فريدة النقاش تكتب : خطر المتحولين

11

تزدحم الساحة الثقافية والسياسية على حد سواء بالمئات من الشخصيات – التى توصف بأنها شخصيات عامة والتى سبق لها أن طبلت وزمرت لنظام “مبارك” بل واتهمت كل منتقديه اتهامات شتى وصولا إلى مبادرة بعض المخبرين من بينهم لكتابة تقرير ضد من وصفوهم بأعداء النظام من مثقفين ومناضلين سياسيين مما أدى إلى ملاحقة هؤلاء الأخيرين والتضييق عليهم فى حياتهم وأرزاقهم وصولا إلى تقديم بعضهم إلى المحاكمات وحبسهم.

وما أن سقط “حسنى مبارك” وحاشيته وأبناؤه بعد ثورة 25 يناير المجيدة إلا وأصبح الذين سبق أن حرقوا له البخور هم أعلى الأصوات تأييدا للمشير “حسين طنطاوي” والمجلس العسكرى مبررين حتى أخطائه باعتبارها أعمالا تنتسب لـ “الثورة”.

وما أن صعد الإخوان المسلمون إلى سدة الحكم وأصبح “محمد مرسي” رئيسا إلا وقلب هؤلاء فى أرشيفه بحثا عن فضائل له ولجماعته لزوم التزييف والنفاق وأخذوا يكيلون له المدائح إلى أن أسقطته ثورة شعبية أحرجتهم.

ومن أسف أن هؤلاء هم أنفسهم الذين يقوم بعضهم بحرق البخور للفريق أول “عبدالفتاح السيسي” وتشوش كلماتهم الزائفة على العاطفة الشعبية الجارفة تجاه “السيسي” الذى نسج علاقة قوية مع الجماهير الشعبية عن طريق الصدق والإخلاص والجسارة، وهو لذلك ليس فى حاجة إلى عرائض النفاق التى لابد أن تخيفه خاصة، إذا كان يعرف إدمان هؤلاء لنفاق السلطان فى كل مكان وزمان.

ومن حسن حظ المصريين والفريق “السيسي” الذى منحوه ثقتهم أن المحبة ليست حرفة مهما برع المنافقون فى محاولة الإتقان، لأن من يتابع مواقفهم وأقوالهم ويقارنها بما عرفناه عنهم فى الأزمنة “البائدة” – على حد تعبيراتهم – سوف يكتشف أن مفرداتهم الفقيرة لم تتغير، وأن الضجيج الذى يحدثونه بادعاء التأييد غير المشروط “للسيسي” ليس إلا رجع الصدى لحملات التأييد للرؤساء الذين سقطوا.

لا يكتفى هؤلاء المتحولون بإيذاء أنفسهم فقط وإنما يؤدى استمرارهم فى قلب المشهد إلى إيذاء الضمير الشعبى والعدوان على نقائه حتى أن قطاعات من الجماهير تفقد الثقة فى المعانى والمبادئ والخيارات مما يفضى إلى الإحباط والانسحاب أحيانا من المشهد كله.

ولطالما رفضت أنا مبدأ المصالحة مع أعضاء جماعة الإخوان الذين لم يحملوا السلاح ولم يشاركوا فى أعمال العنف قبل أن يعتذروا عن تاريخ الجماعة الدموى حتى ولو لم يشاركوا فى سفك الدماء، فهذا التاريخ هو جزء لا يتجزأ من تكوينهم الفكرى والوجدانى والأخلاقي.

ونحتاج إلى تطبيق نفس المبدأ على هؤلاء المتحولين الكثر الذين نافقوا كل النظم وكل الرؤساء، وأنا على يقين أنهم سيكونون من قادم الأيام جاهزين لتأييد أى نظام جديد أو رئيس جديد لأن أمثال هؤلاء لا يرون فى هذه الدنيا سوى مصالحهم الخاصة وحضورهم الشخصى فى المشهد الثقافى والسياسى بصرف النظر إذا كانت الأمور تسير فى اتجاه المصلحة العامة أو ضدها، أو إذا كان المشهد قذرا أو نظيفا، المهم أن يبقوا هم فى الصورة.

ولعل هذا الحضور المزعج للمنافقين المطبلين المزمرين هو أحد الأسباب الكثيرة التى تصيب شباب الثورة – وهم بمئات الآلاف – بقلق يصل أحيانا لحد الإحباط خوفا مما أسموه عودة رجال “مبارك” إلى مقدمة المشهد، وكأن الشباب لم يفجر ثورته ويقدم الشهداء والمصابين بسخاء من أجل أهدافها.

وشباب الثورة مطالب الآن بأن يخوض معركته الجديدة بعد الموافقة على الدستور فى ميدانى الفكر والقانون، وفى الميدانين هناك حاجة لثورة جديدة تساعدنا نصوص الدستور على إنجازها ففى هذين الميدانين ما هو أعمق كثيرا من عملية عزل المتحولين الذين سبق أن لفظ الشعب المصرى أشباههم وهو ما أسميه بالعزل الديمقراطي.

فى ميدان القانون هناك نص دستورى يحظر قيام أى قانون بالانتقاص من أصل الحق الذى أقره الدستور، وهنا سيكون إسقاط قانون التظاهر الجديد مؤكدا لو جرى تحريك الدعوى ضده استنادا إلى الدستور، وليس قانون التظاهر وحده هو الذى لابد أن نناضل من أجل إسقاطه وإنما هناك ترسانة من القوانين المقيدة للحريات أسقطها الشعب المصرى بثورته بموجاتها الثلاثة لكنها لاتزال قابعة فى السجل الأسود للقمع.

وتحتاج معركة الفكر إلى طاقة الشباب فى ميدان تجديد الفكر الدينى والفلسفة وفتح الأبواب أمام العقل النقدى القادر وحده على تبيان الأصول العميقة للانتهازية والبراجماتية اللتين يحتمى خلفهما المتحولون وأشباههم، هكذا نكون قد تجنبنا خطر هؤلاء حين نصب طاقة الشباب فى الفعل الإيجابى وتلفظهم وهو ما فعلته الجماهير العريضة التى لا تنتظرنا.

التعليقات متوقفه