إلي حيث لا يعلمون…

160


لا يكاد ينقضي أسبوع واحد دون أن نسمع حكاية عن الهجرة غير الشرعية عبر شواطئ أوروبا خاصة شواطئ اليونان وأسبانيا وإيطاليا التي يتدفق إليها المهاجرون غير الشرعيين من جنوب المتوسط أملا في الدخول إلي أوروبا بحثا عن عمل ليحققوا أحلام العمر في الرخاء والازدهار والاستقرار، ولكن غالبا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن هؤلاء الهاربون من البطالة وشظف العيش في بلدانهم فتلقي سلطات الموانئ القبض عليهم وترحيلهم «إلي حيث لا يعلمون» وهو التعبير الذي نسمعه كثيرا في نشرات الأخبار، ولكن المهاجرين يحاولون مرة أخري وثانية وثالثة هذا إذا لم يغرقوا في أعالي البحار في سفنهم البدائية المكتظة لبؤسهم والتي لا تقوي علي مواجهة تقلبات البحار.

وفي آخر الحكايات عن الهجرة أن حزبا يونانيا يمينيا عنصريا أرسل أعضاء منه إلي ميناء معروف أنه ممر للهجرة غير الشرعية وأخذوا يفتشون مخازن وحافلات تبين فعلا أن بها مهاجرين غير شرعيين فاشتبكوا معهم وطردوهم.

جاء الهاربون إلي موانئ أوروبا من قلب أزمة طاحنة تواجهها رأسمالية الأطراف والبلدان الفقيرة التي يتفشي فيها الفساد والاستبداد، ويتزايد الانقسام الطبقي وتتدهور حياة الكادحين، وتنحدر القيم والأخلاقيات، ولا تجد الجماهير منافذ ديمقراطية للتعبير عن أشواقها وأحلامها والدفاع عن مصالحها، وتظهر أزمات الرأسمالية في هذه البلدان بطريقتها الخاصة عندما تتراكم التوترات الاجتماعية وتشتد، وعندما يبرز حدث طارئ يجعل الاستمرار علي النمط السابق أمرا مستحيلا، وعندها يحدث ذلك التحول النوعي الناتج عن تفاعل التوترات وتراكمها وهو ما حدث في كل من تونس ومصر وليبيا حيث بلغت المرحلة الحادة من سيرورة التغير ذروتها فانفجرت الثورات، وأدي التناقض الذي يحكم الظاهرة إلي تطويرها ورغم أن المجتمعات تغيرت تغيرا عميقا بفعل الثورات فلايزال الانقسام الطبقي الحاد قائما والصراع محتدما ولم تتوقف محاولات الشباب للهجرة شرعية وغير شرعية، ولم ينحسر الفقر – ولو قليلا – في أي من هذه البلدان لأن الثوار الذين أنجزوا التغيير لم يصلوا إلي السلطة.. ولاتزال الزوارق المتهالكة تحمل شبابا باحثا عن الأمل إلي موانئ العالم.

أما في البلدان التي يتطلع هؤلاء الشباب إليها كفردوس أرض فإن الرأسمالية أيضا وصلت فيها إلي مأزق كبير سياسي اقتصادي – أخلاقي، وتعالت في أوساط المنظرين الرأسماليين الكبار دعوات لما أسموه باستعادة الأخلاق في الأسواق بعد أن انكشفت في ظل الأزمة حالات فاضحة من الفساد في أوساط البنوك ودوائر رجال المال والأعمال. وتواجه ثلاثة من البلدان الأوروبية التي يهاجر إليها أبناء الجنوب العاطلين احتمالات الانهيار المالي والاقتصادي هي أسبانيا واليونان وإيطاليا، ويهدد انهيارها الاتحاد الأوروبي كله وتتنامي قوة الأحزاب والجماعات اليمينية العنصرية فيها والتي توجه عداءها المحموم للمهاجرين سواء هؤلاء الذين استقروا فيها أو الذين يحاولون الوصول إليها، وتنتعش أفكار العداء للأجانب وللإسلام والمسلمين، وتبرز مجددا رؤي المركزية الأوروبية التي كان العلم قد نقدها منذ زمن طويل باعتبارها وليدة الاستعمار ونشأت علوم استشراق جديدة مؤسسة علي التثاقف والتفاعل الإيجابي بين الحضارات والشعوب، بينما يتجه اليمين العنصري الصاعد إلي مواجهة الكادحين ببعضهم البعض سواء كان هؤلاء من سكان البلاد الأوائل أو من الوافدين الجدد إليها بحثا عن أمل. ولأن التاريخ لا يسير في اتجاه أحادي فإن اليسار الأوروبي والعالمي ينتعش بدوره، ويقدم الرؤي والأفكار ردا علي الأزمة وسعيا لتجاوزها، وتبرز الفكرة الأممية مجدا في قلب هذه الرؤي والأفكار، وترتفع شعارات تضامن الكادحين في كل مكان أيا كان جنسهم أو لونهم أو ديانتهم أو معتقدهم لأنهم جميعا عرضة لاستغلال رأس المال سواء علي الصعيد المحلي أو العالمي، وأممية الكادحين هي الوجه المشرق للعولمة، ونقيض التوحش الرأسمالي العالمي الذي يواجه أزمة عميقة رغم شراسته ورغم الثراء الفاحش غير المسبوق وتبرز حركة «احتلوا» التي انطلقت في أمريكا ثم انتقلت إلي أوروبا عنوانا علي هذا التضامن، بل إن معاقبة الناخبين الفرنسيين للرئيس السابق «ساركوزي» بإسقاطه تشكل في جانب منها رد اعتبار لحق المهاجرين إلي أوروبا من الحياة الكريمة كمواطنين وذلك بعد أن كان الرئيس اليميني بأفكاره العنصرية قد بني شعبيته علي التضييق عليهم وملاحقتهم وطرح مفهوم الهوية الفرنسية في مواجهتهم بل وطرد أعدادا منهم «إلي حيث لا يعلمون» رغم أن «ساركوزي» هو نفسه ابن أسرة هاجرت إلي فرنسا منذ عهد قريب، ولكنها نزعة الاستعلاء القومي التي ارتبطت تاريخيا بأشد الأفكار رجعية وطالما كانت صنوا للاستغلال والاستعمار والتمييز ضد الآخرين المختلفين قوميا أو دينيا أو طبقيا، وبينهم المهاجرون الذين يبحثون عن طوق نجاة فيجري طردهم «إلي حيث لا يعلمون».


لا يكاد ينقضي أسبوع واحد دون أن نسمع حكاية عن الهجرة غير الشرعية عبر شواطئ أوروبا خاصة شواطئ اليونان وأسبانيا وإيطاليا التي يتدفق إليها المهاجرون غير الشرعيين من جنوب المتوسط أملا في الدخول إلي أوروبا بحثا عن عمل ليحققوا أحلام العمر في الرخاء والازدهار والاستقرار، ولكن غالبا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن هؤلاء الهاربون من البطالة وشظف العيش في بلدانهم فتلقي سلطات الموانئ القبض عليهم وترحيلهم «إلي حيث لا يعلمون» وهو التعبير الذي نسمعه كثيرا في نشرات الأخبار، ولكن المهاجرين يحاولون مرة أخري وثانية وثالثة هذا إذا لم يغرقوا في أعالي البحار في سفنهم البدائية المكتظة لبؤسهم والتي لا تقوي علي مواجهة تقلبات البحار.

وفي آخر الحكايات عن الهجرة أن حزبا يونانيا يمينيا عنصريا أرسل أعضاء منه إلي ميناء معروف أنه ممر للهجرة غير الشرعية وأخذوا يفتشون مخازن وحافلات تبين فعلا أن بها مهاجرين غير شرعيين فاشتبكوا معهم وطردوهم.

جاء الهاربون إلي موانئ أوروبا من قلب أزمة طاحنة تواجهها رأسمالية الأطراف والبلدان الفقيرة التي يتفشي فيها الفساد والاستبداد، ويتزايد الانقسام الطبقي وتتدهور حياة الكادحين، وتنحدر القيم والأخلاقيات، ولا تجد الجماهير منافذ ديمقراطية للتعبير عن أشواقها وأحلامها والدفاع عن مصالحها، وتظهر أزمات الرأسمالية في هذه البلدان بطريقتها الخاصة عندما تتراكم التوترات الاجتماعية وتشتد، وعندما يبرز حدث طارئ يجعل الاستمرار علي النمط السابق أمرا مستحيلا، وعندها يحدث ذلك التحول النوعي الناتج عن تفاعل التوترات وتراكمها وهو ما حدث في كل من تونس ومصر وليبيا حيث بلغت المرحلة الحادة من سيرورة التغير ذروتها فانفجرت الثورات، وأدي التناقض الذي يحكم الظاهرة إلي تطويرها ورغم أن المجتمعات تغيرت تغيرا عميقا بفعل الثورات فلايزال الانقسام الطبقي الحاد قائما والصراع محتدما ولم تتوقف محاولات الشباب للهجرة شرعية وغير شرعية، ولم ينحسر الفقر – ولو قليلا – في أي من هذه البلدان لأن الثوار الذين أنجزوا التغيير لم يصلوا إلي السلطة.. ولاتزال الزوارق المتهالكة تحمل شبابا باحثا عن الأمل إلي موانئ العالم.

أما في البلدان التي يتطلع هؤلاء الشباب إليها كفردوس أرض فإن الرأسمالية أيضا وصلت فيها إلي مأزق كبير سياسي اقتصادي – أخلاقي، وتعالت في أوساط المنظرين الرأسماليين الكبار دعوات لما أسموه باستعادة الأخلاق في الأسواق بعد أن انكشفت في ظل الأزمة حالات فاضحة من الفساد في أوساط البنوك ودوائر رجال المال والأعمال. وتواجه ثلاثة من البلدان الأوروبية التي يهاجر إليها أبناء الجنوب العاطلين احتمالات الانهيار المالي والاقتصادي هي أسبانيا واليونان وإيطاليا، ويهدد انهيارها الاتحاد الأوروبي كله وتتنامي قوة الأحزاب والجماعات اليمينية العنصرية فيها والتي توجه عداءها المحموم للمهاجرين سواء هؤلاء الذين استقروا فيها أو الذين يحاولون الوصول إليها، وتنتعش أفكار العداء للأجانب وللإسلام والمسلمين، وتبرز مجددا رؤي المركزية الأوروبية التي كان العلم قد نقدها منذ زمن طويل باعتبارها وليدة الاستعمار ونشأت علوم استشراق جديدة مؤسسة علي التثاقف والتفاعل الإيجابي بين الحضارات والشعوب، بينما يتجه اليمين العنصري الصاعد إلي مواجهة الكادحين ببعضهم البعض سواء كان هؤلاء من سكان البلاد الأوائل أو من الوافدين الجدد إليها بحثا عن أمل. ولأن التاريخ لا يسير في اتجاه أحادي فإن اليسار الأوروبي والعالمي ينتعش بدوره، ويقدم الرؤي والأفكار ردا علي الأزمة وسعيا لتجاوزها، وتبرز الفكرة الأممية مجدا في قلب هذه الرؤي والأفكار، وترتفع شعارات تضامن الكادحين في كل مكان أيا كان جنسهم أو لونهم أو ديانتهم أو معتقدهم لأنهم جميعا عرضة لاستغلال رأس المال سواء علي الصعيد المحلي أو العالمي، وأممية الكادحين هي الوجه المشرق للعولمة، ونقيض التوحش الرأسمالي العالمي الذي يواجه أزمة عميقة رغم شراسته ورغم الثراء الفاحش غير المسبوق وتبرز حركة «احتلوا» التي انطلقت في أمريكا ثم انتقلت إلي أوروبا عنوانا علي هذا التضامن، بل إن معاقبة الناخبين الفرنسيين للرئيس السابق «ساركوزي» بإسقاطه تشكل في جانب منها رد اعتبار لحق المهاجرين إلي أوروبا من الحياة الكريمة كمواطنين وذلك بعد أن كان الرئيس اليميني بأفكاره العنصرية قد بني شعبيته علي التضييق عليهم وملاحقتهم وطرح مفهوم الهوية الفرنسية في مواجهتهم بل وطرد أعدادا منهم «إلي حيث لا يعلمون» رغم أن «ساركوزي» هو نفسه ابن أسرة هاجرت إلي فرنسا منذ عهد قريب، ولكنها نزعة الاستعلاء القومي التي ارتبطت تاريخيا بأشد الأفكار رجعية وطالما كانت صنوا للاستغلال والاستعمار والتمييز ضد الآخرين المختلفين قوميا أو دينيا أو طبقيا، وبينهم المهاجرون الذين يبحثون عن طوق نجاة فيجري طردهم «إلي حيث لا يعلمون».

اترك تعليق

يرجي التسجيل لترك تعليقك

شكرا للتعليق