فريدة النقاش تكتب : بين “مانديلا” و”نجم”

10

أحيانا ما تكون المصادفة تعبيرا رمزيا عميقا عن معنى وقيمة،  أسر هذه العبودية والنهب من جهة أخري.هكذا قرأت مصادفة الرحيل المتزامن لكل من “نيلسون مانديلا” و”أحمد فؤاد نجم” ليدعونا هذا التزامن لقراءة المشترك بين الرجلين، والقيم والمثل العليا التى دافعا عنها، والأثر الباقى الذى تركه كل منهما فى واقع الإنسانية وفى عصر المعركة الكبري، ولعلها الحاسمة، بين قوى الظلم والطغيان وإهدار الكرامة الإنسانية واستغلال البشر من جهة، وبين الشعوب المكافحة للانعتاق من

قال “أحمد فؤاد نجم” “الخط ده خطي، والكلمة دى ليه، غطى الورق غطى بالدمع يا عنيا”.

كتب “نجم” هذه القصيدة بعد قصف “إسرائيل” لمجمع الزيتية للبترول فى السويس ردا على تدمير البارجة “إيلات” وهو القصف الذى راح ضحيته عشرات المدنيين، ثم كان قصف مدرسة بحر البقر للأطفال فى الشرقية بادعاء أن فى الموقع “هناجر” للطيران المصرى واستشهد عشرات الأطفال فى المجزرة.

ولم تكن ممارسات حكم الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا بأقل وحشية، كما أن العدوان الأمريكى على فيتنام تفوق على كل من إسرائيل وحكومة البيض فى جنوب أفريقيا، وظلت انتصارات الشعوب فى هذه البلدان ضد معاقل الظلم والطغيان تضيئ الظلمات، ويقدم مناضلون مثل “مانديلا”، وشعراء مثل “أحمد فؤاد نجم” إضافاتهم الخلاقة فى طليعة العمل التحريرى الممتد على كل الجبهات على جبهة القتال حيث وقف “مانديلا” ثائرا شجاعا مقاتلا وحاشدا شعبه فكان أن قاده البيض العنصريون إلى سجن امتد سبعة وعشرين عاما ليخرج منه فى ذروة حركة شعب جنوب أفريقيا لإسقاط العنصرية وليكون الرئيس الأسود الأول لجمهورية جنوب أفريقيا الحرة، وسرعان ما شكل وفده للتفاوض من أجل إنهاء الحكم العنصرى من السود والبيض، ومن النساء والرجال ومن ممثلين وممثلات لكل الأحزاب والقوى التى شاركت ولو بأقل قدر فى النضال من أجل إسقاط العنصرية، كان “مانديلا” يستشرف بذلك لا مستقبل جنوب أفريقيا لكل أهلها فحسب، وإنما كان يستشرف مستقبل الإنسانية كلها حين تتحرر من الاستعمار والاستغلال والاستبداد والتمييز لتعيش فى توافق فعلى بين البشر، وهو نفسه المستقبل الذى يتطلع إليه كل المناضلين اليساريين والديمقراطيين فى فلسطين وإسرائيل أى دولة واحدة ثنائية القومية لكل سكانها يعيشون فيها على قدم المساواة، ويطيحون بالفكرة العنصرية البغيضة عن شعب الله المختار أو الدولة اليهودية النقية التى يدعو إليها غلاة المتطرفين الاستعماريين وهم يمارسون استعلاءهم على الشعب الفلسطينى كأغيار.

اشتغل نجم على صعيد الوعى محرضا من طراز فريد قادما من قلب الثقافة الشعبية، من الشوارع والحوارى من سنابل القمح وعرق العمال وهموم المثقفين، وكان هو ينتقل من سجن لسجن، ومن مخبأ للهروب من الشرطة إلى مخبأ آخر لا يكف عن التساؤل:

“الناس عايشين إزاي”؟!

ستواصل القيم التى ناضل من أجلها “مانديلا” وعبر عنها “أحمد فؤاد نجم” فى أشعاره وسيرة حياته عابرة للزمان، محلقة فوق وبين الشعوب فى مسيراتها من أجل الانعتاق، وستأتى أجيال بعد أجيال لترفعها راية، وتبلورها شعارات وأهدافا كما فعل الثوار المصريون حين استخلصوا أهدافهم بطريقة عبقرية، لا فحسب من وقائع الثورات والهبات والانتفاضات المصرية عبر العصور، وإنما أيضا من التاريخ العالمى كله، وصاغوا “العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية”.

وحين صعد اليمين الدينى لحكم مصر وانطلقت عملية الأخونة على أشدها نشأت حركة تمرد وصاغت شعارها “مصر دولة مدنية” وأخذت الأجيال الجديدة ترفع صور “مانديلا” و”جيفارا” و”جمال عبدالناصر” وهى تحفظ عن ظهر قلب أغنيات الشيخ “إمام عيسي” التى كتبها “أحمد فؤاد نجم”.

وتنتقل شعلة الثورة بين أرجاء المعمورة حاملة تلك القيم والمثل العليا والأفكار والرؤى التى أنتجتها الشعوب وهى تدفع إلى المقدمة برموزها التى لا تموت بل ستبقى ملهمة ووضاءة عابرة للزمان والمكان كل يوم.

التعليقات متوقفه