سارد المهمشين وداعاً

93

محمد البساطي.. والحنين إلي المنابع الأولي

كتب: عيد عبدالحليم

تعد تجربة الروائي الراحل محمد البساطي واحدة من أهم التجارب الروائية المصرية خلال الخمسين عاما الماضية، فهو أحد أعمدة الرواية في جيل الستينيات، فقد شكل مع أبناء جيله بهاء طاهر وإبراهيم أصلان وجمال الغيطاني وجميل عطية إبراهيم ويوسف القعيد ومجيد طوبيا وعبدالحكيم قاسم وخيري شلبي حلقة مهمة من حلقات تطور فن الرواية في مصر والعالم العربي.

وقد تميز هذا الجيل بتنوع روافده وتنوع ثقافاته، فلكل واحد من هؤلاء خطه الإبداعي الخاص به، فبهاء طاهر تميز بلغته الصوفية الشفيفة، وأصلان تميز بالمشهدية وتحويل العادي بتفاصيله المختلفة إلي لغة سردية مدهشة، والغيطاني تميز باستلهامه للموروث المصري خاصة من العصر المملوكي كما في رواية «الزيني بركات»، أما البساطي وعبدالحكيم قاسم والقعيد فقد انحازوا للكتابة عن القرية المصرية وتحولاتها، وإن اختلفت كتابة «البساطي بتعمقه في سرد تفاصيل الريف المصري، من خلال تعدد فضاءات الكتابة من خلال تقديم رؤي مغايرة عبر لغة دفاقة هادرة وبسيطة بساطة الناس الطيبين الذين كان يكتب عنهم، ويستقي من حكاياتهم قصصه ورواياته، هؤلاء الذين سكنوا في وعيه فكتب عنهم في أعماله «التاجر والنقاش» و«الأيام الصعبة» و«المقهي الزجاجي» و«بيوت وراء الأشجار» و«صخب البحيرة» و«أوراق العائلة» و«الخالدية» و«فردوس» وروايته البديعة المسماه «جوع» التي اختار لها عنوانا دالا علي الواقع الذي كنا نعيشه قبل ثورة 25 يناير، ذلك العالم بانهياراته السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فعبر من خلال شخصيات مهزومة – بفعل القهر الاجتماعي – عن أزمة دولة بأكملها.

وقد جاءت روايته «صخب البحيرة» والتي يعتبرها كثير من النقاد أهم أعماله الروائية لتعبر عن حالة الفقد التي يعاني منها المواطن المصري البسيط والذي تم تهميشه فصار مطحونا، وقد اختار مكان أحداثها مدينة المنزلة بمحافظة الدقهلية، وهي المدينة التي ولد ونشأ بها البساطي، وقد تم اختيار هذه الرواية كواحدة من أهم مائة رواية في تاريخ السرد المصري.

المهمشون

أما روايته «أسوار» فجاءت لتعبر عن عالم المسجونين من خلال إحدي الشخصيات التي كانت تقضي إحدي العقوبات في أحد السجون المصرية، وقد استلهم البساطي أحداثها، من خلال عمله في الجهاز المركزي للمحاسبات حيث كان يعمل مراقبا ماليا، وفي إحدي جولاته العملية لمراقبة ماليات أحد السجون تعرف علي هذه الشخصية فقرر أن يكتب عنها روايته «أسوار» والتي رشحت – بعد ذلك – لأكثر من جائزة عربية.

وهكذا كان «البساطي» دائما ينحاز إلي المهمشين الذين يحولهم إلي أبطال داخل أعماله، وهو بهذا يعد من الحكائين المهرة من أبناء جيله، وهو مع ذلك لا تخلو كتاباته من وعي فلسفي باللحظة، من خلال اشتغاله علي فكرة «المحاكاة» للواقع المصري وغرامه بالنص الشفاهي، والربط بين المتخيل والواقعي، فهو يكتب عن بشر من لحم ودم وتفاصيل عاش بعضها، وبعضها بنت خيال متمرد وثّاب.

وعلي حد تعبير د. فاطمة المحسين فهناك قدر من التنافس والاستبعاد بين الحكاية الشرقية الوصافة في سرد «البساطي» رمزية تلك الحكاية وتجريدها، فأزمنة اليومي وحاضر المكان، تنافسهما أو تحاول استبعادهما أزمنة الحكاية الشرقية.

وبالإضافة إلي ذلك نستطيع أن نقول – أيضا – إن «البساطي» عادة ما كان يغوص في تفاصيل الشخصيات ليعبر عن دواخلها وصراعها النفسي عبر سرد يتسم بالاقتصاد، مما يكشف عن حالة من التصادم بين طموحات هذه الشخصيات الروحية وواقع الحياة الملبد بالغيوم والإشكاليات، حتي في رواياته التي حاول أن يخرج بأحداثها من دائرة «القرية» التي يعشقها – ويحن إليها دائما – نجد هذا التواشج بين سرد الداخل وسرد الخارج في الشخصية الواحدة، ونلحظ هذا «جيدا – في روايته «دق الطبول»، والتي عبر فيها عن تجربة اغتراب المصريين في دول الخليج في فترة السبعينيات والثمانينيات، فقد لمس فيها ما يفعله الاغتراب في نفسية الشخصية المغتربة والتي تعاني التمزق والحنين إلي الوطن الأم.

لقد كان «البساطي» كاتبا واقعيا بامتياز، تحركه الرغبة – دائما – في الانحياز إلي «الإنسان» و«قضية الوجود».

تقنيات سردية

ومن ناحية التقنيات السردية فهو أحد الساردين الذين اهتموا بعملية الوصف، تجلي ذلك عبر استخدامه لتيمات متنوعة من الحكي الشعبي كما في مجموعته القصصية «ساعة مغرب» ومجموعته «ضوء ضعيف لا يكشف شيئا».

كذلك اعتمد علي لغة سردية تقترب – كثيرا – من تخوم اللغة الشعرية فنراه مثلا يبدأ معظم قصصيته بجمل شعرية مثل قصة «التل» والتي يقول في مطلعها «يبدو المنظر كحلم، التل كأنما انحسرت عنه مياه البحر من عهد قريب يغمره ضوء الغروب»، وهكذا في معظم القصص التي كتبها منذ نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، وحتي قبل رحيله بأيام.

وقد حصل «البساطي» علي عدة جوائز منها «جائزة العويس» الثقافية بالمشاركة مع القاص زكريا تامر، كما حصل مؤخرا وقبل وفاته بأيام قليلة علي جائزة الدولة التقديرية.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق