محكمة عسكرية لتأليف وغناء قصيدة «هنا شقلبان.. محطة إذاعة حلاوة زمان» وحكم على نجم بالسجن لمدة عام! هذا هو ما تعيه الذاكرة عن محاكمة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، وهو يكفى ويزيد لرفض المادة المقترحة فى الدستور. إن الجرائم المستثناة هى فى الواقع جرائم إرهابية بمعنى الكلمة، لا يمكن لمواطن مدنى عادى الإقدام عليها، فالذى يعتدى مباشرة على منشآت القوات المسلحة العسكرية أو معسكراتها أو معداتها أو أسلحتها أو مركباتها، لابد أن يكون مسلحا واتخذ قرارا بالقيام بعمل إرهابى مخطط ومحدد الهدف. والإرهاب لم يعد ظاهرة طارئة، بل علينا التعايش والتعامل معه لأجل غير معلوم، فخلال الأربعين سنة الماضية توالت الأعمال الإرهابية فى مصر فى موجات متلاحقة تشتد حينا وتتراجع أحيانا، بل وأصبح الإرهاب ليس أمرا محليا فقط ولكنه ظاهرة عالمية تهدد العالم كله. وقد اختلف القضاء العسكرى اليوم عن صورته بالأمس، لم يعد القضاة العسكريون مجرد ضباط فى القوات المسلحة، بل أصبحوا مؤهلين قانونيا، وقد رجحت هذه الأسباب تصويتى بالموافقة على المادة 174، خاصة أن التصويت تم فى نفس اليوم الذى اغتال فيه الإرهاب شهداء القوات المسلحة الذين كانوا فى الحافلة التى جرى تفجيرها على طريق العريش، وأحسست أن الواجب يفرض على لجنة الخمسين توجيه رسالة تضامن مع قواتنا المسلحة التى تقدم الشهداء كل يوم فى سيناء والوادي.

التعليقات متوقفه