محمد فهمي يكتب: المتمردون!

66

المشهد الذى أطل علينا.. يوم الجمعة 28 نوفمبر 2014 يذكرنا برائعة الأديب الراحل صلاح حافظ “المتمرد

والمشهد الذى أعنيه هو خروج العشرات من مرضى السل إلى الشوارع.. يرفعون لافتة على قطعة من القماش تقول “مرضى السل.. يطالبون بالماء”!

خرجوا من أبواب المصحة.. واستقلوا القطار نحو القاهرة ومعهم تعليمات من قائد المسيرة بأن على كل مريض أن يكح ويسعل فى وجه كل من يعترض طريقه.. وقال لكل مريض “كح فى وشه خليه يموت”! وأن يبصق على الأرض من باب الترويع والهلع.. والابتعاد فى أمان من الوساوس والهواجس من شر الإصابة بالعدوى من لسعات الميكروبات الطائرة.

ووصل القطار محطة باب الحديد.. وفوجئ عسكرى المرور وهو على منصته العالية فى ميدان المحطة.. بهدير كاسح.. فنظر أمامه.. ليرى طوفانا من البشر يتدفق من أبواب المحطة بلا نهاية.. وكل من فى الميدان يفرون.. ويهربون فى كل اتجاه وتساءل الرجل.. هل هذه مظاهرة.. ولم يجبه أحد.. فوقف يدقق النظر فى إمعان إلى أن اقترب الطوفان منه.. فرأى اللافتة التى فى المقدمة.. وتبين الكلمات التى رسمت عليها:

مرضى السل يطالبون بالماء!

وعلى الفور وجمت ملامحه.. وجمد مكانه.. وتوقفت السيارات فى كل الاتجاهات.. خشية الاقتراب من مخاطر العدوي!

وتستمر رائعة صلاح حافظ فى سرد المخاوف التى اجتاحت الشوارع.. بمجرد الاطلاع على اللافتة التى تبين أن المظاهرة تضم مرضى السل.. إلى أن وصلوا لوزارة الصحة.. بعد أن مروا فى الطريق بعدد من الصحف.. وليس ذلك موضوعنا.

موضوعنا هو الفارق الشاسع بين مظاهرة مرضى السل.. ومظاهرات العملاء الذين خرجوا للتظاهر.. يوم الجمعة الماضي.. ولنا عليها بعض الملاحظات:

أولا: أن مرضى السل لم يخرجوا للتظاهر.. وهم يرفعون المصاحف.. من أجل إهدار قدسية القرآن الكريم.. ولم يطلقوا لحاهم الكثيفة.. ويرتدون الجلاليب التى تضيق عند المؤخرة من باب الإثارة.. على غرار مجتمعات الصحراء فى عصور الرعي.. وندرة الماء والغذاء.. ورفع أعلام المذاهب بعد تشويشها بحيث يكثر حولها الجدل واللغط.. وتشتت المجتمعات وتفرق بينها.. وتثير بين أطفالها شهوات الانتقام والاقتتال.. وسبى النساء وعرضهم للبيع فى أسواق النخاسة من أجل إشباع شهوات الفحولة.

مرضى السل لم يفعلوا ذلك!

ثانيا: أن مرضى مصحة السل لم يحصلوا على أموال من الصهيونية العالمية.. أو من جماعة البنائية الأحرار الماسونية.. من أجل الخروج فى مظاهرات صاخبة.. علاوة على أن مرضى السل دخلوا المصحة لأسباب صحية وليس لأسباب دينية تحوم حولها كل ألوان الشبهات وأجريت عليهم الفحوص بأجهزة الأشعة التى أثبتت صحة نواياهم وعفة مقاصدهم.

ثالثا: أن مظاهرة مرضى السل.. كانت ممارسة راقية للديمقراطية.. وكانت نموذجا.. يحتذى به فى العلاقة بين الشعب والسلطة.. وبالتالى فقد كانت القدوة الحسنة لأطفالنا فى غرس القيم المصالحة فى العلاقة بين العبد بربه.. والتى لا يحق لأحد التدخل فيها.. سواء برفع الأعلام السوداء.. أو بطرح السؤال العجيب.. “هل صليت على النبي.. اليوم”؟

وبالتالى فلم تتفق جماعة الإرهاب التى نزلت الشوارع فى 28 نوفمبر.. مع نزلاء مصحة مرضى السل.. إلا فى سمة واحدة.. وهى أن كلاهما من.. الأمراض المعدية.. بكل ما تسببه من شدة الحزن والأسف!

التعليقات متوقفه