فــــــي ذگـــــري ميــــــــــــلاده ألفريد فرج: الكتابة في المعتقل

158

نبيل فرجتحل غدا الخميس الذكري الثالثة والثمانون لميلاد واحد من أهم كتاب ومنظري المسرح في مصر والوطن العربي، ولد ألفريد فرج في 14 يونية 1929 ورحل عن عالمنا في 3 ديسمبر 2005 ونقدم هذا المقال التذكاري للناقد نبيل فرج احتفالا بـ «ألفريد» الذي لم يرحل إلا بجسده.

لم يكن يوم 30 مارس من سنة 1959 بالنسبة لألفريد فرج يختلف عن سائر الأيام التي كان يعمل فيها محررا في دار الهلال، بعد فصله من جريدة «الجمهورية» في أول مايو من السنة السابقة، ضمن عدد كبير من الكتاب والصحفيين يصل عددهم إلي الستين.

فبينما كان يعد مادة العدد الجديد من مجلة «حواء» إذا بباب المكتب يفتح في هدوء، ويجد أمامه من يسأله عن ألفريد مرقس فرج بشارة.

استغرب ألفريد فرج من النطق باسمه الرباعي الذي لا يعرفه أحد وأدرك علي الفور، من الوهلة الأولي، ما هو مقبل عليه، في ضوء ما كان يتواتر حينذاك في الأوساط الثقافية من اعتقالات عشوائية تقوم بها السلطة منذ بداية تلك السنة.

طوي الأوراق التي كانت مفرودة أمامه علي المكتب، وقام بتسليمها إلي مدير تحرير المجلة، طالبا منه بصوت خافت أن يبلغ زوجته بالتليفون بأنه سيتأخر في العودة إلي البيت، كي لا تقلق عليه.

ولكنه لم يكن يتصور، وهو يهبط درجات سلم دار الهلال متجها إلي وزارة الداخلية في لاظوغلي، أن هذا التأخر سيمتد إلي 7 فبراير 1963.

أربع سنين من العناء والترهيب والتعذيب، تنقل فيها ألفريد فرج بين معتقلات مصر كلها وسجنها الحربي، دون اتهام أو تحقيق سوي الاتهامات الظنية والتحقيقات الشكلية التي تبدأ بعد منتصف الليل، وتنتهي قبل الصباح، من باب الضغط النفسي علي المحقق معه، بهذه الطريقة المنحرفة.

ولم تكن هناك منظمات أو جمعيات أهلية أو مدنية تقوم بحماية أحد مما يتعرض له، أو حماية أسرته في حالة غياب عائلها.

ولأن الاعتقال بهذه الصورة كان فعلا متعسفا من جانب السلطة، بلا سند من قانون أو شرع، فقد التجأ ألفريد فرج إلي القضاء، بعد سنوات طويلة من الإفراج عنه، متظلما من هذا الاعتقال الذي هدد حياته وموهبته.

وفي 1987 صدر الحكم بتعويضه تسعة آلاف جنيه عن الأضرار التي لحقت به.

ورفض ألفريد فرج أن يستأنف الحكم، مكتفيا بأنه يدين ممارسات الحكومة في العهد الناصري، المناهضة للحرية والكرامة الآدمية.

وقد حاولت الصحافة العربية في الخارج، التي تعودت علي النيل من مصر، أن تستغل التجاء ألفريد فرج وغيره إلي ساحة القضاء، لإنصافهم من الظلم الذي وقع عليهم في العهد الناصري، بوصفه بأنه انقلاب من الناصريين علي الناصرية، وهو ما استنكره الكاتب بشدة، وأكد في رده هذا الاتهام بأن التضرر من بعض ما ارتكبته أجهزة الناصرية لا يعني جحدا لأفضال النظام علي مصر والمصريين، وأنه، مع تقديره للمبادئ الوطنية التي نادي بها عبدالناصر، وللأماني الشعبية التي عبر عنها فلم يكن قط من حملة المباخر، أو مثل المحب المتيم الذي لا يري في محبوبه غير المحاسن والمزايا، وإنما كان في أعماله المسرحية، والنظام في قمة سلطانه، ينقد السلبيات، ولا يغفل عما يتحقق من إيجابيات.

وكان عبدالناصر نفسه، كما يقول ألفريد فرج، يتقبل في خطبه هذا النقد الموضوعي من المعارضة، في إطار ما عرف بالنقد الذاتي، أو التجربة والخطأ في مسيرة الثورة، وإن لم يستمع أحد في الدولة لكلمات أحد من أصحاب الرأي المخالف الذين كرسوا حياتهم للكفاح الوطني والاجتماعي والثقافي.

وكانت مسرحية «سقوط فرعون» التي قدمها المسرح القومي في نوفمبر 1957 إحدي صيحاته التي سقط فيها إخناتون لأنه لم يستمع لصوت الشعب.

وعلي الرغم من شدة وطأة محنة الاعتقال علي ألفريد فرج، فقد تمكن خلالها أن يكتب من وراء القضبان درة مسرحياته «حلاق بغداد» التي يأخذ فيها علي الخليفة عزلته، وعدم معرفته ما يجري في المدينة، خارج قصر الخلافة، ويتحدث فيها البطل الفضولي المغلوب علي أمره، بصوت الشعب، مطالبا بحمايته من أي اعتداء.

ويذكر الذين شاهدوا «حلاق بغداد» علي المسرح كيف كانت الصالة التي تغص الجمهور تهدد بالتصفيق عندما كان عبدالمنعم إبراهيم يلوح بمنديل الأمان للحاشية الفاسدة، ويطلب من الخليفة الذي يرمز لرأس النظام، أن يعطي كل فرد من أفراد شعبه منديل الأمان، مشيرا إلي جمهور الصالة، والجمهور خارج المسرح.

كما كتب ألفريد فرج في المعتقل، في هذه الظروف القاسية نفسها، صفحات من كتابه الأول «دليل المتفرج الذكي إلي المسرح» الذي وضع فيه الخطوط العريضة لمفاهيمه النظرية الجديدة لفن المسرح وأهمها قضية استلهام التراث والتاريخ في صيغ أو أطروحات عصرية.

ولولا مساعدة المعتقلين له، كفيليب جلاب وصلاح حافظ وحسن فؤاد ومحمود أمين العالم، بتوفير الجو الملائم له للتأليف، لما استطاع ألفريد فرج أن يكتب في المعتقل كلمة واحدة، أو أن يحتفظ بورقة واحدة مما يكتب، بسبب حملات التفتيش المفاجئة، التي تداهم المعتقلين السياسيين. ومع أن التجربة التي تعرض لها ألفريد فرج تجربة مريرة بكل المقاييس، إلا أنها لم تؤثر علي روحه المتفائلة السمحة ولم تمسخ ملكاته، أو تجعله يطرح سرجه، وينصرف عن الكتابة والكتاب.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق