مايسة زكي  تكتب:  أمانة توفيق عبدالحميد

86

 سيقول قائل حين قراءة العنوان إننى غائبة عن الأحداث والوعى وأن توفيق عبدالحميد قد استقال بعد أسبوعين من تعيينه، وأن د. أمانى يوسف قد تولت الهناجر منذ أسابيع، وأقفل المحضر فى تاريخه وقيدت القضية ضد مجهول، وحلت الوزارة المعضلة بترشيح فتعيين جديد.

فى عام 2009 كتبت مقالا على صفحات جريدة “الأهالي” أيضا، بعنوان “مرثية للمبنى والمعنى فى المسرح المصري” كان حريق القومى يفوح منها – أزلت سهوا فرويدى عندما كتبت “حريق القاهرة” – وكان مسرح الهناجر فى القلب من تلك المرثية حين أظلموه، فهدموه واعدين بإعادة بنائه، وختمتها بهذا التساؤل: إلا أن عاد المبنى أيعود المعني؟!

طوت الصحافة العجول ورقة توفيق مديرا للمسرح وساعدها فى ذلك قصرها المتناهي، وكانت قد تخاطفت من أسباب استقالته الأكثر إثارة والمتعلق بالمخالفات أو التعديات المالية فى رأيه، وعلى قدر شهرة مخالفيه من مخرج أو آخر، وتركت تفاصيل مهمة فى رؤيته للمكان لم يمهل أصحاب الأقلام ليقرأوها، وربما لا يتوقع أحد أن يقف عندها متلكئا مثلي.

لم يكن حديث توفيق فقط عن المخالفات المالية، فتنة الصحف الأثيرة، بل كان أيضا عن تقاليد مسرحية منسية.

لكن ما استوقفنى حقا فيما قاله توفيق هو سرعة التقاطه ودقة إلمامه بالثغرات الإدارية المفخخة لاستقلال وتألق الهناجر من جديد، فضمن ما بيعت به فكرة هدم المعبد – المسرح – على أصحابه وفنانيه أن ستضاف قاعة سينما للمعبد، فيكتشف توفيق أن القاعة وبرنامجها تابعان لصندوق التنمية الثقافية، وأن مسرح “الميدان” المستحدث، والذى هو جزء من حرم حديقة الهناجر ويستخدم المؤدون فيه كواليس الهناجر لتغيير الملابس تابع لهيئة المسرح، وأن المقهى – المطعم يؤجره صندوق التنمية بما يجعله موقعا أقرب للسياحة بأسعاره منه خدمة للفنانين والمرتادين للمسرح فى معظمهم، بل محطة لكل متواعد على كراسيه وموائده.

مرة أخرى يعود الارتباط بين المبنى والمعنى يطل من ثنايا حديث توفيق عبدالحميد، فقد كان المقهى المكيف السابق يتوسط المساحة الداخلية للمبني، والمكشوفة عبر الزجاج، فيما بين المسرح وقاعة الفنون التشكيلية، بينما ملتقى آخر صغير ومكشوف فى الهواء الطلق، ومضاء، أقرب إلى القاعدة التى كانت تستخدم أيضا للتدريبات المسرحية وبعض العروض، ويغلق بذلك مستطيل أو هنجر مركز الفنون.

ومن عجب أن شهد منشؤه فى عام 1992 وملهم معماره الفنان فاروق حسنى هدمه عام 2009 بما رمز لتراجع فج وانقلاب الدولة على مشروعها النهضوى المسرحى وخطابها الشاب، والذى بدا قاب قوسين أو أدنى فى التسعينيات، وتجرعنا جميعا فداحة المنقلب.

البكاء على الأطلال طويلا من شيم الضعفاء، أعلم أن توفيق عبدالحميد لن يعود، وأن الاستبشار بتوليه كان من قبل فنانين مستقلين سبق لهم العمل على خشبة المسرح فى جلسة تشاركوا فيها كنه هذا المسرح، وتذاكروا فيها طرائق بعثه وتطويره والإضافة إلى رصيده، ولبعضهم كانت صدمة استقالته كضربة فردية لمشروع شراكة فى الرؤية والتوجه، ولكنى لم أستبعد احتمالات صدامه بالبنية الإدارية المتكلسة طال المقام أم قصر، وربما كانت د. أمانى يوسف التى تلته لا تقل كفاءة أو قدرة على تحمل المسئولية، وربما لها من ارتباط سابق بالهناجر على عهد د. هدى وصفى كممثلة تخطو خطواتها الأولى كما صرحت، وبما تحمل من طاقة شابة وذهنية باحثة تؤهل المركز الثقافى لمرحلة جديدة، المسألة لا تتوقف على الأشخاص بقدر ما تتحرك برؤيتهم للمكان والمنظومة المسيطرة على القرار الفني.

ما أود الالتفات إليه أن هذه الحيلة البيروقراطية فى تكثيف الموقع وشل انطلاقه بتوزيع قياداته – وبغض النظر عن نجاحهم أو إخفاقهم – وإهدار استغلاله بين القبائل الوزارية جديرة بالتأمل باعتبارها مصدرا من مصادر التراجع والنكوص، والوعى بتبعاتها إضافة سريعة عابرة، لكنها قيمة ومقدرة تركها توفيق أمانة لكل مهموم بالتأسيس الجذرى واستئناف العمل الثقافى على أرض صلبة وقوية.

كان المحمول الذى استمع من خلاله إلى الفنان توفيق عبدالحميد قد استقبل منذ قليل خبر استشهاد ثمانية من جنودنا فى سيناء، والذى تلاه بعد أيام الخبر الأكثر فداحة باستشهاد واحد وثلاثين منهم فاحتراق أطفالنا على الأسفلت، أظن أن هناك مشكلة فى تقدير المسئولين عن السياسات فى كل موقع، والمنوط به قوة وخصوبة الإبداع الفكرى والفنى ضد الإرهاب والتخلف خاصة، فيما تفعله النسبية ومفهوم القرية التكنولوجية الصغيرة بعملهم اليومى وقراراتهم، تخطيطا وتنفيذا، لم يعد يقاس بترهل عام وتعامى واستسلام مقيت للمنحدر السحيق القادم لا ريب فيما سبق، بل يقاس برغبة شعب ثار على تخلفه وتقزمه، وشهداء شباب دفعوا ثمن الحرية عمرهم بكل نبالة وبراءة ومازال بعضهم يسدد باقى الفواتير، يقاس بدم جندى من قلب كل حارة وقرية فى مصر، ودم طلاب علم، بنات وولاد قمرات يسعون إلى المعرفة والتقدم، بل التألق، ولم لا!

دراما الهناجر التى بدأت بتفتحه فازدهاره فالتآمر عليه فهدمه وإخفاء معالم طبيعته ومشروعه المسرحى الطموح والمتقدم، فعودته فى الفصل الثانى مشلولا معجزا بأخطبوطية النفوذ الإدارى وتنازع سلطاته.. الدراما كلها تقاس بما تكبده المصريون والفنانون المسرحيون المكافحون عبر سنوات وعقود، والأمل المعقود على عودة فاعلية مصر فى كل مجال، ومركز الهناجر للفنون كان واحدا من مراكز إشعاعها.

أفلا تتفكرون؟ أفلا تنظرون فى محمولكم فتدركون الساعة!

التعليقات متوقفه