المرافعة التاريخية للمستشار أحمد سميح الريحاني

92

حكم محكمة العجوزة الجزئية في قضية عادل إمام الخاصة بازدراء الأديان

إعداد: سهام العقاد

منذ بداية القرن العشرين، والقضاء المصري الشامخ له إحكام ناصعة في محاكمات قضايا الرأي والحريات والفكر والدفاع عن الفن، لعل من أشهر تلك المحاكمات الكبري محاكمة العالم الأزهري القاضي علي عبد الرازق مؤلف كتاب “الإسلام وأصول الحكم” عام1925، الذي أحدث ضجة هائلة بسبب رفضه الخلافة الإسلامية، والدعوة إلي دولة مدنية، وقامت هيئة من كبار العلماء في الأزهر بمحاكمته وأخرجته من زمرة العلماء.. وفي عام 1926 تعرض عميد الأدب العربي طه حسين للموقف نفسه عقب إصداره كتاب “في الشعر الجاهلي” واتهم بأنه دخل في المحظور، وأنه طعن علي الإسلام، بتناوله تاريخ الأنبياء والرسل، وتولي التحقيق معه رئيس النيابة “محمد نور” وأصدر حكما تاريخيا لصالح الدكتور طه حسين.

توالت محاكمات الفكر والإبداع’ إلا إنها استفحلت في العقود الثلاثة الماضية، وبات من المألوف لأي عابر سبيل أن يجر المبدعين أو المفكرين أو الفنانين إلي ساحات المحاكم بتهمة ازدراء الأديان تارة، والاتهام بالكفر ومخالفة الحكام تارة أخري، ومنهم الراحل د. نصر حامد أبو زيد مؤلف كتاب “نقد الخطاب الديني”، والدكتور لويس عوض مؤلف كتاب “مقدمة في فقه اللغة العربية”، كما تعرض العديد من الشعراء والأدباء للمضايقات كالشاعر حلمي سالم واتهامه بأنه كتب قصائد تسيء إلي الذات الإلهية، وحسن طلب في ديوانه “آية جيم”، وفي الساحة السينمائية أثارت بعض أفلام المخرج الكبير يوسف شاهين حفيظة ذوي اللحي، فلجأ أحدهم للقضاء للحصول علي حكم بمنع عرض فيلم “المهاجر” داخل مصر أو خارجها!!

وأخيرا تعرض الفنان الكبير عادل إمام لذات المنغصات، ممن ينظرون للفن والإبداع بأنه يندرج تحت باب العيب والحرام، واتهم عادل إمام وباقة من رموز الفن بازدراء الدين الإسلامي، باستغلالهم الدين في أعمالهم للترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة، وتقديمهم أعمالا فنية تهزأ بمرتدي الجلباب والحجاب والنقاب.

إلا أن القضاء المصري العظيم قال كلمته في حكم تاريخي بكل المقاييس برئاسة المستشار الجليل أحمد سميح الريحاني، الذي كشف عن ثقافة موسوعية، مكنته من الرجوع إلي القرآن والسنة والخلفاء الراشدين، وأقوال وأفكار علماء الإسلام، كالإمام محمد عبده، والشيخ رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد عمارة، والمذاهب الفلسفية كالمعتزلة والأشعرية، وتعرض لمنهج ابن رشد، وجمال الدين الأفغاني، والإمام أبو حامد الغزالي، كما استشهد ببعض الأعمال الفنية التي عالجت قضية الهوية مثل قنديل أم هاشم ليحيي حقي وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم وموسم الهجرة إلي الشمال للطيب صالح.. تناولت المحكمة القضية من الناحية الدينية بكل أبعادها، ومن الناحية القانونية’ أوضح القاضي العظيم في حيثيات الحكم الصادر من محكمة العجوزة الجزئية، الذي تنشره “الاهالي” في السطور التالية كل أبعاد القضية.

صناعة الفتنة

رأت المحكمة أن الذي يستقيم مع المنطق القانوني، وما كفله الدستور من حريات ومبادئ أساسية للحقوق والواجبات والحريات المقررة بالمعاهدات الدولية والشريعة الإسلامية، هو تجريم استخدام الدين بغرض إثارة الفتنة أو الإضرار بالوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، أي أن مناط الحماية الوطنية بنص تلك المادة هو الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، وليس الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها. ومن ثم فلا يستقيم اعتبار أن قصد المشرع هو تجريم فعل تحقير وازدراء أحد الأديان السماوية، دون أن يكون ذلك الفعل بقصد الإضرار بالوحدة الوطنية والفتنة، كما لا يمكن القول بتحريم فعل تحقير وازدراء الطوائف المنتمية إليها دون الرجوع إلي الأديان السماوية أو الإضرار بالوحدة الوطنية والفتنة، وبمعني أخر، فإن هذه الجريمة تحتاج إلي قصد جنائي خاص لا تقوم بدونه قوامة الإضرار بالوحدة الوطنية وصناعة الفتنة.

تشترك المادة 100 و102 في تجريم الأفعال التي تضر بالأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة، وهو ما وصفه المشرع بالفتنة، وهو ما نستخلص منه أن القصد العام للمشرع بنص المادة موضوع الدعوي اتجه لحماية الوحدة الوطنية ودرء الفتنة_، وإنما لم يقصد حماية الأديان السماوية في حد ذاتها من التعدي عليها باستخدام “الأفكار المتطرفة” كما لم يقصد حماية الطوائف المنتمية لها من التحقير أو الازدراء، إلا إذا كان القصد منه هو الفتنة، ذلك بأنه لا يضير ولي الأمر وهو بصدد إيجاد أطر عامة لتنظيم المجتمع والحفاظ علي النظام العام فيه، أن يعتقد شخص فيما يخالف الجماعة أو ما يدين به عامة الناس، وإنما الذي يعني به هو نزع فتيل الأزمات والحيلولة دون احتكاك طوائف الشعب الواحد، وترديهم في هوة النزاع الطائفي المقيت. كما أن حرية الاعتقاد مكفولة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية أيضا ولكن الأخيرة تتميز بأنها تقيد بأحكام تنظيمية، حفاظا علي الأمن والآداب والصحة العامة، أما حرية التعبير عن الرأي في المعتقد فلا تدخل ضمن حدود التأثيم والعقاب اللذين تملكهما الدولة، إلا إذا اقتضت الضرورة الحفاظ علي السلم العام، وذلك إذا تعدت الممارسة للشعائر أو استطال الرأي -المفصح عنه- إلي المزافق العامة، فتبين أن المعبر عن رأيه والمعتقد في فكرة ما، لم يعبر عنها لحسن نية، وإنما بسوء قصد، بنية تأجيج مشاعر وتأليب الناس بعضهم علي بعض.

محاكم التفتيش

إذ أنه وبالقول بمثل ذلك وباستخدام هذا المقياس الفضفاض المسمي “بالأفكار المتطرفة” والذي لا يبين حدا ولا ضابطا لما يعد متطرفا، وما يعد غير متطرف، الأمر الذي يهدد بأن ينتهي النظام القانوني بما يشبه محاكم التفتيش. فيفتح باب التفتيش في الأفكار، ومن ثم العقائد والحجر عليها بدعوي الهرطقة -بالمفهوم المسيحي تارة، والردة والزندقة- بالمفهوم الإسلامي- تارة أخري. ويرد المجتمع بأثره إلي الظلامية والجمود، بل وشمولية تيار فكري ديني بعينه، ويجهض جميع التطلعات بتطوير الخطاب الديني، وهو ما يناقض الحرية في التعبير والاعتقاد، تلك التي هي مقررة بالدستور والشريعة الإسلامية ذاتها، وهو ما ينتهي علي المستوي التطبيقي إلي تحكيم بشر من نوع خاص، يزعمون لأنفسهم احتكار حق الفهم والشرح والتفسير والتأويل، وأنهم وحدهم الناقلون عن الله. فالثابت شرعا أن الله هو شارع الدين، ومحمد هو مبلغه الأمين، وأننا جميعا نعكف علي الاجتهاد، ولا يمتلك أحد منا صوابا، ولا يملك لآخر معاتبة، طالما أن التعبير عن الرأي ناجم عن نقاء سريرة واجتهاد محمود.

أكدت المحكمة الدستورية العليا أن حقوق الإنسان وحرياته لا يجوز التضحية بها في غير ضرورة تتطلبها مصلحة اجتماعية لها اعتباراتها، وأن “حرية العقيدة التي نص عليها الدستور في المادة 46 بأن هذه الحرية -في أصلها- تعني ألا يحمل الشخص علي القبول بعقيدة لا يؤمن بها أو التنصل من عقيدة دخل فيها أو الإعلان عنها أو ممالاة إحداهما تحاملا علي غيرها سواء بإنكارها أو التهوين منها، أو ازدرائها، بل تتسامح فيما بينها ويكون احترامها متبادلا.

المحكمة لا تنفي إمكانية صدور تشريع يجرم الاعتداء علي رموز دينية لها حرمة عند أبناء الملة، أو فريق من الناس، إذا توافر قصد جنائي عام دون النص علي قصد خاص يتمثل في تكدير السلم العام، إلا أنه لا يصح اعتبار أن المنوط بالحماية القانونية هم الأشخاص المنتمون لتلك الطوائف، ذلك بأنه لا يجوز التفرقة بين المواطنين علي أساس الدين.

كما أن القصد ليس حماية الأفكار والعقائد، ومن ثم منع مناقشتها والجدال فيها، ولا حماية العواطف المستثارة بطبيعتها إذا ما حاول أحد الاقتراب من ثوابتها الفكرية، خاصة الدينية منها، وهو ما يناقض الأسس التي قامت عليها الأديان من دعوي للتفكر، وتحدي ما هو ثابت من معتقدات دينية كانت راسخة لدي الشعوب التي نزلت عليها، حدث ذلك في فجر المسيحية والإسلام.

الحرية والتعددية

ومن ثم فإن الحماية ليست للأفكار، فالأفكار لا يحاربها سوي الأفكار، وليست للعواطف التي تعمل علي حماية تلك الأفكار، فالحجة بالحجة، ولا إكراه في الدين، وإنما الحماية القانونية للوحدة، وتجنب الفتن، أو للحريات في ممارسة العقائد طالما لم تجرح الآداب العامة في المجتمع. فالمصلحة المحمية هي مصلحة المجتمع من حيث سلامته. ولا سلامة للمجتمع إلا بالتعددية، وحرية الفكر في إطار من السلم والتعايش المشترك، ففي حالات الاختلاف إثراء، ولا حصانة لفكر ديني، وإنما الحصانة للدين ممن يستخدمونه لمآربهم الشخصية، والحساب هنا علي القصد، فإذا كان القصد هو مناقشة الفكر ونقده، حتي وان كان بطريقة لاذعة، وبطبيعة الحال جارحة لأهل هذا الفكر لمكانة المعتقد الديني في النفوس، وهو ما سيعد تحقيرا أو ازدراء، فلا تجريم، ذلك بأن طبيعة الروحانية الدينية تستلزم بالضرورة تلازمها وبعض المسلمات (دوجما) التي لا يتقبل فيها النقاش، ولا يستحب فيها الجدال ممن يعتقدون فيها. إن محاولة صهر الناس في بوتقة عقائدية روحانية أو سياسية واحدة من قبل الدولة، أو من قبل جماعة، أشبه بالحرث في البحر، أو بالقبض علي الماء بأكف أيدينا، لأن الله جعلنا أمما وقبائل مختلفين لنتعارف فيما بيننا، ولو أراد أن يجعلنا كلنا مؤمنين لفعل.

أما إذا كان القصد هو الفتنة، أو إعاقة ممارسة شعائره الدينية، فهنا يمكن أن يتدخل الشارع بالتجريم -كنص المادتين 160 و161 عقوبات. ومن يقل بغير ذلك فليأت بسند من القرآن أو السنة المطهرة، فلا حد ولا قصاص علي ازدراء أو تحقير الدين.

وفي مجال القانون الدولي لحقوق الإنسان، تجمع الآراء علي أن الولاية والمسئولية الأولي في حماية وتعزيز حقوق الإنسان علي الصعيد الداخلي هي مستندة في المقام الأول إلي كل دولة، وفق ما التزمت به بانضمامها طواعية إلي العهود والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

تري المحكمة إن حرية الرأي والتعبير عنه لمن أهم مقومات النظم الديمقراطية، فالانتقاص منها هو انتقاص من الحكم الديمقراطي السليم، ومفهوم المادة التاسعة عشرة من العهد الدولي ينصرف إلي أن حق الفرد في اعتناق الآراء التي يختارها دون تدخل هو حق لا يقبل أي قيد أو استثناء، كما أن حرية التعبير تشمل الحق في تلقي واستقصاء ونقل المعلومات، وفي التعبير عن الرأي والفكر ونقلة إلي غيره بأي صورة، إما شفاهة أو كتابة أو عن طريق الكلمة المطبوعة أو المسموعة أو في صورة فنية، هذا وإن كانت حرية الفرد في اعتناق الرأي الذي يختاره لا تقبل بطبيعتها أي قيد، فإن إطلاق الحق في التعبير عن الرأي لا يعني أنه لا يحمل معه واجبات ومسئوليات معينة تسمح بفرض بعض القيود التي تستلزم حماية مصلحة الجماعة الكلية، علي ألا تفرغ تلك القيود الحق في التعبير من مضمونه، أي يجب أن تقتصر علي ما تقتضيه في الدول الديمقراطية حماية الأمن القومي أو الآداب العامة أو حقوق الغير وسمعتهم.

كما تكفل المادة السابعة والعشرون من العهد الدولي حق الأقليات العرقية والدينية واللغوية في التمتع في الدول التي يعيشون فيها بثقافتهم الخاصة وحقهم كأفراد في أن يعتنقوا ويمارسوا شعائرهم الدينية، وفي استخدام لغتهم الخاصة. والهدف من حماية هذه الحقوق هو الإبقاء علي التراث الثقافي بمعناه الواسع الشامل للأقليات بما يثري المجتمع.

تلزم المادة الثانية من العهد الدولي الدول بجميع سلطاتها التنفيذية والتشريعية والقضائية وغيرها بحماية الحقوق والحريات التي نص عليها العهد الدولي.

جدير بالذكر أن مصر من الدول المصدقة علي العهد، ومن ثم فانه -وفي مجال التزام الدول المصدقة ومفهوم المادة المذكورة- ما يعني عدم جواز احتجاج الدولة بأن تشريعاتها الداخلية لا تسمح بهذا التطبيق، فلا يجوز لها الاحتجاج بأن دستورها وقوانينها يعفيانها من التزاماتها الدولية التي ارتضتها بالانضمام طواعية إلي العهد الدولي.

ومن ثم فالمحكمة لها أن تمتنع عن تطبيق القانون الداخلي في حالة كونه مخالفا للالتزام الدولي، وقد اتخذت المحكمة الدستورية العليا في مصر المستوي الذي تلتزم به الدول الديمقراطية في قواعدها القانونية، وفي احترام حقوق المواطنين، والحريات معيارا وضابطا لرقابتها الدستورية يتعلق بسلطتها في تفسير القواعد الدستورية.

شعلة الحرية

أكدت المحكمة أن التاريخ سيشهد بأننا في خضم ثورة قامت من أجل تحرير العقول والنفوس، ومازال يصارعها عبدة الطاغوت والفراعين، ونوهت المحكمة بأهمية التذكير بما في الموروث الثقافي الإسلامي والمصري من رجال كانوا سباقين في حمل شعلة الحرية للإنسانية، ومن هؤلاء العقلاء الشيخ رفاعة الطهطاوي، جمال الدين الأفغاني، عبد الرحمن الكواكبي، الشيخ محمد عبده، رشيد رضا، والقاضي والمفكر قاسم أمين صاحب القول: :أعرف قضاة حكموا بالظلم ليشتهروا بين الناس بالعدل”، والقول “الحرية الحقيقية تحتمل إبداء كل رأي ونشر أي فكر وترويج كل مذهب”.

وعن الشريعة الإسلامية، فقد قال الله تعالي “لا إكراه في الدين” (البقرة 256) وقال تعالي “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” (الكهف29)، دلالة علي حرية العقيدة، وبالقياس، فإذا كان الله قد حرر حرية العقيدة، فمن باب أن العقيدة هي العام والرأي الفقهي هو الخاص، فلا شك أن يترتب علي ذلك أن لا أكراه علي اعتناق فكر ديني، بدعوي انه هو الصحيح المستقيم الأرثوذوكسي، والحجر علي تيار فكري آخر، وهو ما يعد مخالفا مقاصد الشريعة الكبري.

ومن ثم فإن النقد لتيار فكري ديني لا تجريم عليه، ولا يقدح في ذلك القول بأن هناك عقابا بالشريعة للمرتد عن دين الإسلام، ففي مسألة الردة، وهي الكفر بعد الإسلام عن وعي واختيار، فلقد نصت آيات الكتاب علي استبشاع هذه الجريمة في مواضع كثيرة، وتوعدت مقترفها بأشد العذاب، من دون نص علي عقوبة محددة في الدنيا.

وفي تفسير المحكمة لنص المادة 98(و) وموضوع هذه الدعوي، يتفق والفتوي الصادرة من مفتي الديار المصرية، وما قرره شيخ الأزهر، من أن الاستتابة للمرتد ليست محددة بمدة، وأنه قد يستتاب مدي الحياة، مادام لم يحاول بردته نشر الفساد في المجتمع والبدء بالعدوان علي الإسلام، مشيرا إلي أن أعضاء المجمع، اتفق معظمهم علي انه لا يجب في الإسلام قتل المرتد لمجرد تغيير دينه، وإنما القتل يكون إذا أفسد في المجتمع وحاول محاربة الدين، وفي ذلك قال الشيخ شلتوت -شيخ الأزهر الأسبق- إن قتل المرتد ليس حدا، فالحدود لا تبين من أحاديث الآحاد، بل إن الكفر نفسه ليس مستبيحا للدم، وإنما المبيح للدم هو محاربة المسلمين والعدوان عليهم، كما أن ظواهر القرآن الكريم في كثير من الآيات تأبي الإكراه في الدين.

تري المحكمة أن تجريم السخرية من الأديان بقصد تحقيرها وعدم احترامها واجب، إذا كان به ما يفتئت علي حق الاعتقاد، وممارسة شعائر هذا الدين، أو كان بقصد درء الفتنة والحفاظ علي السلم العام، إلا أن الأفعال المؤثمة يجب أن تكون موضحة علي سبيل الحصر’ وغير مجهولة المعني، أما وإذ جاءت علي غير ذلك السبيل من الحصر كما في المادة 98″و” فيجب عدم التوسع في تأويلها والاقتصار في تطبيقها علي حدود مصلحة المجتمع وليس مصلحة أفراد دون آخرين.

الاجتهادات البشرية

وذهبت المحكمة لأهمية أن نفرق بين ما هو مقدس، وما هو غير مقدس في الدين، فالمقدس من الدين هو كتبه، شعائره، مبانيه، رموزه أو العلامات التي تعارف إدلاها بالضرورة عليه، كالصليب والكنيسة في المسيحية، أو الهلال والمئذنة في الإسلام. – وإن كانوا لا يعتبرون من الدين، فالمئذنة لم تكن جزءا من المساجد في العهد النبوي، وعهد الخلافة الراشدة. أما دون ذلك من أشخاص حفل بهم التراث والتاريخ الديني لهذا الدين فليسوا ممن يصح إطلاق وصف رمز ديني عليه، وذلك لكونهم بشرا مثلنا، لنا الحق في الاختلاف معهم، فلا يمكن إسباغ الحصانة من النقد عليهم، كما أن أفكار هؤلاء لا يمكن إلباسها القداسة، ومن ثم إضفاء الحصانة من الاجتهاد والمناقشة والبحث والاختلاف والنقد عليها. وتكمن خطورة هذا البحث في أن أي اختلاف في الرأي مع اجتهاد السلف يمكن أن يفسر علي أنه مجادلة في أصول الدين. فقد نصت المادة 49 من الدستور المعطل علي أن تكفل الدولة للمواطنين حرية البحث والإبداع الأدبي والفني والثقافي، وتوفر وسائل التشجيع اللازمة لتحقيق ذلك، ومن ثم يجب التمييز بين الدين والفكر الديني، “فالدين هو مجموعة النصوص المقدسة الثابتة تاريخيا، في حين أن الفكر الديني هو الاجتهادات البشرية لفهم تلك النصوص وتأويلها واستخراج دلالتها.

تهافت التهافت

تستشهد المحكمة بقول الأفغاني: ” من أن للعلم ثمرات هي فوق إدراك العامة والجمهور”، الأمر الذي يدلف بنا إلي الشق الثاني من المادة 98(و) وما تراه المحكمة من كونه لا يحمي الطوائف الدينية لذاتها، وإنما اختص بالحماية للسلم والأمن العام، فإذا كان الفعل غير مهدر له ولا يرتقي لهذا المستوي فلا تأثيم عليه، ولو اضر بمشاعر تلك الجماعة، فالقول بغير ذلك يتنافي مع عدم قدسية تلك الجماعات ولا أفكارها قداسة الدين، كما انه ولولا تضارب الأفكار لما نشأت الفرق الدينية، ولا كان لكل منها ما يعتنقه من فكر داخل ذات الدين، فكما قال العلماء: الاختلاف رحمة. وما كان ليحدث الاختلاف بين الإمام الغزالي (ممثلا للمدرسة الأشعرية ثم السلفية) والعلامة أبي الوليد بن رشد (ممثلا للتيار الفلسفي الإسلامي وأهل الكلام)، فعندما أصدر الأول كتابه “تهافت الفلاسفة” والذي فيه هجوم علي الفلاسفة والمتكلمين، رد عليه ابن رشد بكتابة “تهافت التهافت” انتصارا لدور العقل والتوفيق بينه وبين النقل، ذلك بتأويل النقل إذا تعارض “ظاهره” مع براهين العقل، وذلك بمؤاخاته بين الحكمة والشريعة.

العقل والنقل

فسرت المحكمة الأسباب التاريخية التي ساهمت في تراجع دور العقل: بأن ما نعاني منه هذه الأيام من توحيد الفكر والدين، إنما بسبب تجاهل الفروق التي صيغت في مبدأ “أنتم أعلم بشئون دنياكم”، ونوهت المحكمة إلي أن سبب ذلك هو الإقصاء الذي تم للتيارات الفكرية لحساب التيارات الحشوية النصوصية، فهو صراع قديم بين العقل والنقل، انتصر فيه العقل تارة، وانتصر فيها النقل أخيرا، وكان العامل وراء ذلك الانتصار هو السياسة وأهواء الحكام، كما تدخلت العوامل الاجتماعية، إذ نشأت إبان ذلك تيارات فكرية تمزج بين الاتجاهين كتيارين من تيارات أهل التوحيد والعدالة وهم المعتزلة والأشعرية.

وقد اختلف عدد الفرق عند المؤرخين، وبرحيل الخليفة العباسي الواثق (332هجرية) انتهي العصر الذهبي للمعتزلة بسبب نزعتهم العقلانية والتي تتنافي مع الحكم الاستبدادي، وفي عهد المتوكل العباسي حدث الانقلاب ضد المعتزلة ونزعتهم العقلانية، فزج بأعلامهم في السجون، وأبيدت آثارهم الفكرية، إلا ما ندر منها، فتقلص سلطان العقل العربي الإسلامي علي الحياة الفكرية والعامة.. وأن الحملة علي العقلانية في الإسلام، وإن قلت بعد تقبل الأزهر لفكرة تدريس أفكار المعتزلة وعلم الكلام بعد أن كان التلفظ باسمهم جريمة! كما حدث مع الشيخ محمد عبده والشيخ عليش لما سمع الثاني أن الأول يردد ما يسمعه بدروس جمال الدين الأفغاني عن المعتزلة فأراد قتله- مازالت مستمرة حتي هذه الأيام، نتيجة استمرار الاستبداد السياسي، فالاستبداد السياسي والديني أخوان، والمشكلة بينهما إنهما حاكمان كما يقول عبد الرحمن الكواكبي ويضيف: “أن أعظم ما يلائم مصلحة المستبد ويؤيدها أن الناس يتلقون قواعده وأحكامه بإذعان بدون بحث أو جدال، فيودون تأليف الأمة علي تلقي أوامرهم بمثل ذلك”.

ومازالت البلاد تحت الحكم المستبد، من بعد خلافة الخلفاء الراشدين وحتي الآن -إلا من استثناءات فردية- فنجد في العصر القريب ملكا يريد الخلافة، ورئيسا للدولة يطلق علي نفسه الرئيس المؤمن، ولا أوضح من ذلك، مما حدث ويحدث الآن، من استخدام الخطاب الديني لتوجيه الجمهور لمآرب سياسية لا صلة لها بالدين، ومن ثم فلا غرابة -إبان ثورة يناير- في خروج فتاوي تحريم الخروج عن الحاكم!! وتحريم الديمقراطية بدعوي أن الحياة الحزبية هي فرقة للأمة التي لا يجب أن يكون فيها إلا حزب واحد هو حزب الله، إذ نجد صداها الواسع يتردد في كتاب التراث الفقهي وفي كتب التاريخ وبالثورة العرابية. فهذا يخالف المستقر عليه الإجماع، فيجب العلم بأن في هذا مصادرة لرأي العقلانية في الإسلام لحساب رأي آخر وهو النقل والنصوصية، فالمدارس الفقهية وان اختلفت إلا أنها تمثل بصفة عامة شقا من ميراث الفكر الإسلامي الذي انطوي علي علم الكلام والفلسفة الإسلامية وتذوق الصوفيين، فلا يجوز محاكمة أحد بدعوي انه مرتد عن الدين، ويستند في ذلك إلي إجماع الجمهور من أهل الحديث. إذ انه لا يجوز البتة، منطقا وقانونا، أن يكون هذا الفكر هو الحكم والخصم في الوقت ذاته.

لقد عرفت الشريعة الإسلامية الخلاف في الرأي في القضايا الأساسية والثانوية طوال عصرها الذهبي، ولا خلاف بين المؤرخين والعلماء، علي أن من أسباب نهوض الفقه الإسلامي حرية الرأي، وكثرة الجدل العلمي بين الفقهاء، فالاختلاف والنقد والصراع والمنافسة هي نواه أي تطور، كما أن الحرية هي أساس أي إبداع.. إن الدين والعقيدة في نفوس المصريين بطبيعته كشعب متدين أقوي من أن يهددها عمل فني.

أوضحت المحكمة كيف كانت حرية الرأي والإبداع والتفكير العلمي سببا في ازدهار الفقه الإسلامي والمجتمع، وكيف كانت لمدرسة الرأي والعقلانيين المعتزلة الأثر البالغ في التطور العلمي والثقافي للدولة الإسلامية، ومن ثم يجب التقييد عند وضع القيود علي تلك الحريات لما له من أثر في كبح مسيرة التقدم في المجتمع، فالفكر الإقصائي الشمولي لا يوحد، بل يفرق، علي عكس الفكر المنفتح الذي يستطيع أن يستوعب الاختلافات الفكرية التي هي موجودة طالما وجدت البشرية.

تكدير السلم

توصلت المحكمة من نص المادة 98(و) إلي أن هذه الجريمة تتطلب قصدا جنائيا خاصا، وهو إحداث الفتنة وتكدير السلم والأمن العام، وحول مدي انطباق وقائع الدعوي علي الركن المادي للجريمة، وعن وقائع الدعوي، كما حددها المدعي بالحق المدني، والتي انتهي فيها بطلب الحكم علي المدعي عليهم بالعقوبة المنصوص عليها بالمادة 98(و) من قانون العقوبات، من أنهم تعدوا علي الإسلام والمسلمين، باستغلالهم الدين في أعمالهم، بالترويج لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة وتحقير وازدراء الدين الإسلامي عموما والجماعات الإسلامية خصوصا، مما يضر بالوحدة الوطنية، وبإلزامهم متضامنين بأداء مبلغ واحد وخمسين جنيها علي سبيل التعويض المدني المؤقت والمصاريف والأتعاب، وذلك تأسيسا علي أن ما قدمه المدعي عليهم بأعمالهم الفنية من أفلام: “الإرهاب والكباب”، “طيور الظلام”، “مرجان أحمد مرجان”، “حسن ومرقص”، مسرحية “الزعيم”، مسلسل “الجماعة”. وبما انطوي علي ذلك من ازدراء للدين الإسلامي عموما والجماعات الإسلامية خصوصا، فقد أضفي المدعي هذه الأوصاف تفصيلا علي تلك الأعمال الفنية:

أولا- مسرحية “الزعيم” لما تضمنته من استخدام لحن أنشودة “أسماء الله الحسني” علي كلمات أخري كما هو وارد تفصيلا بالصحيفة.

ثانيا- تقليده للشيخ محمد متولي الشعراوي في فيلم “الواد محروس بتاع الوزير” لكونه اندرج علي استهزاء “بمظهر” من مظاهر الدين الإسلامي.

ثالثا- تطاوله علي الذات الإلهية كقوله “كيف أرشي الله”، وعلي الزي والهيئة التي يرتضيها رجال الدين علي النحو الذي أظهره كالملتحين والمنقبات بفيلم “مرجان أحمد مرجان”.

رابعا- قوله “أإحنا طلعنا الفضاء ولسه بنقول ندخل الحمام بالرجل الشمال ولا اليمين”، وهو استهزاء بشخص النبي وبفعله، وذلك بفيلم “الإرهابي”.

نوهت المحكمة بأن إدعاء المدعي قد انطوي علي شقين أساسيين، هما ازدراء الدين الإسلامي من جهة، وتحقير المسلمين عموما والجماعات الإسلامية والإخوان المسلمين بصفة خاصة، وان المحكمة تفرق بين الدين والفكر الديني من جهة، وبين ما هو مقدس من جهة أخري.

اللحن الموسيقي

أما فيما انطوي بادعاء المدعي من ازدراء للدين الإسلامي، وعن (أولا) فإن استخدام لحن أنشودة “أسماء الله الحسني”، فمن المعلوم أن اللحن الموسيقي وبصفته عملا فنيا من صنع البشر، فهو أمر ليس من الدين في شئ، وتضيف المحكمة، بأنه إذا ما كان هذا اللحن قد استخدم علي كلمات أخري، فإن أول ما يتطرق للذهن ليس التحقير من أسماء الله الحسني بحال، وإنما لخدمة العمل الدرامي في بيان أن شخصية الزعيم قد أضفت علي نفسها قداسة الصفات الإلهية، وهو وصف لكل فرعون اعتبر مصر وخيراتها له هو، وليس لشعبها، فقادته هذه الأثرة وهذا الاستبداد إلي الظلم والطغيان اللذين جعلاه يدعي الإلوهية ويقول: “ما علمت لكم من إله غيري” (القصص).

أما عن الاتهام، موضع البند (ثانيا)، وبشأن تقليده للشيخ محمد متولي الشعراوي في فيلم “الواد محروس بتاع الوزير” لكونه اندرج علي استهزاء “بمظهر” من مظاهر الدين الإسلامي، فالمحكمة تحيل ما تقدم بأسبابها من أنه، من الخطأ الفادح إضفاء صفة القداسة الدينية علي رجال الدين أو علي فكرهم.

وتضيف المحكمة: بأن ما توصل إليه المدعي من كون المشار إليه في هذا المشهد هو الشيخ محمد متولي الشعراوي، وهو تأويل المدعي الخاص، ونتيجة لاجتهاده الشخصي، ومن ثم فهو الأمر الذي لا يمكن تعميمه باعتباره الحقيقة المجردة.

أما عما انطوي عليه الاتهام بالبند (ثالثا)، وبشأن تطاوله علي الذات الإلهية -حسب وصفه- بقوله: “كيف أرشي الله”، فإن المحكمة لا تري في ذلك تطاولات علي الله في شئ، إذ أن في هذه اللغة من الوضوح ما يدلل علي إنكاره لإمكانية حدوث ذلك. وتضيف المحكمة: ولو أنه ليس بمقام البحث، بأنه لا يوجد ما يمنع إظهار شخصية لا تؤمن بالله في ثمة عمل فني ما، فالقول بغير ذلك ينافي الواقع في المجتمع من وجود المؤمنين وغير المؤمنين.

وفيما أنطوي عليه الاتهام بالبند (رابعا)، وبشأن قوله: طلعنا الفضاء ولسه فيه ناس بتقول ندخل الحمام بالرجل الشمال ولا اليمين” وهو ما -يري المدعي- أن به استهزاء بفعل النبي (صلي الله عليه وسلم) ومن ثم بشخصه الكريم، وذلك بفيلم “الإرهابي”، والمحكمة تقرر بأنه لم يثبت ذلك بحديث، ولا كان من السنن المؤكدة، فهو اجتهاد من العلماء. استحبوا ذلك لعموم حديث عائشة رضي الله عنها “كان النبي (صلي الله عليه وسلم) يعجبه التيمن في تنعله، وترجله، وطهوره، وفي شأنه كله. رواه البخاري ومسلم”. وعموم حديث حفصة رضي الله عنها: “كان النبي (صلي الله عليه وسلم) يجعل يمينه لطعامه وشرابه، وثيابه، ويجعل شماله لما سوي ذلك”، رواه أحمد وأبو داود. كذلك دخول المسجد لم يثبت انه عليه الصلاة والسلام أمر بالدخول باليمني والخروج باليسري.. ولما كان ذلك ما تقدم، فأنه لا يجوز اعتبار الاختلاف مع هذا القول من قبيل الاستهزاء بأفعال أو بشخص النبي.

الصراع السياسي

أما عن الشق الثاني من إدعاء المدعي، وهو تحقير المسلمين عموما والجماعات الإسلامية وجماعة الإخوان المسلمين بصفة خاصة، والمتمثل في تهكمه علي الزي والهيئة التي يرتضيها رجال الدين علي النحو الذي أظهر به الملتحين والمنقبات بفيلم “مرجان أحمد مرجان”، وكذا بفيلم “الإرهابي” -وعلي حد قول المدعي- إظهار شخصية “الإرهابي المسلم” بأنه شخصية مزدوجة لا يصلي، وبأنه أعجب بالخمر رغبة في ارتكاب الزنا، وهو ما يقابله في نص المادة موضوع الدعوي، “الطوائف المنتمية لها” ومن ثم فإن المحكمة تحيل إلي ما سلف أن أوضحته من عدم جواز تفسير نص المشرع علي أساس أن قصده قد اتجه إلي إسباغ الحماية القانونية علي جماعة دينية لمخالفة ذلك الواقع علي النحو سالف البيان.

تنوه المحكمة بوجوب التفرقة بين ما إذا كان النقد المدعي بوقوعه تحت تأثيم القانون قد وقع علي المرتدين بصفة عامة، أو أنه قد وقع علي أعضاء تلك الجماعات، باعتباره قد وقع علي أعضائها، فإن ما كان بشأن الجماعات الإسلامية، وجماعة الإخوان المسلمين، يستوجب التفرقة بين شقين هما: أولا -التنظيم السياسي_ وثانيا -المشروع الفكري الديني-، أما عن الأول، فهو من أمور السياسة للبلاد بإنشائهم أحزابا سياسية اشتركت بالفعل في الصراع السياسي. ومن ثم القول بإسباغ الحماية عليهم، من منطلق ارتدائهم للزي الموصوف بالإسلامي، فهذا خرق لمبدأ المساواة بين الأحزاب السياسية، بإعطائهم ميزة فوق الأحزاب غير الدينية، أما عن المشروع الفكري، فله شقان، الفكرة الدينية وهي من الرأي، ومن ثم فلا يصح إضفاء القداسة عليها، والفكرة السياسية التي ينطبق علي ما انطبق علي التنظيم.

والجدير بالذكر أن المشروع الفكري الديني للجماعات -في فترة ما قبل المراجعات- والإخوان المسلمين -في الفترة السابقة المتمثل في مجموعة النظام الخاص وامتداداته في تنظيم1965، الذي كان قد ارتبط بسيد قطب، ومن أنضم بعد عام 1954 مع بداية المحنة- كان لا يستبعد استخدام القوة أو العنف بل قام عليهما في حالة الجماعات الإسلامية، وهو الأمر المعلوم للكافة، وبشهاداتهم فيما يسمي بالمراجعات.

أما القول بأن المدعي عليهم قد أخرجوا شخصية الإرهابي بشكل غير منصف، وبأنهم لم يوفقوا في إظهار حقيقة الشخصية، وبشكل أساء إليهم، فهذا ليس مناطه العقاب القانوني، وإنما النقد الفني، والأعمال الفنية الدرامية، علي خلاف التوثيقية منها، ليس من شأنها الإلمام بالحقيقة، وليس من دورها تقديم الحلول.

العمل الفني فيلما كان أو مسلسلا أو مسرحا، عادة ما يبدأ بعمل أدبي، قصة أو رواية أو مسرحية، والمعلوم للعالمين أن المدارس الأدبية العالمية قد تطورت واختلفت بتطور البشرية وما أحاط بها من ظروف اجتماعية ودينية واقتصادية وثقافية مختلفة عبر العصور، فكان الملاحظ مخالفة كل مدرسة للمدرسة السابقة عليها اختلاف التناقض، ومن ثم أصبح العمل الأدبي عالميا، ليس له ثمة علاقة بإعطاء الدروس عن إظهار محاسن الأخلاق الحميدة أو تقديم المثالب، كما طالب أفلاطون من أن يكون الأدب مقدما للمثل الطيبة والقدوة الحسنة، وهو الأمر الذي عارضه فيه أرسطو، وما علي الأدب حاليا إلا أن يقدم الحقيقة والواقع كما كان الحال إبان المدرسة الواقعية.

أما عن الإدعاء بتهكمهم علي الزي والهيئة اللذين يرتضيهما رجال الدين علي النحو الذي أظهروا به الملتحين والمنقبات، فإن المدعي علي علم بأن الموجه له النقد هنا هم الجماعات الإسلامية، وليس النقاب أو اللحية. إذ ربط المدعي في قوله بصحيفة دعواه ما بين انتقاد هذا المظهر وانتقاد الجماعات، وهو ما يعد إقرارا منه بهذا، كما أنه ولأن كان نقدا لهذا الزي فهو من منطلق الانتقاد الاجتماعي، ومعالجة لقضية الهوية، التي تناولتها أعمال فنية كثيرة، في محاولة للتأكيد علي الأصالة ودفاعا عنها في مواجهة الثقافات الوافدة أو الدخيلة، وتري المحكمة أن الأعمال الفنية من خيال المبدع، ولا عقاب علي الخيال، ومن ثم فلا يمكن لأحد الإدعاء أن قراءته هو هي الحقيقة المطلقة وقصد الأديب الأوحد.

نوهت المحكمة -بشأن لبس الرجل والمرأة في الإسلام- إلي أن المبدأ هو أن “لباس الرجل أو المرأة أمر عادي باقِ علي أصل الإباحة، ما لم يكن ممنوعا بالنص. وأن الشريعة الإسلامية في شأن لباس المرأة -في جوهر أحكامها وبمراعاة مقاصدها- تتوخي من ضبطها لثيابها أن تعلي قدرها، مع حاجتها تلقي العلوم، وإلي الخروج لمباشرة ما يلزمها من الأعمال التي تختلط فيها مع الآخرين، وليس متصورا بالتالي أن تموج الحياة بكل مظاهرها من حولها، وأن يطلب منها علي وجه الاقتضاء أن تكون شبحا مكسوا بالسواد أو بغيره، لذا يتعين أن يكون لباسها شرعا قرين تقواها، وبما لا يعطل حركتها في الحياة، فلا يكون محددا لجمال صورتها، ولا حائلا دون يقظتها ومباشرتها لصور النشاط التي تفرضها حاجتها ويقتضيها خير مجتمعها، بل موازنا بين الأمرين، ومحددا علي ضوء الضرورة، وبمراعاة ما يعتبر عادة وعرفا صحيحين، وقد دعا الله تعالي الناس جميعا أن يأخذوا زينتهم ولا يسرفوا، وهو ما يعني أن التزامها حد الاعتدال، يقتضي ألا تصفها ثيابها، ولا تشي بما تحتها من ملامح أنوثتها، لا يكون تنقيبها مطلوبا منها شرعا طلبا جازما.

ومن ثم.. يتبين أن لباس الرجل والمرأة يخرج عن أن يكون من الأمور التعبدية التي لا تبديل فيها، ومن ثم فلا يجوز اقرانه بالدين، وإسباغ القدسية عليه بوصفه جزءا من الدين.

كما استندت المحكمة للفكر الأصولي فيما يتصل بأمر اللحية، فقد قال العلماء ثلاثة أقوال هي: تجريم حلق اللحية، كراهة حلق اللحية، وإباحة حلق اللحية، والخلاف الفقهي أمر مقرر في الشريعة والتاريخ الإسلامي، وفي عهد النبوة، ورافض هذا الاختلاف مبتدع في الدين بدعة أصيلة. ومن ثم فإن اللحية أو حلقها من الأمور المختلف فيها، ولما كان في عصر النبوة ما يتطلب إعفاء اللحية، إلا أن الأوضاع الاجتماعية قد تغيرت بتغيير الزمان، ولاسيما المكان. ولذلك لا يجوز أن ينكر علي من أخذ بالآراء الفقهية الأخري أو رميه بالفسق أو الابتداع، لأنه يلزمه بذلك أن يرمي الصحابة والتابعين الذين أطالوا شواربهم أو حلقوها تماما، أو تركوا الصبغ، أو صلوا حفاة بأنهم مبتدعون، أو واقعون في الجرم، وهذا خطر عظيم يقع فيه من لم يحيطوا بعموم المسائل والله تعالي أعلي وأعظم. بذلك ذهبت المحكمة إلي أن اللباس واللحية يرتبطان في حكمهما الشرعي بواقع المجتمع والزمان اللذين يعيش فيهما الفرد.

بذلك فندت المحكمة جميع ما نسب للفنان عادل إمام وباقي الفنانين، وخلصت إلي أن وقائع الدعوي، وعلي هذا النحو السابق تضحي غير منطقية.

وحكمت المحكمة بعدم قبول الدعويين المدنية والجنائية، وألزمت المدعي بالمصروفات، وخمسين جنيها أتعاب المحاماة.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق