مئة كلمة عيد عبدالحليم في مواجهة الفوضي

158

إن أي مجتمع بشري لا يؤمن بالتعددية هو مجتمع محكوم عليه بالفوضي والاندثار، فالتناحر لا يبقي ولا يذر، وقد علمتنا التجارب الإنسانية علي مر العصور أن «التعدد» هو القاطرة الأولي للتقدم الإنساني، والتعدد المقصود أهم سماته حرية الاختلاف السياسي والثقافي، واحترام الآخر، والتأكيد علي مبادئ المواطنة، وحرية التعبير، والتأكيد علي مبدأ إسلامي رفيع وهو «رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، فليس هناك صواب مطلق، وليس هناك عقلية واحدة، فما تراه أنت موافقا لرؤياك، قد اختلف معه تماما، لكن لابد من وجود مساحة من التوافق الإنساني حتي لو اختلفت المفاهيم ووجهات النظر.

ولعل آفة مجتمعنا هي «أحادية النظرة» و«الأنانية» إن صح التعبير فكل فصيل سياسي يقول «أنا ومن بعدي الطوفان» – لا يحسب للوطن حسابا – بل يتعامل مع العملية السياسية بمنطق الربح والخسارة.

وبدلا من أن ندخل أرض الديمقراطية الحقيقية من بابها الصحيح بتغليب المصلحة العامة علي المصلحة الفردية، رأينا فصائل وتيارات وأفرادا يتركون مصلحة الوطن جانبا ويبحثون عن مكاسب ذاتية، وتسابق الجميع لينالوا ما يستطيعون نيله من تورته الثورة.

وأعتقد أننا في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ مصر الحديث، بل هي أخطر مرحلة، وأقسي اختبار، فإما أن ننال شرف الديمقراطية، وإما أن نرجع للخلف قرونا طويلة.

نحن بحاجة إلي التعدد، إلي فتح أبواب الحوار، إلي التماسك الوطني، إلي المرونة السياسية، إلي الوعي الحقيقي بأهمية اللحظة. وقد رأينا أن التحجر والتمسك بالرأي الواحد والبحث عن مصالح ذاتية كيف كانت النتيجة، فأيا كانت الأسباب – وكلها كارثي بالطبع – فإن النتائج مريرة وأهمها الدماء المصرية الذكية التي أريقت علينا أن نخرج من حالة «الهذيان» و«الفوضي العارمة» التي تجتاح شوارعنا ومياديننا، وعلي القوي السياسية المتناحرة والمتقاتلة علي جسد الوطن أن تدرك أن الحقيقة لا تخفي علي أحد، وأن الصبح القريب كاشف لكل الألاعيب السياسية، وأن الذي يبقي في النهاية هو الشعب.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق