د. رفعت السعيد  بكتب:  صراع الاسلام والتأسلم حول تجديد الفكر الدينى ( 23 )

37

ونأتى إلى الكتاب الذى تفجر فى وجوه كثيرة . ويبدأ الشيخ على عبد الرازق متسائلاً ما هو سند الخلافة ؟ هل القرآن ؟ أم السنة ؟ أم إجماع المسلمين ؟ ويقول : القرآن والسنة لم يتعرضا مطلقاً لموضوع الخلافة لأنها لم تكن أبداً حكماً من أحكام الدين الاسلامى ، كما أن الإجماع فى التاريخ الاسلامى لم ينعقد أبداً على خليفة . ثم يقول “ليس بنا حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا، ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك ، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام والمسلمين” .. “فالحكم والحكومة والقضاء والإدارة ومراكز الدولة هى جميعاً خطط دنيوية ، لا شأن للدين بها ، فهو لم يعرفها ولم ينكرها ، ولا أمر بها ولا نهى عنها ، وإنما تركها لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة” [صـ102]. ويؤكد أن القرآن والسنة لم يرد فيهما أى ذكر لفكرة الخلافة كنظام سياسى ملزم للمسلمين ، “وكل ما جرى فى أحاديث الرسول الكريم من ذكر الإمامة والخلافة والبيعة لا يدل على شئ أكثر مما دل عليه المسيح حينما ذكر بعض الأحكام الشرعية عن حكم قيصر” [صـ19] ويؤكد أن الخلافة لا تقوم إلا على القهر والظلم “وإذا كان فى الحياة الدنيا شئ يدفع المرء إلى الاستبداد والظلم ، ويسهل عليه العدوان والبغى ، فذلك هو مقام الخلافة ، وقد رأيت أنه أشهى ما تتعلق به النفوس ، وأهم ما تغار عليه . وإذا أجتمع الحب البالغ والغيرة الشديدة وأمدتها القوة البالغة ، فلا شئ إلا العسف ولا حكم إلا السيف” [صـ28] ثم يعود فيكرر “ذلك أن شعائر الله تعالى ومظاهر دينه الكريم لا تتوقف على ذلك النوع من الحكومة الذى يسميه الفقهاء خلافة ، وأولئك الذين يسميهم الناس خلفاء ، فليس من حاجه إلى تلك الخلافة لأمور ديننا ولا لأمور دنيانا ، ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك ، فإنما كانت الخلافة ولا تزال نكبة على الإسلام والمسلمين ، وينبوع شر وفساد” [صـ36] ويفرق الشيخ بين ولاية الرسول وولاية الحاكم أو الخليفة “فولاية المرسل إلى قومه ولاية روحية منشؤها إيمان القلب وخضوعه خضوعاً صادقاً تاماً يتبعه خضوع الجسم ، ولا الحاكم ولاية مادية تعتمد على إخضاع الجسم من غير أم يكون لها بالقلب اتصال” [صـ69] ثم “إن القرآن صريح فى أن سيدنا محمد لم يكن إلا رسول خلت من قبله الرسل ، ثم أن القرآن بعد ذلك صريح فى أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن من عمله شئ غير إبلاغ رسالة الله سبحانه وتعالى إلى الناس ، وأنه لا يكلف شيئاً غير ذلك البلاغ وليس عليه أن يأخذ الناس بما جاءهم به ، ولا أن يحملهم عليه” [صـ73] . ثم هو يوضح أن الرسول لم يعين من بعده خليفة وأن الذين ترغموا المسلمين من بعده ومن بينهم الخلفاء الراشدين كانت زعامتهم مدنية أو سياسية وليست دينية ، وإن أبى بكر هو الذى أسمى نفسه خليفة ، وأن بيعته كان ثمرة لجدال ثم أتفاق سياسيان ومن ثم كان حكمه مدنياً وكان اجتهاده دنيوياً ولا علاقة له بفكرة الدولة الدينية” ويمضى كل الكتاب على هذا المنوال بما دفع أحد الباحثين إلى القول بأن كتاب الإسلام وأصول الحكم “يمثل موقفاً راديكاليا ، وهو أبعد من أن يكون بحثاً عن نصوص دينية تحرم الكهنوت والاستبداد . وأنه أبعد من محاولة التوفيق بين نصوص الشريعة وبين مبادئ الحضارة الغربية ، بل هو أول دراسة للحقيقة الدينية وارتباطها بشريعة السلطة السياسية كما أنه أول نقد يظهر التضامن التاريخى بين الفكر الثيولوجى والبنى السياسية والسلطوية التى استخدمت الأديان من أجل بناء الإمبراطوريات [محمد أركون – فك الارتباط ما بين اللاهوت والسلطة – دراسة بمجلة تحولات – العدد 4 [1991] . ولهذا كانت الضجة التى صاحبت صدور الكتاب وهى ضجة أحدثت صخباً وأزمات وتداعيات تستحق أن نتحدث منها فيما يلى .

التعليقات متوقفه