فى ذكرى ميلاده.. متحـف نجيـب محفــوظ فى طى النسـيان

18

تحقيق  أمل خليفة

نعم : نقر ونعترف أن الظروف التي كانت تمر بها البلد لم تسمح بإقامة احتفالية  تليق بذكري قامة مهمة مثل كاتبنا العظيم نجيب محفوظ،  ولكن ليس بالضرورة أن يكون الاحتفال بالشكل التقليدي والمتعارف عليه . فبعد مرور كل هذا الوقت علي رحيله كان لابد من إنجاز  المتحف الخاص به، أو انتظام صدور السلسة التي تحمل اسمه . أو تحويل أعماله إلي دراما فتكون خير تكريم واحتفال لصاحب نوبل

يؤكد دكتور جابر عصفور وزير الثقافة الاسبق أنه طبيعي جدا أن تنشغل الدولة عن نجيب محفوظ في ظل الظروف التي يمر بها  الشعب. فلا يحتفل أحد  بنجيب محفوظ لأنه  أكبر من أي احتفال صغير  , كما يصعب إقامة احتفال كبير له في مثل هذه الظروف الصعبة و لكن بالتأكيد إن مقاومتنا لإرهاب  الإخوان المسلمين ,هو في حد ذاته إحتفال ضمني بنجيب محفوظ وقيمه لأن كل ما نقاوم به الإخوان المسلمين هو تمسك بالقيم التي عاش من أجلها وجسدها إبداعا نجيب محفوظ .

ويستطرد عصفور قائلا فيما يتعلق بالسلسلة التي تحمل أسم نجيب محفوظ فهي مازالت مستمرة ولكن هذه السلسلة عبارة عن كتب وهناك كتاب في مصر  أعرفهم بحكم شغلي السابق هم من أكرم الناس في الكلام ولكن بخلاء جدا في الفعل ففي وقت الكلام نجد 300 واحد يوعد بعمل كتاب وساعة التنفيذ لن نجد ولا واحد . ويظهر إن هذه عادة بعض المثقفين المصريبن هم  مجتهدون في الكلام وليس في الأفعال .إنما الشيء الثابت أن الجامعة الأمريكية لديها جائزة باسم نجيب محفوظ تعلن عمن يفوز بها  في يوم 11 ديسمبر يوم عيد ميلاده  وهذه ستظل مستمرة لإنها مرتبطة بقواعد ,ولو كانت هذه الجائزة في وزارة الثقافة ما كانت أستمرت في الظروف الراهنة  .

وفيما يتعلق بتحويل منزل محفوظ  لمتحف يقول عصفور هذا يعتمد علي وزير ثقافة مقاتل بحيث يعد هذا البيت . حيث إنه يحتاج إلي نفقات تجهيز خاصة إنه منزل أثري والمفروض ألا يمس البناء الأثري وهنا يجب عمل حوائط خشبية من الداخل وهذه تكلفة كبيرة حتي لا تمس الجدران الأثرية حتي لا يدخل فيها مسمار ولا شمروخ فتبقي عبارة عن جدران خشبية تحيط بالجدران الأثرية .وكل هذا يحتاج إلي تكلفة عالية جدا .

ويستطرد عصفور قائلا إن الدينامو الذي كان قائما بكل هذه العملية “ توفيق صالح “ قد رحل عن عالمنا , فقد قمت بإستخراج قرار له من فاروق حسني وزير الثقافة السابق بأن يكون هو مدير المتحف . ولكنه للأسف توفي , وكانت  الأوراق في حيازة  مسئول التنمية الثقافية وأعتقد أنه قد يكون  مسئول التنمية الثقافية الحالي شخص  غير كفء ولا يستطيع القيام بمثل هذه المهام . فكل  الحكاية تحتاج  لإهتمام دكتور صابر عرب وأن يتوفر لديه  دعم مالي وحرية اتخاذ القرار .

وجدير بالذكر إن هذا القرار أصبح حاليا  مرتبطا بوزير الآثار أيضا لأن المبني الذي قمنا باختياره أساسا كان مبني أثريا. وكانت المسألة سهلة آنذاك حيث كان  فاروق حسني هو  وزير الثقافة الموحدة . وكانت تتبعها الأثار ولكن حاليا مجلس الآثار أصبح يتبع  وزارة أخري . فأصبحت المسألة صعبة فإذا كان  وزير الثقافة الحالي دكتور صابر عرب علي درجة من القوة بحيث يستطيع إقناع وزير الآثار من ناحية ومن ناحية أخري يكون لديه مدير تنمية ثقافية قوي وعلي استعداد  للعمل الحقيقي . في هذه الحالة يمكن إقامة متحف نجيب محفوظ  .  ولكن تكمن المشكلة حاليا في الأوراق والأشياء والمتعلقات الشخصية والمكتب والمكتبة الخاصة بنجيب محفوظ والتي وعدت أسرته بتسليمها لتوفيق صالح . فهل  ستثق الأسرة حاليا في أي أحد آخر ؟ لا أعرف . فالموقف أصبح أكثر تعقيدا .وفيما يتعلق بشقته في العجوزة فهي شقة إيجار ومازالت الأسرة تسكن بها .

أين المتحف ؟

وفي نفس السياق يقول الكاتب الروائي يوسف القعيد كان هناك إقتراح بإقامة متحف في المنزل الذي ولد فيه  نجيب محفوظ  والكائن في 8 ميدان  بيت القاضي بالجمالية أمام قسم الجمالية القديم . وهذا المنزل يردد  سكانه إنه آيل للسقوط وفي نفس الوقت يعد أثرا حيث إنه مر علي إنشائه أكثر من  100 عام ولا أعرف علي وجه الدقة هل هو حقا آيل للسقوط أم لا. ولكن في حالة تحويل هذا المنزل لمبني فلابد أن تأخذ الدولة ممثلة في جهاز التنسيق الحضاري المبني قبل أن يهدم وهذا ما قاله لي وزير الثقافة .

ثانيا هناك متحفه الذي  خصننا له “ وكالة محمد بك أبو الدهب الموجودة في ميدان الأزهر والتي يطل بابها الأمامي علي شارع الباطنية وهذه خصصت من 2008 وحتي هذه اللحظة لم يتم تجهيزها  بحجة أنه لايوجد إعتمادات مالية من صندوق التنمية الثقافية في وزارة الثقافة والمسئول عنه “محمد أبوسعدة” ورغم إن هذا المتحف سيكون إستثمار سياحي لأن الناس ستأتي لزيارته  وتشتري تذاكر طيران  ويقيموا في فنادق فإذا عرفت  الدولة كم يحقق متحف شكسبير من أرباح لبريطانيا  وكم يكسب فلوبير فرنسا وقدرما يكسبه تولوستوي لروسيا وكوباتا  لليابان  . فهذه المتاحف ليست انفاقا في الهواء ولا ترفا ولكنها تحقق  عائد يسمي عائد السياحة الثقافية الذي لانعرف  كيف نحققه حتل الآن.

ويضيف القعيد قائلا لم تتحول كتاباته لأعمال سينمائية ليس بعد رحيله ولكن في حياته  , فآخر عمل  قدم من تأليفه قبل وفاته بسنوات كان الجزء الأول من مسلسل حديث الصباح والمساء , ولم يقدم  له أي أعمال بعده لا في السينما ولا الإذاعة أوالتليفزيون . ولكننا نعرف المحنة التي تمر بها السينما وإنها في أسوأ حالتها , كما أن الإنتاج الدرامي التليفزيوني أصبح متقلصا جدا وأصبح آخر شيء يفكرون فيه هو تحويل عمل أدبي إلي عمل درامي . وبالمناسبة هناك  ثلاثة مسلسلات لنجيب محفوظ لم تكتمل بعد فمثلا الثلاثية تم إنتاج  بين القصرين وقصر الشوق ولم ينتج السكرية حتي الآن . كذلك مسلسل حديث الصباح والمساء الذي كتبه محسن زايد علي أن يكون عشرة أجزاء نفذ منه جزء واحد فقط وايضا مسلسل الحرافيش الذي كتبه  محسن زايد  أيضا علي أن يكون 10 أجزاء أنتج منه جزئان فقط ومازال هناك 8 أجزاء لم تنتج  بعد . ورغم أهمية هذه الأعمال ورغم إن العمل  فيها بدأ  في حياته لكنها لم تستكمل حتي الآن . ولكن يبدو إنه كما قال نجيب محفوظ  في آخر مدخل لرواية “أولاد حارتنا  “ ولكن آفة حارتنا النسيان “ فيبدو أن مصر نفسها نسيت نجيب محفوظ .

ويضيف القعيد قائلا: فيما يتعلق  بالسلاسل التي تحمل اسم “مكتبة نجيب محفوظ “  إنها مازالت موجودة و تصدر عن الهيئة وهناك أربعة إصدارات حاليا في المطبعة وسيصدر خلال أيام أهم كتاب فيها بعنوان “نجيب محفوظ الرؤية والأداة “ قام بتأليفه  دكتور عبد المحسن طه بدر وهو  الجزء الأول لمجموعة كتب . للأسف توفي الكاتب قبل أن يكملها وهذا كتاب من أهم الكتب النقدية التي تم تأليفها عن نجيب محفوظ في حياته قبل نوبل .

احتفاء دولى

يقول المخرج السينمائي محمد كامل القليوبي نحن لم نحتفل بمرور مائة عام علي ميلاد محفوظ بينما أحتفل العالم كله بالمئوية , وقد كنت أثناء المئوية أزور جامعة “ باولو دي أوليفيرا  “ في آشبيليا  بإسبانيا  “ التي أقامت  إحتفالا هائلا لمدة ثلاثة أيام بمناسبة مئوية نجيب تخللها محاضرات مهمة عنه وعن أعماله التي تم ترجمة معظمها إلي الأسبانية ولهذا يعرفه الطلبة هناك عن ظهر قلب .

كما أقيم أحتفالا بجامعة روسيا للعلاقات الخارجية في موسكو وصنعوا له تمثال كان الوحيد الموجود  في المكتبة المركزية , وألقيت آنذاك  محاضرة مع أعظم مستشرقة في العالم وهي “ فانيليا كريبتشنكو “ وكان الحضور من قراء أعماله والعارفين بشخصة , والحقيقة إن قلبي يتمزق في كل مرة أعود من احتفالية بهذا الشكل بسبب اهتمام  العالم  بنجيب محفوظ أكثر منا فهل يعقل أن تحتفل إسبانيا وروسيا  بمئويته ولم تحتفل مصر  .فهذا أمر يرجع للجهل وسوء التعليم , فكيف لا تدرس مؤلفات كاتب عالمي مثل نجيب محفوظ  في مدارسنا .  فهذه فضيحة أن يعرفه المصريين بحسن الأمام و الثلاثية فقط  . هل كنا نستحق أن يكون بيننا كاتب مثل نجيب محفوظ؟ ونقصر في حقه  بهذه الطريقة ؟

ويستطرد القليوبي قائلا كانت هناك مظاهرات كبيرة في إسبانيا أثناء مئوية نجيب محفوظ وكان يتجول معي أصدقاء إسبان في مدريد أشاروا إلي أحد الميادين وقالوا لي “ هذا ميدان التحرير الخاص بنا “ ومع هذا احتفلوا بنجيب محفوظ فالموضوع ليس تظاهرات أو ثورات فالشعوب التي ليس لديها ذاكرة , لا تستحق الحياة والشعوب التي لاتعرف إن مدي قوتها متمثل في آدابها وفنونها بقوة فهي شعوب هشة .

ويضيف القليوبي قائلا لقد تحولت معظم مؤلفاته لأعمال سينمائية ولكن الأهم أن  تنشر كتبه وتقريرها علي طلاب المدارس بدلا من دروس النصوص التافهة والركيكة والتشجيع علي قراءته . ويكتب عنه ويتم الاحتفاء به بشكل حقيقي ونشر اعماله لمواجهة التفكير السلفي .

عندما نشرت  أولاد حارتنا كتب لها كمال ابو المجد مقدمة شبه إعتذار بدلا من مقاومة التخلف والافكار الرجعية . نجيب محفوظ أكبر بكثير من المعاملة التي نعاملها له . ورغم أن نجيب محفوظ  عمل  سيناريست لفترة لكنه لم  يكتب للسينما علي الأخص. و لم يحول أعماله للسينما مطلقا . فهو توقف عن كتابة سيناريوهات رويات الغير . ثم بدأت الناس تعمل أفلام عن رواياته, ,  وكذلك ليس دائما الأعمال الأدبية العظيمة تصلح أن تكون أعمال سينمائية عظيمة . وهنا يكون دور السينما لفت الإنتباه  لهذه الأعمال حتي تقرأ, وبذلك يكون وسطها الطبيعي الكتاب , وقد كان محفوظ نفسه يعرف  هذا الأمر فكان يردد “ الفيلم ملك للمخرج أما الكتاب فهو لي فأنا في الكتاب ولست في السينما “.

التعليقات متوقفه