بعد عدم توافق القوي السياسية حول الجمعية التأسيسية مازال البحث جارياً عن دستور يشكل ملامح الدولة المصرية

131

تحقيق:عيد عبدالحليم

بعد جدل استمر طويلا اجتمع أمس مجلسا الشعب والشوري للاتفاق علي تشكيل اللجنة التأسيسية لإعداد الدستور وهي الخطوة التي تأخرت لشهور طويلة، نظرا لمماطلة التيارات الإسلامية متمثلة في «جماعة الإخوان المسلمين» والتي أرادت أن تستحوذ علي النسبة الأكبر في تشكيل لجنة المائة.ستكون اللجنة منوطا بها وضع مواد الدستور المصري الجديد في إطار حالة من التوافق المجتمعي والسياسي، وقد كان من المفترض وفق الأسس الصحيحة لتنظيم الدولة الحديثة أن يتم وضع الدستور قبل إجراء انتخابات رئاسة الجمهورية، لكن حالة الشد والجذب والتخبط التي شهدتها الحياة السياسية المصرية أجلت هذا الأمر، وهذا ما يراه المستشار ماهر سامي – نائب رئيس المحكمة الدستورية – في دراسة له تحت عنوان «دستور جديد لمن؟» حيث يقول: «كان الصواب، والذي يتفق مع طبائع الأمور، والمنطق السليم، وقواعد المشروعية، وحسن إدارة شئون البلاد، وفق ترتيب متناغم – يجنب البلاد كثيرا من الارتباك والاضطراب والتناقض والتصادم والتعقيد، أن يكون الدستور هو البداية – قاعدة البناء التي تستند إليها وترتكز عليها إنشاء جميع المؤسسات الأخري، لأن الدستور هو الذي يتكفل بتحديد النظام السياسي للدولة، وعلاقة السلطات ببعضها واختيار أسلوب التمثيل النيابي للشعب ومجالسة المنتخبة، والنظام الانتخابي الذي يعتنقه، وهذه كلها هي مراحل بناء النظام الديمقراطي في مصر».

تراث حضاري

ويري المستشار محمد أمين المهدي – رئيس مجلس الدولة السابق – أن الدستور الجديد المنتظر صدوره لابد وأن يكون دستور اللحظة الآنية والمبشر بسيادة الدستور واحترام حقوق الإنسان في النظر والتطبيق، لذا يتعين في إعداد الدستور الجديد تحقق الرؤية الواقعية القادرة علي اجترار تراث مصر الثقافي والسياسي الليبرالي في تفاعل إيجابي مع المتغيرات الجديدة في القواعد الحاكمة للمجتمع الدولي، وكل ذلك تنظيما لحاضر يتيح انطلاقة جديدة لمستقبل وطن ينعم فيه المواطن بسيادة القانون وحمايته، ليسهم بإيجابية في إدارة شئونه.

ويضيف المهدي قائلا: «وإعداد الدستور المصري الجديد يفترض أن يكون اللبنة الأولي في التنظيم المؤسسي المزمع إقامته بديلا عن نظام تداعت قواعده وتآكلت صلاحيته، فبذلك وحده يتحقق في المنظور القانوني والواقع الفعلي مفهوم الثورة باعتبارها تتطلب لزاما بناء جديدا مغايرا لأوضاع وعلاقات كانت سائدة في المجتمع الذي ما تقوم الثورة إلا من أجل تغييرها.

وليس المراد الشعبي، ولا ما أظنه مستقرا في وجدان النخبة المجتمعية، أن يكون الدستور الجديد محض مداواة لمساوئ بدت وعيوب تفشت في تطبيق النظام السياسي السابق، وإنما المراد حقا هو أن يكون الدستور الجديد مجسدا لرؤية كاملة واعية لا تجعل من الدستور، ترتيبا علي مفاد أحكامه المقترحة دستورا للحظة الآنية فقط، بل يهيئ أنسب الظروف والأوضاع لقيام واقع لزمن تسود فيه أحكام الدستور، وتعلو فيه وتصان سيادة القانون في النظر والتطبيق، وتحترم فيه حقوق المواطن باعتباره إنسانا يتمتع بحقوق وحريات أساسية ليست منحة من نظام أو هيئة أو فرد.

حماية الحقوق

وهذه الحقوق كما يراها المستشار المهدي لابد وأن ترتبط بما تم التعارف عليه في المواثيق الدولية حيث يقول: «جدير بالذكر أن حقوق الإنسان لم تعد شأنا داخليا تستقل به تنظيما وحماية، كل دولة بل أصبح بيان هذه الحقوق وحمايتها أيضا ضمن الاتفاقيات الملزمة لحمايته هذه الحقوق دوليا مثل: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لسنة 1948، والعهدان الدوليان لسنة 1966 بشأن الحقوق المديةي والسياسية، وبشأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فضلا عن إعلان فيينا لسنة 1993 الذي أكد علي حقوق أساسية بالإضافة إلي ما سبق تقريره بالإعلانات والاتفاقيات السابقة، وتتمثل هذه الحقوق في الحق في التنمية والحق في الحكم والإدارة الرشيدة والحق في البيئة النظيفة، فكل ذلك أصبح من حقوق الإنسان التي يتعين احترامها وعدم المساس بها.

إعادة البناء

ويري المستشار بليغ كمال – نائب رئيس محكمة النقض – أن إعادة البناء المبتغي لمصر لا يتأتي إلا بإقامة نظام دستوري ديمقرطي ينهض بها ويضعها في مكانها اللائق في عصرنا الحديث الذي تتطور فيه الأمم الديمقراطية تطورا متلاحقا وبسرعة مذهلة.

ومن المعروف أن البناء القانوني المأمول للدولة المصرية كأي بناء عظيم يتطلب ابتداء وضع الأساس القوي المتين الصالح لحمله ثم يعقب ذلك تأسيس أركانه وأعمدته كيما يعلو البناء شامخا سامقا راسخا ولائقا بمصر مهد الحضارة والمدنية والرقي منذ فجر التاريخ، ولا شك أن أساس هذا البناء – وهو في الوقت ذاته قمته – هو دستور البلاد باعتباره قوام الحياة القانونية لها، فهو الذي يحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها ويبين سلطاتها العامة الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، من حيث تكوين كل منها واختصاصاتها وعلاقات بعضها ببعض، ثم أخيرا يبين الحقوق والحريات العامة للمواطنين ويصونها علي اعتبار أنها الغاية العظمي للدساتير، بل هي المجلس الأعظم للدولة الدستورية ومحك قدرتها علي صيانة حقوق وحريات الأفراد الأساسية، لأن الدولة كفكرة في التاريخ ما قامت إلا لتحقيق هذه الغاية، بل هي العلة الأولي والغاية العظمي من وضع الدستور الذي يؤسس للبناء القانوني للدولة.

وحول البناء القانوني للدولة الحديثة يقول المستشار بليغ كمال: للدستور أهمية عظمي في حياة الشعوب الديمقراطية المعاصرة فهو الذي يحدد شكل الدولة ونظام الحكم فيها، وأن يكون قوامها الأساسي هو مبدأ سيادة القانون أو ما عرف بمبدأ «المشروعية» فعماد الدولة القانونية أن تكون محكومة بمبدأ المشروعية، ويقصد بهذا المبدأ خضوع الحاكمين والمحكومين لسيطرة أحكام القانون، بمعني أنه لا يكون لهيئة عامة أو خاصة أو لفرد أن يأتي تصرفا مخالفا لقانون البلاد، فالمبدأ يفرض علي الجميع – بلا استثناء احترام أحكام القانون، ولا يكون ذلك إلا بالخضوع له والعمل بمقتضاه، وبغير ذلك يصبح الأمر فوضي وتخرج من دائرة النظام الديمقراطي الحر إلي نظام استبدادي، ومن مقتضي مبدأ المشروعية أيضا، أن يتقيد كل تشريع بالتشريع الأعلي منه درجة، فلا يصح أن يتعارض تشريع فرعي مع تشريع عادي.. كما أنه لا يصح أن يتعارض القانون مع تشريع دستوري.

وأساس مبدأ سمو الدستور أن النظام القانوني في مجمله يعتمد علي القواعد الدستورية، وأن السلطات العامة ليس في وسعها أن تباشر إلا الاختصاصات المقررة لها في الدستور كما أشار إلي ذلك د. فتحي فكري في كتابه «القانون الدستوري»، فالنظام القانوني للدولة يقوم علي مبدأ المشروعية ومبناه فكرة تدرج التشريعات بحيث يتقيد الأدني بالتشريع الأعلي، وفي النهاية يتقيد الجميع بالدستور بحسبانه أسمي قانون في الدولة بما يلزم سلطان الدولة ورئيسها والجميع بأحكامه فيما يصدر عنها من قوانين ولوائح ومؤدي ذلك أن الغرض من الدستور هو إنشاء الدولة القانونية.

ويورد المستشار بليغ كمال رأي المحكمة الدستورية في «مفهوم الدولة القانونية» والذي يقول بأن «الدولة القانونية هي تلك التي تتقيد في كل مظاهر نشاطها – وأيا كانت طبيعة سلطاتها – بقواعد قانونية تعلو عليها وتكون بذاتها ضابطا لأعمالها وتصرفاتها في أشكالها المختلفة»، ذلك أن ممارسة السلطة لم تعد امتيازا شخصيا لأحد، ولكنها تُباشر نيابة عن الجماعة ولصالحها – وكان حتما بالتالي أن تقوم الدولة بمفهومها المعاصر – وخاصة في مجال توجهها نحو الحرية علي مبدأ مشروعية السلطة مقترنا ومعززا بمبدأ الخضوع للقانون باعتبارهما مبدأين متكاملين لا تقوم بدونهما المشروعية في أكثر جوانبها أهمية.

مدنية الدولة

ولأن الدستور هو الدليل الأول علي مدنية الدولة فلابد وأن تكون مواده منحازة إلي ذلك المنحي وهذا ربما ما يشير إليه المستشار الدكتور عماد النجار في دراسة له تحت عنوان «الدولة المدنية والدستور» قائلا: «الدولة المدنية هي التي تحترم الحق في الاختلاف سواء في مجال العقيدة أو الفكر أو الرأي ولا تميز بين المواطنين علي أساس اللون أو الجنس أو أي سبب آخر للخلاف وتتخذ من التسامح حلا عمليا لدعم الدولة المدنية التي يستهدفها الدستور، ولا يستقيم مع الدولة المدنية أن يرد بالدستور نص علي دولة مدنية ذات مرجعية دينية فهو التفاف غير صحيح علي الدولة المدنية، فأي دين يكون هو المرجع وأي شريعة هي المستهدفة، ومن ثم فلا محل لهذا الالتفاف لأن ضرره أكثر من نفعه، وحسب الدستور أن ينص علي دولة مدنية تقوم علي المواطنة قال سبحانه: «إن الدين عند الله الإسلام» أما الشريعة فهي القواعد المنظمة للحياة في المجتمع والتي تستهدفها السلطات الحاكمة وعلي ذلك فلا محل للقول بأن تقام دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية أو دينية فالكل لله وكل شخص حر في تحديد علاقته بربه وإن كنا كثرة تدين بالإسلام وقلة تدين بالمسيحية في مصر فإن كثيرا من الأقليات المسلمة تعيش داخل دول ذات أغلبية مسيحية أو بوذية فهل نقبل لإخوتنا المسلمين هناك أن يكونوا أقلية منبوذة أو مضارة بسبب دينها – لا شك أن هذا غير مقبول – فالكل مسلم والكل يؤمن بالله ورسله والبعث والحساب وماعدا ذلك فالعبرة بتحقيق التقدم في مجالات العلم والإبداع والنهوض بأمتنا بين الأمم، ورحم الله شيخنا أحمد حسن الباقوري – وزير الأوقاف الأسبق – عندما قال: إنني قبطي أعبد الله في المسجد وغيري من الأقباط يعبدون الله في الكنيسة، فالكل واحد توحده المواطنة».

ويضيف د. النجار: «الدين جوهر في النفس الإنسانية ولا خلاف عليه والنص عليه في المادة الثانية من ذات الدستور – أي دستور 1971 – كلنا يعلم الملابسات السياسية التي أدت إلي وضعها ولم نكن في حاجة إليها لولا محاربة فريق علي حساب فريق آخر، ثم إن النص يتحدث عن أن مبادئ الشريعة الإسلامية ومراعاتها في سن القوانين، وما هي هذه المبادئ غير الإيمان بالله الواحد والإيمان بأنبيائه والبعث والحساب وهذه مبادئ لا خلاف عليها وليس من تشريع وضعي يتنكر لها، وكما يقال هذا ذكر لمفهوم وتحصيل لحاصل، وعلينا إحياء دولتنا المدنية علي الديمقراطية الحقة والعدل الحقيقي والمساواة الحقيقية واحترام الغير والتسامح والسعي في البحث عن أسباب التقدم والتحضر».

ويستشهد د. النجار بما جاء في وثيقة الأزهر من «أن الإسلام لم يعرف في تشريعاته ولا حضارته ولا تاريخه الدولة الدينية الكهنوتية التي تسلطت علي الناس وعانت منها البشرية في بعض مراحل التاريخ، بل ترك الإسلام للناس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسسات المحققة لمصالحهم وهو ما يتلاءم في النهاية مع حقيقة الدولة المدنية».

فالدولة الديمقراطية هي الدولة التي تحتكم إلي آراء الشعب ولا تحول دون حقهم في التعبير وإنما الشعب هو الذي يشكل أولوياتها ويحدد برنامجها، ومن ثم فهي دولة مدنية، أما الدولة الدينية فهي دولة تتشكل من معتقدات رجال الدين النافذين فيها، وتضع للشعب قيودا لا يجوز لهم تجاوزها، وأن الدستور القادم يجب أن ينحاز إلي الدولة المدنية ليفسح للشعب حق التعبير، ويترك له من خلال الانتخابات الديمقراطية تحديد هوية المجتمع في سياق مفتوح لا يحجر علي أحد ولا يصادر حقا لأحد».

سيادة الشعب

أما د. أنور مغيث فيتناول في كتابه «في الدولة المدنية» الصادر حديثا عن المجلس الأعلي للثقافة آليات الدولة المدنية من خلال الدستور الحديث.. مشيرا إلي أن الدستور الحديث – في العالم – يقوم علي فكرة أن الشعب هو السيد، وهي مفارقة تتناقض مع الواقع في كثير من الأحيان فالشعب يعيش في واقع الأمر حياة يكتنفها الفقر والجهل الاستغلال ولهذا أطلق الاشتراكي الفرنسي «فوربيه» 1772 – 1837 – سخريته عن فكرة سيادة الشعب قائلا «هل رأيتم سيدا يموت من الجوع؟».

كما يقوم الدستور الحديث علي فكرة حماية الفرد من طغيان القوي السياسية، ولكن العصر الصناعي جعل طغيان القوي الاقتصادية مهددا لحرية الإنسان وكرامته أكثر من القوي السياسية ويري د. مغيث أن أغلب الدساتير العربية والمصرية صيغت في فترة تغيب عنها التعددية السياسية فتميل في معظمها إلي نمط الحاكم الأحادي، وبهذا لا نندهش من الإمكانات الهائلة المتاحة أمام الحكام العرب لأن يفعل بمعارضيهم ما يشاءون، والحاكم يتحدث عن احترام الدستور فقط عندما يكون في صالحه، ولكنه يستهين به عندما يتعارض مع ما يرمي إلي تحقيقه، ويترك ذلك انطباعا لدي المواطنين بأن الحاكم يمثل سلطة أعلي من سلطة الدستور.

وينتهي د. مغيث إلي أنه «توجد فجوات كبيرة بين واقع المصريين وحقوقهم الدستورية، ومن الممكن أن نري أن النضال من أجل تعديل مواد الدستور – حتي وإن ظلت شكلية لفترة من الزمن – يساهم إيجابيا وبصورة جدلية في دعم النضال السياسي العملي لانتزاع الحقوق بأن يتيح له شروطا أفضل للحركة، كما أن النضال السياسي ليس فقط نضالا من أجل تحقيق المصالح وتحسين شروط الوجود الاجتماعي، ولكنه أيضا نضال يتم في مجال القيم والمعايير، ولهذا السبب يلعب المثقفون دائما دورا مركزيا في هذا النضال، لأنهم يصيغون للمجتمع المعايير التي تجعل للاحتجاجات والمطالب السياسية مرجعيات دستورية وحقوقية تسعي إلي تفعيلها».

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق