فى وداع شاعر مختلف.. سعيد عقل.. قرن من الشعر

103

برحيل الشاعر اللبنانى سعيد عقل فقدت الحياة الثقافية العربية واحدا من أهم الشعراء فى العصر الحديث، حيث عاش الراحل 102 عام فهو من مواليد 1912، ولد فى “زحلة” بمنطقة “البقاع” اللبنانية وعمل فى الصحافة والتعليم، وكانت له توجهات سياسية، حيث كان أحد مؤسسى حزب “التجدد اللبناني” كما كان يعتبر الأب الروحى لحزب حراس الأرز، وهو من الشعراء الذين حاولوا الاقتراب من لغتهم المحلية والكتابة بها لكنه عاود الكتابة باللغة الفصحي، وله عشرات الإصدارات الشعرية والفكرية ومنها “نشيد جمعية العروة الوثقي” و”المجدلية” و”لبنان إن حكي” و”يارا” و”أجراس الياسمين” و”كتاب الورد” و”قصائد من دفتر 1979″ و”كما الأعمدة” كما كتب باللغة الفرنسية عدة كتب، تميز إنتاجه بالتنوع والتعدد اللغوي.

وهذا ما يؤكده الشاعر أحمد عنتر مصطفى والذى يرى أن تجربة “عقل” مختلفة عن بقية التجارب الشعرية، حيث كان يسعى إلى التنوع والاختلاف دائما.

عاش محبا للشعر وللحياة، ساعده على ذلك اتساع مساحة العمر الذى تجاوز قرنا من الزمان، عاش خلالها أحداثا متنوعة، وعاصر أجيالا مختلفة.

تجربة غنية

ويرى الشاعر محمد إبراهيم أبوسنة أن “عقل” تجربته غنية جدا وثرية بسبب أولا طول عمره الذى امتد لأكثر من مائة عام معنى ذلك أنه عاصر المدرسة الكلاسيكية، وعرف أحمد شوقى فى بواكير حياته، وبعض الشعراء اللبنانيين مثل “الأخطل الصغير” وعدد من شعراء لبنان المتميزين مثل “أمين نخلة” واستطاع أن يكون شخصيته الخاصة، هذه الشخصية شديدة الولع بالجذور القومية، كان لبنانيا خاصا.

كتب القصيدة الكلاسيكية والقصيدة العامية المحكية، ويضيف أبوسنة قائلا:

لقد تغنى بقصائده عدد من المطربين كفيروز وحقق حالة من التواصل مع الساحة الثقافية العربية.

واتصل بالتراث الغربى خاصة الفرنسي، ولكنه كان شاعرا عربيا معتزا بنفسه وأعتقد أنه أكثر الشعراء العرب تمثيلا للبرناسية فى الشعر العربى فى العصر الحديث لأنه كان شديد الإخلاص فى الجمال وصياغة اللغة الخاصة فى قصائده وشديد الفتنة بالشعر الفرنسي.

وله نشاطه السياسى لدرجة أنه رشح نفسه لرئاسة الجمهورية.

استطاع أن يحافظ على جذوة الإبداع طوال عمره الممتد، ووقف فى الصدارة مع شعراء لبنان المتميزين على امتداد حياته المليئة بالمعارك على المستوى الاجتماعى والسياسي.

يؤكد الشاعر إبراهيم داود – رئيس تحرير مجلة “ديوان الأهرام” والمشرف على الملحق الثقافى بالأهرام – على خصوصية تجربة عقل قائلا هو شاعر كبير، أكثر شاعر شبه لبنان وشبه القومية اللبنانية التى تمثل الحلم.

لكن آراءه السياسية كانت محبطة، ولو أخذناه كشاعر فهو شاعر عظيم، كانت علاقته باللغة العربية قوية، بها أخذ ورد كثيرا عرفناه بعلاقته بالرحبانية على مدار سنوات طويلة.

لكننا صدمنا بموقفه فى فترة الاجتياح الإسرائيلى وموقفه من الترحيب بالمحتل.

ويضيف داود قائلا: لو نحينا ذلك، سنرى أنه رجل كان يريد إحياء القومية اللبنانية.

كان مسيحيا من المسيحيين القلائل الذين يعرفون الدين الإسلامى جيدا بأحكامه وتشريعاته وكان من القلائل المجيدين فى الفصحى والعامية، كذلك عبر عن “اللخبطة” التى حدثت فى لبنان خلال الأربعين عاما الماضية.

أما د. محمد سليمان – أحد أبرز شعراء جيل السبعينيات – فيؤكد أن “عقل” كان واحدا من أكبر الشعراء العرب، فقد جرب وحاول أن ينقل القصيدة من كلاسيكيتها ومن جيل شوقى وحافظ إلى آفاق جديدة على مستوى اللغة والمفردات والصور وعلى مستوى الانشغال بحركة الواقع والتحولات التى تحدث فى المجتمع، تمرد أحيانا على اللغة العربية الفصحي، وحاول أن يكتب بلغة الشاعر، والاقتراب من البشر، باعتبار اللغة الفصحى لغة نصف ميتة، لا يتعامل بها الناس من قرانا، وهناك جمهور محدود للغاية يتعامل مع اللغة الفصحي، هذه دعوة لم تلق قبولا.

ويضيف د. سليمان قائلا: لدى كثير من الشعراء، وتخلى عنها سعيد عقل نفسه، وظل يكتب بالعربية.

وأظن أننا لا نستطيع أن نتحدث عن المشهد الشعرى فى نصف قرن أو أكثر دون أن نتحدث عن تجربته ونضعها فى صدارة المشهد.

فهو من الشعراء الكلاسيكيين الكبار ومازلنا نتذكر قصائده، ومازالت قصيدته عن القدس التى غنتها فيروز باقية فهى قصيدة تعامل معها جميع الوطن العربى بحب.

هو شاعر كان قادرا على الانشغال بقضايا أمته، خسرناه كما خسرنا عددا كبيرا من الكتاب فى الفترة.

التعليقات متوقفه