د.رفعت السعيد يكتب : مصر والمرأة فى مواجهة التأسلم (28)

11

وإذا كانت درية شفيق محاولة للاقتراب من اليسار ولو من بعيد فإن لطيفة الزيات هى اليسار ذاته. إذ تألقت فى ساحة الجامعة ثم فى ساحة السياسة ثم فى ساحة الأدب كنموذج ماركسى خالص. ورحلة لطيفة الزيات ممتدة ومتماوجة، وتحكى لطيفة بعضا منها بشجاعة نادرة فى مواجهة الذات وبأسلوب أدبى أكثر من رائع، وفى محاولة للاقتراب نقلب صفحات ما يمكن اعتباره تسجيلا لبعض من مذكراتها.. والكتاب عنوانه (حملة تفتيش.. أوراق شخصية.. كتاب الهلال.. أكتوبر 1992).. وتكاد لطيفة الزيات أن تلخص كل ما تريد قوله فى عبارة على ظهر الغلاف «هذه ليست بسيرة ذاتية تقليدية، رغم المادة الذاتية المتمثلة فى أوراق شخصية، هذه محاولة شخصية لمواجهة الذات وتحطيم الأساطير والأوهام بغية التعرف الحق على الذات، وهى محاولة غاية فى الذاتية يخوضها كل إنسان واع لا يفصح عادة عنها». وتمضي.. ولدت فى 8 أغسطس 1923 وهى سليلة أسرة شديدة الثراء، فجدها الأكبر كان يمتلك عديدا من المراكب الشراعية الضخمة التى تبحر من دمياط إلى شواطئ الشام وإلى قبرص، وجدها كان يمتلك سبع مراكب وامتلك بيتا ضخما فخما أسمته لطيفة فى كل كتاباتها بالبيت بالعتيق.. وتقول «اعتدت وأنا طفلة أن أصعد إلى سطح البيت العتيق وأرى أمامى الأفق المنبسط وأمواجا لا تنتهى وأغنى بأعلى صوت

يا مصر ما تخافيش

ده كله كلام تهويش

إحنا بنات الكشافة

وأبونا سعد باشا

وأمنا صفصف هانم

(حملة تفتيش ص6)

إنها بيئة وطنية ووفدية، ولكن إطماء شواطئ البحر وشحوط المراكب هددت رويدا رويدا قيمة هذه المراكب وفضل الجد أن يستحث ابنه للبحث عن مصير آخر فأصبح الأب مهندسا فى المجالس البلدية وتنقلت معه إلى المنصورة وأسيوط.. ثم أقامت فى القاهرة مع أخوتها، الأب توفى عام 1935 وواصلت هى دراستها الثانوية فالجامعية حتى تألقت عام 1946 كزعيمة طلابية وأصبحت عضوة فى اللجنة التنفيذية للجنة الوطنية للطلبة والعمال التى قادت نضال الشعب فى الفترة 45 – 1947 والحقيقة أنها لم تفز فى الانتخابات لتشكيل اللجنة التنفيذية ونظرا لأن الفائزين لم يكن من بينهم أى طالبة فقد تقدم رفيقها يسعد زهران بالتنازل عن مقعده لها. وكانت الحياة الشخصية للطيفة الزيات متقلبة وبها متناقضات وثغرات مثيرة للدهشة فهى «الماركسية» التى أكدت يوما كان ارتباطى بالماركسية «إنفعاليا وعاطفيا» تمت خطوبتها إلى كاتب شديد التدين وشديد اليمينية هو عبدالحميد عبدالغنى والذى اتخذ لنفسه اسما أدبيا «عبدالحميد الكاتب» وكان يمضى جزءا طويلا من ليله ونهاره فى أحد المساجد وتخصص إلى حد كبير فى دراسة التاريخ الإسلامي، وكان الرباط الوحيد بينهما هو «دبلة الخطوبة» لكن لطيفة بجمالها الفاتن وثقافتها الماركسية وشخصيتها القوية واندفاعها فى العمل السياسى لم تطق استمرار الخطوبة، وتركت كل ما تعلق بهذه الفترة من ذهنها وذاكرتها فلم تذكرها أبدا، أما هو فقد تألم كثيرا وسجل الأمر دون أسماء فى مقال بأخبار اليوم بعنوان خاتم الخطوبة.ثم استقرت كمناضلة ماركسية للزواج من مناضل ماركسى كان معها فى ذات التنظيم «اليسكرا» وهو الدكتور أحمد شكرى سالم وكان فى ذلك الحين معيدا بكلية العلوم، وعندما بدأت المطاردة كما تقول فى مذكراتها «بدأت مرحلة جديدة من مراحل الانتقال من مكان إلى مكان وكان محركها المطاردة من جانب البوليس السياسى لزوجى أو لى شخصيا أو لنا معا، وقد تنقلت معه فى المدة الزمنية 48 – 1949 بين خمسة منازل إلى أن وجدت مسكنا فى مارس 1949 «السجن»، وقبض عليهما معا وتتحدث قائلة «كنت أستنهض شعوب الشرق للكفاح يوم القبض علينا، وتغنيت بعودة الربيع فى المحكمة يوم صدر الحكم بسجن زوجى لسبع سنوات ولم أدرك عندما وقعت فى الحب وتزوجت زيجتى الثانية أننى عدت إلى بيتنا القديم فى دمياط» (ص33)، وهكذا طلقت لطيفة زوجها المناضل السجين لتتزوج أديبا وناقدا وأستاذا جامعيا شهيرا.. وهو يمينى عدو للشيوعية ولعله عاش وصعد بفضل هذا العداء هو «د. رشاد رشدي» واستمر الزواج ثلاثة عشر عاما.. تتحدث عنها بحرارة شديدة وجلد عاصف للذات فتقول «أدرك الآن أن حبى كان ضياعا فى الآخر وأن جريمتى لا تغتفر لأنى ذلك، فما من جريمة أفدح من جريمة وأد الذات إن يداى ملوثتان بدمي» (ص13)، وتقول «لامتنى صديقاتى فقلت لهن الجنس هزم الإمبراطورية الرومانية» وتقول «لقد اختلط الأمر على ولم يعد يختلط، لم يكن العام مشروعي، بل كان مشروعى السعادة الفردية الذى حفيت لتحقيقه وجننت عندما لم يتحقق، سنوات وأنا أدور فى المدار الخطأ، كنت أيامها أبدو للأعين الخارجية امرأة ناجحة بكل المقاييس المتعارف عليها وربما أكثر من ناجحة بفضل عملى وإنجازي، وانطوى من عمرى ثلاثة عشر عاما بوهم التوحد مع المحبوب لفترة تم بمساعى المجنون لاستعادة التوحد الموهوم، وأصابنى الشلل المعنوى والعجز عن العقل فى الفترة الأخيرة». ثم تقول «فى يونيو 1965 أنا وأخى والمأذون فى الغرفة وهو يجلس على الكرسى المتحرك يستدير ليوجهنى محاولا إثنائى عن طلب الزواج وعندما صممت قال «أنا صنعتك»، آلمتها هذه العبارة كثيرا وطويلا وظلت تكررها مرات عدة فى مذكراتها ككابوس تريد التخلص منه دون جدوى مؤكدة للقارئ ولنفسها أنها صنعت نفسها.. وتبرر لنفسها الزواج والطلاق فتقول «سألنى أستاذى بعد الطلاق، ولماذا تزوجتيه أصلا؟ فقلت كان أول رجل يوقظ الأنثى فيْ» (ص70). وتقول علق صحفى كبير فى أخبار اليوم دون ذكر أسماء على طلاقنا فقال إن من النساء من تحمل شهادة الدكتوراة وترسب كزوجة تحمل الشهادة الابتدائية وكان يعنينى «ولقد تعمدت التوقف أمام زواجها الثانى ليس لأنه سياسى فادح وإنما لأنه ترك فى نفسها أثرا عميقا استثمرته فخلصت من وهم الرضوخ ليقظة الأنوثة، وتفرغت تماما لبناء نفسها أكاديميا وسياسيا وفكريا لتتألق كواحدة من أشهر وأشجع النساء المصريات ومن أكثر المثقفات المصريات عطاء وقدرة ووعيا.

وتقول بعد الطلاق وكأنها تواسى نفسها وتشجعها..

فى يوم من أيام الحياة سيزدهر الربيع من جديد

فى أرض حرة حرة فيها نحيا من جديد

فيها نُحِبُ ونُحَب من جديد

ونمضى مع د. لطيفة الزيات

التعليقات متوقفه