ماجدة موريس تكتب :  مهرجان القاهرة السينمائي.. بعد الوداع

150

فى الأسبوع الثانى لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى بدا واضحا أنه استعاد الملامح القديمة لعلاقة المهرجان بجمهوره وهو هنا الجمهور المحب للسينما فى كل أنواعها، وكل جنسياتها والذى يرتحل من فيلم لفيلم بدون التوقف عند الروائى فقط ورفض التسجيلي، هذا الجمهور الذواقة للفن كان قد اختفى لسنوات، ربما تزيد على العقد، ليظهر بدلا منه جمهور “سينما ولا مناظر” فى دور العرض العامة بوسط البلد والتى كانت بعضها تغير الفيلم وفقا لكمية “المناظر” فيه، فكان محب السينما يذهب للعرض ويكتشف أن الفيلم تغير.. لكننا فى المهرجان هذا العام نستعيد هذه العلاقة مع الأفلام المهمة والمختلفة والمتنوعة فى إطار سلس تمثله جغرافيا الأوبرا المصرية بمساحاتها الداخلية “المسرح الكبير.. والصغير” والخارجية “سينما ومسرح الهناجر” وقصر الإبداع وسينما الحضارة 1 و2 وأيضا جداول العرض الصارمة لكل البرامج والخدمات الثقافية الأخرى من مكتب الصحافة بالمهرجان “نشرات – كتب” وخدمة الإنترنت، ثم الكافتيريا التى رفعت أسعارها شذت عن هذا الانسجام، ولكنها أيام مفترجة فكثيرا ما يهجرها الزبائن طوال العام، استطاع المهرجان أيضا جذب قاعدة جماهيرية ضرورية هم طلبة المعاهد والجامعات، سواء الذين يدرسون السينما وبينهم من قدم أفلامه ضمن برنامج “سينما الغد الدولي” الذى ترأسته عميدة المعهد العالى للسينما د. غاة جبارة، والذين لا يدرسون فى المعهد، فالتخفيض على تذكرة الدخول كان النصف، وهو تخفيض كان مطلوبا بشدة فى السنوات السابقة وكان هناك من يطالب به ولكنه لا يتحقق، أيضا عاد إلى المهرجان ضيوف من القادمين لمتابعة الأفلام وتحليلها، نقاد عرب كانوا قد اختفوا أو الكثيرون منهم، وأجانب بدا عددهم سخيا هذا العام يتسابقون للعروض مع الجمهور المصري، وفى المقابل اختفى ضيوف كنا نراهم فقط فى الافتتاح – على السجادة الحمراء الشهيرة – وفى الحفلات – بعضها – والختام، ممثلون وممثلات وغيرهم لا تشغلهم الأفلام، ولكن المستمر هنا هو مقاطعة أغلب النجوم المصريين للعروض مع استثناءات نادرة مثل خالد أبوالنجا وسلوى محمد علي.. هذه مجرد ملاحظات على زخم وزحام على السينما نفسها استعاد أهمية وجود مهرجان دولى للسينما فى مصر وكشف عن جمهور جديد لهذه السينما بجانب جمهورها القديم وكشف أيضا عن أننا لابد أن نجد صيغة لاستعادة جمهور أوسع لهذه السينما بعد أيام المهرجان ومن خلال شبكة لدور العرض فى المحافظات كلها وليست القاهرة وحدها.

باب الوداع.. والأسماء الجديدة

التغيير طال أيضا صناع السينما المصرية ذاتها كما بدا واضحا فى المهرجان فنجوم هذه الدورة رقم 36 من المهرجان هم أحمد عبدالله مخرج فيلم “ديكور” للكاتبين محمد وشيرين دياب مؤلفا فيلم الجزيرة 2، وإبراهيم البطوط مخرج فيلم “القط” بينما كان كريم حنفى هو النجم الذى مثل مصر فى المسابقة الرسمية بفيلمه “باب الوداع” الذى ألفه وأخرجه كأول أفلامه الروائية الطويلة بعد دراسة للفلسفة وهواية للسينما دفعته لتأسيس ناد لها بمدرسة الجيزويت، الفيلم هو تجربة بصرية وشعورية متميزة يأخذ مشاهده من اللحظة الأولى إلى عوالم حميمة طاغية ومفتقدة لكنها مؤثرة فى كل واحد منا بأسلوب مختلف، إن المشاركات المصرية الثلاثة ضمن برنامج المهرجان للسينما الطويلة هى أبلغ تعبير عن التغيير الذى طال ويطول هذه السينما، وكذلك المشاركات ضمن أسبوع “الغد الدولي” للأفلام القصيرة للشباب، وأيضا “أسبوع النقاد الدولي” الذى أدارته جمعية نقاد السينما المصريين صاحبة التجربة الطويلة المتميزة فى الحفاظ على دائرة الثقافة السينمائية من التبدد والانهيار بعد توقف “نادى سينما القاهرة” وتقلص نشاط جمعية الفيلم ولهذا عادت إلى المهرجان أجيال من صناع السينما ومن جمهورها كانت قد اعتبرت أن هذه اللقاءات المشبعة بالسينما المختلفة والكبيرة حلم وانتهي.. وكان من الجميل أن يقوم فنان السينما التسجيلية الكبير هاشم النحاس بافتتاح معرض مئوية فنان السينما الروائية الكبير هنرى بركات الذى أبدعته قريحة ورؤية الناقدة المونتيرة والنشطة صفاء الليثى فجاء نموذجا رائعا للاحتفاء بسينمائى بهذا الحجم، وكان من الجميل أيضا أن يفتتح الناقد والباحث السينمائى الكبير أحمد الحضرى معرضا آخر لملصقات السينما المصرية بدا فيه وجه آخر لعشق السينما من خلال محبيها هواة جمع ملصقاتها “الأفيشات” ومطبوعاتها وكل ما يخصها على مدى سنواتها المائة.. إنه اكتشاف جديد وعلاقة بدأت، كشف المهرجان أيضا الذى قدم الكثير هذا العام بما كانت متابعته حلما جميلا مستحيلا، سواء عروض المسابقة الرسمية أو مهرجان المهرجانات والعروض الخاصة، وتكريم كتاب ومخرجى السينما المصرية الذين رحلوا منذ بداية 2014 فى أمسية عنوانها “يوم أن تمضى السنون” أيضا حلقة البحث حول مهرجانات السينما الدولية فى العالم العربى وندوات المهرجان العامة حول السينما المصرية والعالم والسينما المستقلة فى مصر ودور النقد السينمائى وغيرها وحفل الموسيقى السينمائية للفنان الكبير راجح داود، وأيضا تعرف جمهور السينما المصرية على سينما وليدة هى السينما الإماراتية من خلال فيلمين “أحمر أزرق أصفر” و”ألف باء” ومعرض فن تشكيلى لفنانة إماراتية مهمة هى نجاة مكي، ثم هذه الأفلام البديعة الحاصلة على جوائز المهرجانات الكبرى لهذا العام، وعلى جوائز المهرجانات القومية فى بلدها، ولنجد أمامنا تحفا سينمائية من استراليا وألمانيا وصربيا وفرنسا وإيران ولتوانيا وفلسطين.. وعالما من السينما القادرة على التعبير عن مجتمعاتها وقضاياها تكون فى النهاية لوحة فسيفساء لهذا العالم الذى نعيشه من خلال هذا الفن المبدع، لقد انتهت دورة المهرجان السادسة والثلاثون مساء أمس بتوزيع جوائز المسابقة الدولة التى لم تلحقها بالطبع، لكنها ليست دورة جوائز وإنما أفلام ومناخ ثقافى استعاد للثقافة السينمائية جزءا من ألقها المفقود فتحية لكل من ساهم فيها من سمير فريد رئيس المهرجان إلى كل الفريق المشارك فى هذا الإنجاز.. لوزير الثقافة جابر عصفور الذى دعم المهرجان بجد.

التعليقات متوقفه