فريدة النقاش تكتب: فمن شاء فليؤمن..

98

“وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.. هذه آية واضحة فى سورة الكهف فى القرآن الكريم، وفى مجمل القرآن سوف يتلقى من يكفر عقابه فى العالم الآخر، أى أنه لم يقنن عملية التكفير، ومع ذلك تطوع أحد المشاركين فى مؤتمر الأزهر الذى عقد أخيرا “الأزهر فى مواجهة التطرف والإرهاب” – والذى شارك فيه ستمائة عالم من مائة وعشرين دولة – تطوع هذا العالم بالقول إن للتكفير شروطاً، وفتح بذلك بابا للعقوبات الدنيوية للكافرين رغم أنه من الثابت عدم وجود حد للردة فى القرآن الكريم.

وتكمن خطورة مثل هذه التصريحات حول الشروط فى أنها تفتح الباب للمتطرفين والإرهابيين لاستنباط شروطهم التى يعتمدون عليها فى تبرير القتل لمن يعتبرونهم كافرين، لا فحسب من أتباع الديانات الأخري، بل وحتى من المسلمين حين يعتبرونهم خارجين عن الإسلام طبقا لقراءتهم للنصوص التى هى من وجهة نظرهم صحيح الدين، وقد نجحوا إلى حد ما فى تجنيد شباب من بلدان كثيرة فقد بعضهم الثقة فى العلماء والشيوخ والمفتين الحكوميين، وحتى فى العلم الحديث والمعرفة التى لم تتأسس على الدين.

وأمامى الآن قصة الشاب “إسلام يكن” الطالب السابق فى مدرسة الليسيه ومغنى الراب الذى هجر أسرته وفنه ليلتحق بداعش العراق، ومن المؤكد أن هناك الآلاف من الشباب الذين يحاربون فى صفوف “داعش” و”القاعدة” وعشرات المنظمات المتطرفة الأخرى التى تنطلق من رؤيتها للدين الإسلامي، والتى ترى أن رؤيتها هذه هى صحيح الدين طبقا للمصطلح الشائع فى صفوف المؤسسات الدينية وبعض مراكز البحث وفى أوساط الكثير من المثقفين، ويتصور هؤلاء جميعا أن زاوية رؤيتهم لما هو صحيح الدين هى الحق بعينه الذى لا يأتيه الباطل أبدا، بينما يتصور التكفيريون والإرهابيون الشيء ذاته اعتمادا على زاوية نظرهم لبعض النصوص الدينية التى يعتبرونها أيضا صحيح الدين.

وتحصد المجتمعات الإسلامية والعربية النتائج المأساوية لعمليات الإجهاض المنظمة والمتواصلة لجهود الإصلاح الدينى التى تأسست منذ كتب “ابن رشد” كتبه قبل أكثر من ثمانية قرون على النظرة العقلانية الموضوعية للنصوص الدينية، وشاعت الخصومة مع النظرة النقدية من مناهج التعليم وفى المؤسسات الدينية والإعلامية، وتراكمت المحرمات مع مخاصمة النقد وخرجت إلى الحياة العملية أجيال بعد أجيال محرومة من التساؤل والنظر العلمي، وكان عليها دائما أن تتلقى الإجابات الجاهزة من المؤسسات الأبوية من الأسرة إلى المدرسة، ومن المؤسسة الدينية إلى الإعلام.

وأنتج تحريم النقد وتجريم الرؤية العلمية الموضوعية للنصوص، فى توافق مع هزيمة حركة التحرر الوطني، وهى الهزيمة التى تواكبت مع صعود أسعار النفط بعد حرب 1973 حتى امتلكت المعاقل المحافظة اجتماعيا ودينيا فى العالمين العربى والإسلامى اليد الطولى فى صياغة الأسس العامة لثقافة المنطقة.. أنتجت كل أشكال العنف والتطرف من عقالها باسم الدين لتمارس المعارضة السياسية لهذه النظم من على أرضية هذه النظم أنفسها، وتقول جماعات العنف والتطرف أنها هى – وليست نظم الأسر الحاكمة والمالكة – تمثل صحيح الدين، وأخذت هذه الأسر تجنى ما زرعت أيديها وهى تجند الإرهابيين ومن يسمون أنفسهم بـ “المجاهدين” لمحاربة اليسار فى المنطقة وإخراج الاتحاد السوفييتى من أفغانستان.

ثمة حاجة ملحة الآن لإعادة النظر والتقييم لكل مسيرة المنطقة فى ضوء الحقائق الجديدة التى تقول لنا بكل وضوح، بعد الهزائم المتلاحقة فى ميدان تجديد الفكر الدينى على أساس من الرؤية النقدية الشاملة، سوف تعيد إنتاج نفسها إذا ما وصلنا التشبث بالمناهج الشعارية التى تختفى وراءها الحقائق.

فريدة النقاش

التعليقات متوقفه