.. نجم ليس جاهلاً!

21

بقلم : عبلة الرويني

طبيعي أن يذهب المطرب الشعبي أحمد عدوية الى جنازة أحمد فؤاد نجم، بينما لا يجد الشاعر إسكندر حبش ما ينعى به نجم، سوى الدهشة من حجم (الاحتفاء بالجهل) لشاعر (لم يملك مفهوما عن العالم، ويتلخص كل خطابه الآخر في شتائم!! وصراخ)!! (والهجوم الدائم على الثقافة والمثقفين).

وطبيعي أن يكتب حبش من مساحة مختلفة وبعيدة، يكتب من «غربته»، أو من «فرانكوفونيته» وثقافته التي لا ترى أبعد من ذاتها، لا تستطيع الخروج إلى هواء مدينة معبأ بالفقر والغبار والدخان والغازات المسيلة للدموع.. يكتب حبش من ثقافة وحيدة، ثقافة متعالية لا تعرف طعم الحارات والأزقة والموالد والفقر والعوز والبؤس والسجون، لا تعرف الشعبية، ولا تعرف بالتأكيد (الشعبوية) التي لا بد وأن تكون – من وجهة نظرها – مرادفة للجهل والجهالة.وما يشغلنا هو السؤال: هل حقا نجم هو النموذج للحفاوة بالجهل؟ هل نجم هو الشاعر الجاهل؟ لكن ما الجهل؟ وما الثقافة؟ ماذا تعني؟ وماذا يعني المثقف؟ أسئلة قديمة قديمة، تتجدد دائما مع الاصطدام بنموذج صارخ كأحمد فؤاد نجم، موهبة استثنائية خارج حصص الدرس وقاعات العلم، مبدع لعن الثقافة والمثقفين، لكنه مارس الفعل الثقافي في أرقى معانية وتجلياته. الثقافة ثقافات.. ثمة ثقافات مختلفة، ثمة فارق بالتأكيد بين المثقف، والمفكر، والمعلم، والخبير، والمربي، ورجل العلم ميز بينهم أدوارد سعيد في كتابة «صور المثقف».. وفي كل الحالات كانت الثقافة هي (بناء حركة اجتماعية تسعى لتخليص الإنسان من قيوده). فالمثقف بتعريف سعيد هو الشخص الذي يمسك بقيم عليا مثل (العدالة)، ويحقق استقلاليته التامة عن السلطة، بمعنى عدم الارتباط بقيود تحد من تفكيره، أو توجه مسار أفكاره. وكان نجم يقينا هو التجسيد الأمثل للمفهوم.

وفي كتابه «خارج المكان» أيضا كتب أدوارد سعيد عن «تحية كاريوكا» كواحدة من الكان نجم ابن اليتم والفقر والعوز، أبن الملجأ والعذابات الطويلة والحياة المتناقضة المضطربة، زادته حدة وصلابة، وأَثْرَتْ موهبتَهُ الفطريةَ، وأَغْنَتْ شخصيتَهُ وروحَهُ.. لم يعرف فصول العلم والدراسة، من طفل الملجأ، الى عامل السكك الحديدية، الى ساعي البريد، الى السجن متهما بالاختلاس، الى الخوض في الحياة متحديا كل أشكال القهر والظلم، مناهضا السلطات والمؤسسات كافة، وفي رفضه للمثقفين والهجوم عليهم، دعوة للاستقلالية، ورفض كل صور التواطؤ والتخاذل والارتماء في أحضان السلطة.. من مدينة إلى مدينة ومن بلد الى آخر، كان نجم يؤسس لقيمتين أساسيتين في شعره وحياته: الحرية والأمل، بانتماء أصيل إلى الوجدان والروح الشعبية.

التعليقات متوقفه