فريدة النقاش تكتب : الشيعة مواطنون

116

يقول الخبر: تحفظت إدارة المطبوعات وأجهزة الأمن بمطار القاهرة على شحنات كتب شيعية واردة من العراق لحساب مصريين، وأكد “عصام الأمير” رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون والقائم بعمل وزير الإعلام أنه لا توجد قنوات شيعية تبث على القمر الصناعى المصري.

وأضاف أن التعاون بين وزارة الإعلام والأزهر الشريف قائم ومتواصل فى مجال التصدى لمحاولات تشييع مصر.

وقبل أسابيع أجرى الأزهر تحقيقا مع الدكتور “أحمد كريمة” الأستاذ بجامعة الأزهر لأنه زار إيران، وقبل سنوات سبقت كثيرا ثورة 25 يناير 2011 جرى التحقيق مع مواطنين بدعوى أنهم شيعة وصدرت أحكام ضد بعضهم.

وفى سياق هذا المناخ التحريضي ضد مواطنين يعتنقون المذهب الشيعي، وفى ظل ملابسات غامضة وقعت مذبحة مخيفة قبل عامين مارس فيها المتعصبون أعمالا همجية لا تختلف عما تقوم به “داعش” هذه الأيام، وكان الشيخ “حسن شحاتة” الشيعى ضحية لها مع آخرين، ووقف أطفال يتفرجون على عملية “الذبح” كما قالت الصحف حينها.

يحدث هذا رغم أن المذهب الجعفرى “الشيعي” هو أحد المذاهب الفقهية المعترف بها فى الدوائر الإسلامية عالميا، ويجرى تدريسه فى الجامعات شأنه شأن الفقه السني.

ولا ينكر أحد أن لـ “إيران” تطلعات إمبراطورية، وأنها تخطط لنشر المذهب الشيعى فى أكبر عدد من البلاد الإسلامية خاصة فى محيطها العربي، وهى تستفيد من هذا المحيط أكبر فائدة من المواطنين الشيعة فى بلدان الخليج وتعتبر هؤلاء المواطنين قاعدة محتملة لإنجاز مشروعها مستفيدة من بعض الممارسات التمييزية ضدهم التى مارسها حكام مستبدون من السنة، بعد أن تطور الصراع السياسى فى ظل القيود على الحريات ليصبح صراعا دينيا، وطالما تلاعب المستبدون بالدين.

حكم الفاطميون “الشيعة” مصر لما يزيد على قرنين من الزمان، ومع ذلك ولأسباب مركبة لم يتشيع المصريون على نطاق واسع، وإن كان بوسعنا أن ننسب الحركة الصوفية التى تضم الملايين إلى الشيعة.

وفى تأكيده على حرية الاعتقاد يدعونا الدستور المصرى إتساقا مع الاتفاقيات والمعايير الدولية لحقوق الإنسان إلى الاعتراف بالديانات كافة، حتى الوثنية منها، مادام أصحابها يؤمنون بها، ولا يسعون لفرضها على الآخرين، لابد أن نفعل ذلك حقا إذا استمعنا بصدق إلى الصوت الأخلاقى الرفيع فى قول الله تعالى فى سورة البقرة “لا إكراه فى الدين”، فما بالنا والشيعة مسلمون.

وفى رأيى أن الأزهر الشريف يخالف هذا المبدأ حين ينخرط فى محاربة ما سماه “التشيع” فى مصر، ويأمر بمصادرة الكتب بما يعنى الحجر على العقائد والأفكار تعبيرا عن فزع من الأفكار المختلفة.

كذلك يتناقض هذا الموقف مع دعوة الأزهر للامتناع عن خلط الدين بالسياسة، وفصل الدعوة الدينية عن الصراع السياسي.

ويعلمنا تاريخ الصراع مع الجماعات الدينية المتطرفة فى كل من مصر والعالمين العربى والإسلامى أن محاصرة الحريات العامة، وخنق العمل السياسى يدفع بالجماهير والشباب خاصة إلى أحضان الجماعات الدينية خاصة لو تزاوج الاستبداد مع الفقر والفساد وزيادة الحرمان والتهميش، وهو ما يحدث الآن على نطاق واسع فى العالمين العربى والإسلامي، فضلا عن دور القوى الإمبريالية فى تغذية هذه الصراعات.

ولا يستطيع أحد أن ينكر على قوى الأمن – وليس الإعلام ولا الأزهر – حقها فى ملاحقة العناصر التى يمكن أن تصبح جزءا من مؤامرات ضد الأمن القومي.

ولكن مثل هذا الحق لا يبرر حجب الأفكار وتشويهها بل من الضرورى إتاحة أوسع فرصة ممكنة لمناقشتها فى مناخ فكرى صحى يحترم الدستور والمعايير الدولية، ويخلق حالة من التقبل والتسامح بين المختلفين لأن التعصب والكراهية ينبعان – ضمن أسباب أخرى – عن كبت الأفكار وتجريم روح النقد والمساءلة والمعرفة، وهو الكبت الذى أدت إليه مناهج التعليم التى لقنت للطلاب والتلاميذ الأجوبة المعتمدة دون الأسئلة الحرة.

لا يجوز أبدا أن تكون محاصرة الأفكار وصمة فى جبين عصر جديد يتطلع فيه المصريون للحرية الحقة وللعدالة والكرامة واحترام حقوق المواطنة، والشيعة مواطنون.

فريدة النقاش

التعليقات متوقفه