الفئات الشريرة في النظام الضريبي ضبط المجتمع الضريبي ومقاومة التهرب

139


عبدالحميد عطا

الحقيقة أنني أقصد من هذا العنوان تشذيب المجتمع وتهذيب سلوكيات المتهربين وتقليم أظافرهم حتي يكون هذا المجتمع متناسقا لا يشذ عن دفع الضرائب فئة من فئاته فتتحمل العبء الضريبي الأكبر الفئة الأخري فيزيد الغيظ والحنق لديها وبدلا من أن يكون دفع الضريبة وسيلة لترابط المجتمع وتكافله يكون سبيلا للفرقة والشتات فتتحول فئاته إلي جزر منعزلة مفككة لا ترابط بينها ويصبح الموظف والعامل اللذين تخصم ضرائبهما من المنبع قبل قبض مرتباتهم أكثر حنقا وغيظا علي التاجر الذي لا يحرر له الفاتورة الضريبية تهربا من الضرائب وتجنبا لمسك الدفاتر والحسابات النظامية حتي لا تكون إقراراتهم أمنية وصادقة.1- أمثلة لتهرب بعض القطاعات وانعكاسه علي الكثير من السلوكيات

فئتان من فئات المجتمع يستثمران أموالا طائلة في قطاعين مهمين من قطاعاته الاقتصادية ويحققان أرباحا عالية ومع ذلك لا يساهمان في حصيلة ضرائبه إلا بالنذر اليسير، الفئة الأولي تتمثل في قطاع ملاك الأراضي الجدد! وقد بلغت حصيلة ضريبة الأراضي كلها في السنة المالية 2006/2007 طبقا للحساب الختامي 7.164 مليون جنيه تعادل 14/100% من إجمالي حصيلة ضرائب الدخل البالغة 3.114 مليار جنيه.

كما بلغت حصيلة ضريبة المباني 7.187 مليون جنيه تعادل 16/100% من إجمالي الحصيلة، وبلغ مجموع الحصيلة العقارية من الأراضي والمباني 4.352 مليون جنيه تعادل فقط 3.0% من إجمالي حصيلة الضرائب المشار إليها.

أما الفئة الثانية فتتمثل في قطاع النقل بتجلياته المختلفة سواء أكان نقلا للبضائع أم نقلا للأشخاص، وقد بلغ إجمالي ما تحصل من ضرائب ورسوم علي السيارات مبلغ 466 مليون جنيه في نفس السنة تتوزع علي رسم التنمية علي السيارات ورسوم رخص القيادة والضرائب علي السيارات الخاصة فإذا استبعد من هذا المبلغ ضريبة التضامن الاجتماعي علي السيارات الخاصة يكون كل ما يتحصل من ضرائب ورسوم من هذا القطاع في حدود 432 مليون جنيه تعادل 38.0% من إجمالي حصيلة الضريبة عن نفس السنة وهو 114 مليار جنيه.

ونخلص من هذا أن مجموع نسبة مساهمة حصيلة القطاعين في الضرائب لا تجاوز 7.0% من إجمالي حصيلة الضرائب رغم الاستثمارات الهائلة التي تخضع في هذين القطاعين، وهي استثمارات تقدر بالتريلونات وليست بالمليارات.

أنظر الجدول

2- مزايا تحمل العبء الضريبي:

وإذا صح القول وهو صحيح أن تحمل العبء الضريبي يساهم في تنمية المشاركة وتحمل المزيد من المسئولية في إدارة المجتمع سواء بالحرص علي الصوت الانتخابي أو للترشح للمحليات أو مجلس الشعب فهو صحيح أيضا في أن التهرب الضريبي ساعد علي الانفلات الأمني واستسهال ارتكاب الأخطاء والمخالفات سواء بالطمع في الحصول علي الأراضي المستصلحة بقصد الزراعة بقروش معدودة وتحويلها إلي منتجعات أو تقسيمها وبيعها كأراضي بناء بأسعار فلكية وحرمان الفقراء من تملكها لخلق المزيد من فرص العمل وزيادة إنتاج حاجة الوطن للغذاء وكل ذلك واضح من الملكيات غير المشروعة حول طريق مصر اسكندرية الصحراوي والطرق العديدة المتفرعة منه نحو الساحل الشاملي ومرسي مطروح، وبالنسبة لمالكي قطاع النقل وسائقيه يكون ذلك باستسهال قطع الطرق احتجاجا علي المخالفات الإدارية أو للضغط لزيادة الأجرة علي الركاب محدودي الدخل، أو متطاولين علي رجال المرور والاشتباك معهم بدون مبرر حقيقي لذلك يظل المجتمع متوترا وسلطاته خائفة ومشلولة تجاه ما يرتكبونه من مخالفات وأخطاء الأمر الذي ينذر ببداية اضمحلال السلطة في مصر، وضبط سلوك هاتين الفئتين وتهذيبه ضريبيا وأيضا يعد خطوة علي الطريق الصحيح لنهوض المجتمع وهو ما يتحتم أن يكون ذلك ضمن برامج مرشحي الرئاسة الليبرالية علي تنوعاتهم السياسية والاجتماعية كافة.

3- أهمية الإدارة الضريبية:

والبداية تكون بالإدارة الضريبية وهي هنا مصلحة الضرائب المصرية التي تضم مصلحة الضرائب العامة «ضرائب الدخل» ومصلحة الضرائب علي المبيعات والتي يقع عليهما معا الدور الرئيسي في تفعيل مواد الفاتورة الضريبية كما وضحنا سابقا وتطبيق العقوبات الضريبية وهذا لن يتأتي إلا برفع كفاءة مأموري ضرائب الدخل ورفع مرتباتهم وحوافزهم وتوزيعها توزيعا عادلا علي الجميع حتي لا يأخذ نصيب الأسد رئيس المصلحة ومكتبه ومستشاروه وموظفوه وحتي يسارع مأمورو الفحص بفحص الإقرارات «الملفات» فلا تتراكم لتفحص بعد ذلك مكتبيا في آخر أيام السنة الخامسة التي تسقط بعدها الضريبة بالتقادم فيتعرض الفاحصون للعقاب الإداري مع العلم أن المسئولية شاقة وجسيمة وتتحملها مصلحة الضرائب علي الدخل ثم يأتي دور مصلحة الضرائب علي المبيعات التي عليها أن تقوم بتجريم من لا يحرر الفاتورة الضريبية، أما مصلحة الضرائب المصرية المشكلة بالقرار رقم 154 لسنة 2006 بدمج مصلحة الضرائب العامة (الدخل) والضرائب علي المبيعات في مصلحة واحدة تسمي (مصلحة الضرائب المصرية).

4- الفحص الشكلي:

وهذا الضغط يجعل الفحص شكليا بدون معاينات أو تحريات أو قراءة ما يرد للمأمورية من معلومات حول الممولين توضح حجم مشترياتهم ومبيعاتهم مع الممولين الآخرين سواء أكانوا قطاعا عاما أو خاصا مما يكبد الخزانة العامة مبالغ طائلة لأن الفحص الضريبي يعتبر في هذه الحالة عملا إداريا محضا لا علاقة له بالوصول إلي دخائل الممولين وخفاياهم بقصد الحرص علي أموال الخزانة العامة التي تنفق علي التعليم والصحة والأمن والعدالة.

فالإدارة الضريبية وكفاءتها ورشدها مفصل حاكم في نجاح أو فشل النظام الضريبي وإذا صح القول «اعطني قاضيا ولا تعطني قانونا» فهو صحيح أيضا بالنسبة لكفاءة ورشد ووعي الإدارة الضريبية في تحقيق موارد ضريبية عالية يكون لها فعل السحر في تلافي عجز الموازنة العام وعدم زيادة الدين العام بغض النظر عن كفاءة القوانين الضريبية.

5- الفحص بالعينة:

ومن حسن الحظ أن القانون 91 لسنة 2005 الخاص بضريبة أخذ بمبدأ تفعيل نظم إدارة المخاطر من خلال النص – لأول مرة في مصر – في القانون علي الفحص بالعينة بما يخفف العبء عن الإدارة الضريبية ويحد من ظاهرة تأخر عمليات ربط الضريبة حيث يضمن بالتالي حماية الممولين من تراكم الضريبة ووصولها إلي مبالغ يصعب سدادها، والمقصود بإدارة المخاطر أن المصلحة تفحص نسبة من إقرارات الممولين التي تقع في العينة تكون 5 أو 10% من إجمالي الإقرارات ومعني ذلك أنها تتجاوز عن 95 أو 90% من إجمالي الملفات «الإقرارات» لن يتم فحصها وفيها بالقطع عشرات الألوف من المتهربين وهذا هو المقصود بالحظر الذي تتعرض له الخزانة العامة وهي ترضي بذلك في سبيل أن تتحقق مزايا عديدة، أهمها توقيع العقوبات علي المتهربين من ممولي العينة ليرتدع الآخرون فيقدمون إقرارات ضريبية أمينة في السنوات اللاحقة، وحيث إنك لا تستطيع أن ترصد شرطيا لكل مواطن فلا تستطيع كذلك أن تخصص مأمور ضرائب لكل ممول ومن هنا تأتي أهمية الأخذ بنظام الفحص بالعينة التي تفعل نظم إدارة المخاطر ليتلاشي ذلك تدريجيا.

6- أول نص تشريعي منذ أخذت مصر بقوانين ضرائب الدخل:

وهو نص المادة 94 من القانون 91 لسنة 2005 حيث يقول «علي المصلحة فحص إقرارات الممولين سنويا من خلال عينة يصدر بقواعد ومعايير تحديدها قرار من وزير المالية بناء علي عرض رئيس المصلحة» ومع ذلك فقد مر علي مصلحة الضرائب منذ تقديم الإقرارات عن سنة 2005 في نهاية مارس وأبريل 2006 ثلاثة أو أربعة رؤساء لمصلحة الضرائب علي الدخل لم يقم أي منهم بالعرض علي وزراء المالية خططهم لتطبيق الفحص بالعينة تطبيقا للنص السابق الإشارة إليه رغم حصولهم سنويا علي ما يزيد علي بضعة ملايين سنويا ما بين مرتب وبدل وحوافز وإثابات وغيرها من العديد من المسميات كم لم يقم أي وزير مالية بمتابعة هؤلاء وحثهم علي عرض هذه الخطط عليه ليصدر قراره بقواعد ومعايير العينة وتحول هذا النص التشريعي الحديث إلي نص ميت لم يختبر في التطبيق ويتحتم محاسبة هؤلاء وأولئك وضرورة بث الروح في هذا النص وإحيائه مهما تصادف من صعوبات في التطبيق نقل بالتدريج!!

إن علي جميع المسئولين في مصر أن يتحلوا بالشجاعة والإقدام ولا يتخوفوا من تطبيق القوانين وهذا النظام لو طبقناه منذ ست سنوات لقطعنا شوطا طويلا في اكتساب خبرات لا بأس بها ولجنينا ثمار تطبيقه صدقا في الإقرارات وغزارة في الحصيلة!!

ولنبدأ بنسبة عينة عالية من الإقرارات لا تكون 1.2% كما في الدول المتقدمة ضريبيا وإنما تكون النسبة التي نأخذ بها ابتداء هي 20 أو 25% تتناقص سنويا علي ضوء ارتفاع معدل أمانة الإقرارات وصدقه ودقة الدفاتر والحسابات وصحتها وسيعود من وراء ذلك الكثير من المزايا ليس أقلها زيادة الحصيلة وقلة عجز الموازنة إنما شيوع الصدق والأمانة في التعامل الضريبي بجناحيه المواطن الأمين ورجل الضرائب النزيه فالحشد الآن لابد أن يتجه إلي تطوير الإدارة الضريبية بعد أن امتلكنا أنظمة وقوانين ضريبية ملائمة إلي حد معقول.

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق