فريدة النقاش تكتب : مؤسسات لا أفراد

17

اختار الرئيس المؤقت “عدلى منصور” أن يتشاور مع ممثلين لأوسع قاعدة اجتماعية فى البلاد من الشباب إلى ممثلى الأحزاب والنقابات إلى العمال والفلاحين والمثقفين والفنانين وممثلى المحافظات، وذلك قبل أن يتخذ قراره فى تحديد أى من الانتخابات الرئاسية أولا أم البرلمانية أولا، وتحديد شكل الانتخابات البرلمانية هل تجرى بالقائمة أم بالنظام الفردي، وكانت لجنة الخمسين قد أحالت القضيتين إلى الرئيس بعد أن عجزت أثناء إعدادها لمشروع الدستور عن التوافق حولهما.

وتقول لنا شواهد كثيرة إن مثل هذا الاختيار الرئاسى هو نتيجة مباشرة من نتائج ثورتى 25 يناير و30 يونيو، وليس كما يحاول البعض اختزال المسألة فى أن الرئيس “عدلى منصور” هو رئيس مؤقت لا يريد أن يتحمل وحده المسئولية عن الاختيار.

غيرت الثورة الشعب المصرى كله بمن فى ذلك كبار المسئولين الذين أدركوا أنهم أمام شعب لن يقبل بعد الآن أى استبداد أو مهانة، والانفراد برسم السياسات واتخاذ القرارات هو شكل من أشكال الاستبداد طالما أدى إلى الكوارث، وعلى رأسها العزلة الكاملة لرأس الدولة وكبار موظفيها عن الواقع وعن احتياجات الملايين بعد تهميش دور المؤسسات وتحويلها إلى أشكال فارغة غارقة فى الصراع على المصالح كبيرها وصغيرها بعيدا عن تطلعات الجماهير وآلامها.

ولطالما راهنت القوى الاستعمارية على الحكام المستبدين، وحرصت على التعامل معهم كأفراد بعيدا عن مؤسساتهم، وحتى بعيدا عن فريقهم فى أى مفاوضات.

وكتب “لورنس” – رجل المخابرات الإنجليزى الذى عاش فى الجزيرة العربية- فى مذكراته أنه إذا ما أراد الحصول على قرار ما من الملوك الذين تعامل معهم كان يفضل أن يفعل ذلك على انفراد مع كل منهم مشيرا إلى كراهيته العميقة للمؤسسات وللمستشارين.

وهكذا فعل “جيمى كارتر” الذى كان رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية ووسيطا فى مباحثات “كامب ديفيد” بين الإسرائيليين والمصريين، وكل ما كان عليه أن يقنع الرئيس “السادات” بالتنازل أو التوقيع على قرار هو بالقطع فى غير مصلحة مصر أو العرب كان يحرص على الانفراد به بعيدا عن الوفد المصرى الذى استقال منه ثلاثة وزراء خارجية تباعا هم إسماعيل فهمي، ومحمد إبراهيم كامل، ومحمد رياض، وقد استقالوا جميعا احتجاجا على التنازلات التى قرر “السادات” تقديمها لصديقه “كارتر”، وكان قد أعلن أنه سوف يوقع على أى صيغة يقدمها له “كارتر” حتى دون أن يقرأها.

كان هذا هو ما قدمه لنا “محمد إبراهيم كامل” فى كتابه “السلام الضائع فى كامب ديفيد” وهو ما  يؤكده مجددا الباحث الأمريكى “جايسون براونلي” فى كتابه الجديد “ إجهاض الديمقراطية.. سياسات التحالف بين الولايات المتحدة الأمريكية ومصر” وهو الكتاب الذى اختار له مترجمه أحمد زكى عثمان عنوان “الحصاد المر للعلاقات المصرية – الأمريكية فى أربعين عاما” كما اختار تعبير “إجهاض” بدلا من تعويق الديمقراطية.

وفى واحدة من زيارات “مبارك” السنوية لواشنطن، ووفقا “لإليوت أبرامز” – الصهيونى المتعصب وأحد وجوه المحافظين الجدد المعادين للعرب وللمسلمين “مثلت زيارة مبارك فرصة “لجورج بوش” لحث الرئيس المصرى على تبنى إجراءات للانفتاح السياسي، وجرت هذه المناقشات حين انتحى “مبارك” وابنه “جمال” الذى رافقه فى الزيارة بمعزل عن باقى الفريق المصري”.. ثم يضيف “وهدانا تفكيرنا إلى أنه وقبل كل شيء يجب أن نتحدث إلى مبارك بمفرده بعيدا عن أعضاء فريقه”.

كان إلغاء المؤسسات والتعامل مع الأفراد آلية رئيسية من آليات الدول الاستعمارية لإخضاع البلدان التابعة والتحكم فى مساراتها، وبناء مقومات ثقافية وذهنية للاستبداد لدى الحكام وتأليههم باعتبارهم عباقرة قادرين على اتخاذ القرار الصحيح بمفردهم مع إهدار منظم لدور المؤسسات التى تتآكل وتهترئ، وهو ما يفضى إلى إغلاق سبل التقدم أو التحول الديمقراطى مع انتشار الفساد الذى يتحول إلى مؤسسة، وهنا تصبح الثورة هى الطريق الوحيد المفتوح أمام الشعوب للإطاحة بالحكام المستبدين الذين طالما انفردوا بالحكم، وهو ما قام به الشعب المصري، واختار رئيسه المؤقت أن يخرج – بوعى – على ثقافة الانفراد بالحكم التى طالما ساندها الاستعماريون.

التعليقات متوقفه