أمينة النقاش تكتب :مشهد عصي علي الفهم

136

قبل أن يترك منصبه في يوليو الماضي كوزير لخارجية بريطانيا، ليتولي رئاسة مجلس العموم في حكومة المحافظين الراهنة، قال “وليم هيج” في تصريحات صحفية، واصفا أوضاع النظام السياسي لبلاده، إن بريطانيا تمثل خليطا رائعا من التاريخ والحداثة، وأن الملكية هي رمز لذلك الخليط. وأرجع “هيج” السبب الذي جعل الملكية في بلاده ناجحة وقادرة علي البقاء كل هذا الزمن إلي أنها تستطيع التأقلم، وتمتلك حساسية تجاه الرأي العام يجعلها مستعدة للتطور معه، وللتغير بطرق متعددة. وأوضح “هيج” أن بريطانيا تغير نظامها السياسي مع مرور الوقت وبطريقة تعتمد علي التطور التدريجي والأسلوب العملي (البرجماتي)، وهو ما لعب دورا في تشكيل قوة المؤسسات البريطانية، التي تمتلك تاريخا طويلا وممتدا، سواء كانت المؤسسة الملكية، أو هيئة الإذاعة البريطانية، أو وزارة الخارجية، فهذه المؤسسات القوية المحترمة التي تم بناؤها علي مدار الزمن، لم تهدم من قبل حركة سياسية أخري.

ووجه “هيج” نصيحته للديمقراطيات الناشئة الجديدة، ببناء تلك المؤسسات التي لا تهدم، كلما تغيرت الحكومة، فذلك ما يعطي الاستقرار والصلابة للمجتمع.

انتهي كلام السياسي البريطاني الذي تكمن خلاصته، في أنه من غير الممكن بناء دولة ديمقراطية، تحظي بالاستقرار والقدرة علي التطور دون بناء مؤسسات راسخة، سواء كانت مؤسسات إعلامية أو حزبية، أو قضائية أو أمنية أو غيرها. والناظر للمسار السياسي في بلد ديمقراطي ناشئ مثلنا، مفعم بالأزمات، يقود حربا لا ضمير لها ضد إرهاب جماعات دينية متخلفة، مدعومة دوليا وإقليميا وعربيا ومحليا، يشعر بالأسي من حجم الارتباك والتخبط والانقسام البادي في المشهد السياسي الرسمي والحزبي دون الأخذ بعين الاعتبار، تأثير ذلك علي غالبية المواطنين التي تعول الأحزاب والقوي السياسية والحكومة كثيرا علي وعيها، في تحمل صعاب هذه المرحلة الانتقالية، وقدرتها علي الفرز بين الصالح والطالح حين إجراء الخطوة الأخيرة من خارطة المستقبل، وهي الانتخابات البرلمانية القادمة.

فقدت غالبية الأحزاب والقوي السياسية القدرة علي إدراك خطورة المرحلة الراهنة حيث يؤدي التنازع فيما بينها علي ترتيب القوائم الانتخابية إلي هشاشة وخواء التكتلات التي ستنشأ لخوضها بسبب التشتت والشترذم والانقسام والعجز عن التوحد كي يأتي مجلس النواب القادم متوازنا ومنسجما  مع أهداف هذه المرحلة.

ولا أحد يعرف حتي هذه اللحظة، ما الذي تفكر فيه الحكومة ومؤسسة الرئاسة فيما يخص تشكيلة هذا البرلمان، بسبب الغموض الذي يحيط بتحرك المحسوبين عليها والتلكؤ في إعلان الخطوات الضرورية لإتمام تلك المرحلة، والتخبط في التصريحات الرسمية التي تصدر بهذا الشأن، والتجاهل التام الذي توليه الدولة للمؤسسات الحزبية القائمة، وعدم أخذها بعين الاعتبار، وهي تعيد ترتيب الأوضاع وبناء المؤسسات، بناء يراعي التعدد الحزبي والثقافي والفكري في البلاد ليترك جموع المواطنين المطالبين بالتصويت خلال عدة أسابيع نهبا للاحباط والارتباك لشائعات التيار الداعي للدولة الدينية والذي لا رادع لأمواله وحروبه الاليكترونية، ليصبح الاحتمال الأرجح أن يشكل البرلمان القادم المستقلون تمشيا مع الحملة التي يجري خوضها ضد المؤسسات الحزبية القائمة.

والنظام السياسي الفاعل والمستقر، كما أكد “هيج” تكمن قوته في مؤسساته وفي الحيوية التي تتمتع بها والتي تتحرك بفعل قوته، لتطوير هذا النظام وإرساء دعائمه، ولأنه لا ديمقراطية دون مؤسسات حزبية قوية وفاعلة، تقلص ظاهرة المستقلين وتهمشها كما هو الحال في أي نظام ديمقراطي، فإن الحال سيبقي كما هو عليه، تشتت هنا، وارتباك وغموض هناك، فيما يراقب المواطنون المشهد السياسي الذي بات عصيا علي الفهم بأسي ويأس ندعو الله ألا يطول إقدامهم علي التصويت

التعليقات متوقفه