سمير كرم يكتب: إيران والسعودية تتعاونان أم تتنافسان على الشرق الأوسط؟

70

دولتان في الشرق الأوسط، إحداهما عربية والأخرى غير عربية، كانتا حتى وقت قريب تتبادلان العداء على الرغم من انهما دولتان اسلاميتان إلى حد بدا معه أن الحرب وشيكة بينهما. وإلى حد أن إحداهما –المملكة العربية السعودية – بدت أقرب إلى شن حرب على الأخرى – الجمهورية الإيرانية الاسلامية – والثأنية بدت أقرب إلى شن حرب عقائدية على الأخرى.

لكن تطورات المنطقة والعالم أدت في الفترة الأخيرة إلى إيجاد حالة من التقارب بين الدولتين الاسلاميتين. ووصل الأمر الى حد التقارب والتباحث بشأن الأمن الإقليمي، أي أمن الشرق الاوسط والخليج العربي بشكل خاص. وأصبح الكتاب العرب والغربيين على السواء يكتبون عن “الحوار السعودي- الإيراني”باعتباره واقعا وباعتباره أكثر تأثيرا على المنطقة، بل وعلى العلاقات الإقليمية والعالمية على السواء. حتى أن الأمير الفيصل وزير الخارجية السعودي قال قبل أسابيع قليلة إن للسعودية وإيران نفوذا كبيرا في المنطقة.

 

مصر وإيران

ومن المؤكد أن التقارب السعودي- الإيراني سيكون له تأثير مباشر في الاتجاه نفسه على بلدان المنطقة الخليجية الشرق أوسطية. وقد بدا في الأسابيع الأخيرة أن مصر تتهيأ لعلاقات أفضل مع إيران بحكم ما تطورت إليه العلاقات بين مصر والسعودية. ولعل الأصدق أن نقول إن علاقات مصر والسعودية، وقد تطورت كثيرا بعد ثورة 30 يونيو 2013، وأصبحت اكثر تقاربا مما كانت في أي وقت مضى، إنما تجعل العلاقات بين مصر وإيران أقرب إلى التقارب – اذا جاز التعبير – لأنها بدأت تتخذ من العلاقات السعودية- الإيرانية مثلا يحتذى. وهذا سينجم عنه بالتأكيد تقارب بين كل من البلدان العربية وإيران أكثر من أي وقت مضى. وتأتي مصر في مقدمة الدول التي تتهيأ لعلاقات مع إيران افضل مما كانت طوال السنوات الأربعين الماضية. ذلك أن علاقات مصر بإيران كانت قد تراجعت كثيرا منذ أوائل عهد أنور السادات ولم تتح الفرصة لها للتحسن منذ ذلك الحين. أما الآن فإن الظروف الإقليمية والعالمية – بما في ذلك علاقات إيران الجديدة مع الولايات المتحدة – تتيح فرصة لم تتح لعشرات السنين لتحسين العلاقات بين مصر وإيران، تحت تأثير تحسن العلاقات بين السعودية وإيران.

 

ملامح التسوية

والأمر المؤكد في هذا الصدد أن مصر تدرك أهمية علاقاتها مع إيران أكثر مما تدركها أي دولة أخرى في المنطقة أو في العالم. ولا يرجع ذلك إلى ثراء إيران النفطي فحسب إنما إلى تاريخ طويل من العلاقات بين الدولتين في المجالات كافة. وما ينطبق على مصر في هذا المجال ينطبق على باقي بلدان المنطقة. يدل على هذا ما تطرق إليه كتاب غربيون وعرب وإيرانيون كثيرون تحدثوا عن الحوار السعودي– الإيراني وعمن يمكن أن يربح منه ومن يمكن أن يخسر. ومن الواضح أن الجانب الإيراني يعد أكثر الأطراف إدراكا لفكرة الربح لا الخسارة جراء الحوار السعودي-الإيراني. ولعل الاطراف الغربية – متمثلة في أمريكا وأوروبا – هي أكثر الأطراف تخوفا من اتساع المجال أمام العلاقات العربية- الإيرانية خشية أن يؤثر ذلك على العلاقات مع إيران، سواء من النواحي النفطية والمالية.

 

والملاحظ بشكل خاص أنه لم تظهر حتى الآن ملامح تسوية بين السعودية وإيران في الفترة الماضية على الرغم من تبادل المحادثات بينهما. بل ذهب بعض الكتاب إلى أن الطرفين إنما بدآ بتنظيم الخلافات بينهما بهدف حل مشكلاتهما من نقطة لأخرى. وهناك من يعتقد أن الحوار الذي بدأ مؤخرا بين إيران والسعودية يجري تحت تأثير أمريكي. وهو اعتقاد يدعو الى الدهشة نظرا لأن الخلافات الإيرانية- الأمريكية أكبر وأكثر تعقيدا بكثير. وهي خلافات مرشحة للاستمرار لفترة طويلة خلافا لما يبدو الآن من خلافات بين إيران وكل من الدول العربية ودول منطقة الخليج. ربما باستثناء الخلاف الحاد بين إيران ودول الخليج حول ملكية الجزر الأربع الصغيرة في الخليج. وهناك من يعتقد أن إيران والسعودية تجريان محادثاتهما دون التشاور مع أمريكا. وأن أميركا إنما تحاول أن تتوصل الى استنتاجات بشأن المحادثات السعودية- الإيرانية عن طريق علاقاتها أمريكا الدبلوماسية مع دول المنطقة.

 

منطق العلاقات

وقد تعددت التنبؤات والتكهنات بشأن ما يدور بين السعودية وإيران من اتصالات ومحادثات. وهناك من ذهب إلى أن هذه المحادثات تتعلق بأمرين اثنين لا غير أولهما العراق وثانيهما اليمن. وما عدا ذلك فإن البلدين يعتبران أن لا استعجال بشأنهما. ومعنى هذا أن التوافق بين البلدين سيظل محصورا بالشئون العراقية واليمنية. ويرى المراقبون الغربيون أنه لا يمكن لإيران والسعودية التباحث بشأن العراق وإيران دون تناول تحسين العلاقات السعودية- الإيرانية. ومعنى هذا أن إيران والسعودية لابد أن تكونا قد تناولتا العلاقات الثنائية بينهما قبيل الخوض في أي من المشكلتين العراقية واليمنية. ويبدو أن هذا الرأي قريب من منطق العلاقات. إذ ليس من المتصور أن تجلس الدولتأن الى مائدة المفاوضات إلا نتيجة لتحسن العلاقات بينهما بما يسمح بذلك. خاصة أن بلدين المنطقة التي تقع فيها السعودية وإيران تؤمن إيمانا قويا بأن جلوس هاتين الدولتين معا إلى مائدة المفاوضات أيا كان الموضوع المطروح بينهما إنما يعني إدراكا قويا وعميقا من الدولتين بأن لكل منهما دوره في المنطقة، بصرف النظر عن اهتمامات كلا الدولتين وأولياتهما. وهذا يعني أن الجلوس إلى مائدة المفاوضات هو شأن يهم الطرفين بالدرجة الأولى، كشأن وكحاجة ضرورية لكليهما.

 

فرض التصورات

والأمر المؤكد الآن أن الطرفين الإيراني والسعودي قد توصلا إلى استنتاج بأن كلا منهما يمكن أن يستفيد – دبلوماسيا على الأقل – من الجلوس إلى الطرف الآخر على مائدة المفاوضات بصرف النظر عن الموضوع أو الموضوعات التي تتناولها هذه المفاوضات. ومما لاشك فيه أن إيران تعتبر نفسها الفائز من الجلوس الى مائدة مفاوضات مع طرف عربي. خاصة إذا كان هذا الطرف هو السعودية. وبالنظر إلى بقية الأطراف فإن الوضع ككل يبدو أكثر مدعاة للتفاؤل. على الأقل لأن هذه الأطراف تشعر بأن إيران لا تدخل المفاوضات بهدف تحقيق أهداف دبلوماسية أو إقليمية، إنما بهدف تحسين صورتها في أذهان الدول العربية والعالم بعد فترة سادها تصور بدت إيران متشددة وتريد فرض وجهة نظرها المتطرفة على العالم. وأما عن الجانب السعودي فإن السعودية تريد من مفاوضاتها مع إيران أن تزيل من الأذهأن صورة الدولة العربية- الإسلامية التي لا تعنى بالتطورات في المنطقة المحيطة طالما أنها تبدو محمية من نظرات المعادين وغير المعنيين. وأما اهتمام السعودية بإيران بشكل خاص فهو أكثر ما يثير حفيظة الغرب ومخاوفه وخاصة الولايات المتحدة.

ولابد أن نذكر أن روسيا تبدو سعيدة بالتقارب الجديد بين السعودية وإيران على العكس تماما من الولايات المتحدة. وهو أمر بالغ الدلالة في حد ذاته.

 

التعليقات متوقفه