صانــــــــــــــع البهجـــــــــــــــــة

9

بقلم : عيد عبدالحليم

بعد صراع مع المرض توفى الروائى والقاص المتميز قاسم مسعد عليوة.

قاسم عليوة: ذلك الإنسان الجميل، المناضل، والمثقف، وصانع الحراك الثقافي، السمح والبشوش الوجه، الطيب القلب حتى النقاء، الذى لم يحمل ضغينة لأحد يوما، ولم يختلف على محبته واحترامه أحد.

حين تأسس حزب التجمع كان “عليوة” أحد من شاركوا فى تأسيسه، وقام بدور بارز فى مدينة بورسعيد، التى أحبها حبا يوازى جمال موقعها وتاريخها، وقدر له أن يكون كاتبا لتاريخها، فكتب مؤلفه “المدينة الاستثناء قراءة مورفولوجية لمدينة بورسعيد” – والذى يعد – من وجهة نظرى أجمل وأدق ما كتب عن تاريخ تلك المدينة الباسلة لعدة أسباب..

أولها: لأنه كتب بمحبة خالصة، وثانيها: تميزه بطبيعة البحث العلمى التاريخي، وقد عرف عن “عليوة” أنه  باحث متميز، ثالثها: اللغة السلسة المكتوب بها الكتاب والتى تقترب من لغة السرد القصص.

يقول عليوة عن مدينته الجميلة: “نعم هى المدينة الاستثناء، وما ينبغى لها إلا أن تكون كذلك مدينة خارج الأطر، لا تعرف الجمود ولا تعترف بالحدود، تجتذب ولا تجتذب وتخرج على كل صور المحاصرة والاحتواء لم لا وهى المدينة التى تبنى نفسها بنفسها، وتملك من إمكانات التمدن ما لا تقدر عليه مخيلات المخططين والبنائين؟”.

وحين قامت ثورة 25 يناير راح “عليوة” يسجل يوميات الثورة فى المدينة، وقد جمعها فى كتاب ضخم تحت عنوان “تأريخ ما يستوجب التأريخ” وصدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.

تجربة متفردة

أما تجربة “عليوة” القصصية فهى تجربة متفردة، فهو صاحب لغة خاصة نابضة بالحيوية والجسارة اللغوية والرؤيوية، وعلى مستوى المضمون فدائما ما كان يبحث عن الجوهر الإنسانى ظهر ذلك جليا فى كثير من أعماله مثل “غير المألوف” و”صخرة التأمل” و”حدود الاستطاعة” و”تنويعات بحرية” و”خبرات أنثوية” و”وتر مشدود” و”حكايات عن البحر والولد الفقير”، و”أنشودتان للحرب” و”الديداموني” ورواية “الغزالة”، ومجموعته التى صدرت منذ شهور قليلة “نبض المرايا” والتى كتبت بأنامل صوفية، وبرؤية فلسفية عميقة المغزي، شفيفة المعني، تقترب من لغة الشعر، بل أن بعض نصوصها يمكن إدراجها ضمن قصيدة النثر ولنأخذ مثالا على ذلك قوله: اهطلى أيتها الأمطار/ اغسلينى وطهريني/ أزيلى أصباغ الفضة عن هذه المرايا/ أحيليها إلى ألواح من زجاج/ انقريها بعنف/ همشيها/ حتى لا تخدع سذجاً غيري”.

المقاوم دائماً

فى كتابه الأخير “تأريخ ما يستوجب التأريخ” كتب عليوة عن المهمشين – الذين كرس تجربته كلها للكتابة عن آلامهم وأحلامهم وطموحاتهم فى الحرية – وهم يسعون إلى التغيير من خلال الثورة المصرية المجيدة، يقول عليوة فى مقدمة كتابه: “باعتبارى أديبا نازعتنى نفسى للكتابة عما عشته وشاركت فى صنعه وشاهدته فى ميادين ثورة 25 يناير، لكننى تخوفت من الانصياع لها لئلا أقع فى المحاذير التى يتأباها ضميرى الأدبي”. لذا سألت نفسي: هل تقبلين يا نفس إتيانى كتابة من هذه النوعية أو تلك؟.. أجابت: لا بأس بالخروج على القيود، أنت أول من يعلم أننى دائبة التحطيم والترك لكل ما يعوق ويكبل”.

وكتب عليوة – بتحد كبير – كل ما حدث فى بورسعيد من أحداث عاصفة وقت الثورة، ليكون كتابه سجلا تاريخيا لمن أراد أن يرصد تفاصيل الثورة فى تلك المدينة الرائعة.

عاش “قاسم عليوة” مرتديا عباءة المقاوم والمناضل حتى وهو يكتب القصة والرواية والمسرح، وكذلك فى نشاطه وعمله العام كعضو فى مجلس إدارة اتحاد كتاب مصر، أو التزامه الحزبى من خلال عضويته فى حزب التجمع على مدى أكثر من ثلاثين عاما.

قاسم عليوة – أيها الجميل/ الجميل.. وداعا.

التعليقات متوقفه