المثقفون يودعون حامد عمار عاش راهباً في مجال المعرفة ورائداً في التنمية البشري

128

رحل عالم اصول التربية والكتابة، الدكتور حامد عمار أستاذ علوم التربية بجامعة عين شمس، عن عمر يناهز 93 عاماً، ولكن بقيت كتاباته تعبر عنه ،وتلاميذه يتحدثون عنه،ويشهد له كل من يعرفه.

وعن شيخ التربويين العرب كما كان يلقبه تلاميذه والمقربون منه ،يقول ” د.عاصم الدسوقى”استاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان” ان “عمار” هو استاذ جيل كبير فى اصول التربية، أضاف الكثير لمنهج العلوم التربوية ويتضح هذا من خلال الرسائل العلمية التى اشرف عليها، وإسهاماته العلمية فى الكتب والدراسات التى كان يقوم بكتابتها، فضلا عن اشتراكه فى المؤتمرات سواء المحلية او الدولية.

واضاف انه يمثل الشخصية المصرية فى اصولها التاريخية، ويصفه بالنزاهة والبعد عن الانحياز والالتزام بالموضوعية والتواضع الشديد حيث إنه لم يظهر غضاضة أو امتعاضاً فى ان يصحح افكاره اذا ما قراً بحثاً لاحد من تلاميذه، فكان يتعلم من الغير رغم ان له حيثياته العلمية.

وتابع: تعلمت منه الشجاعة فى إبداء الراى دون اى اعتبارات اومصالح شخصية سابقة، والاتساق مع النفس والفكرة الواضحة، فكان يثنى على كتاباتى ويتصل بى تليفونياً حين تعجبه مقالة نشرتها فى مجلة او جريدة ويهنئنى.

ويتذكر د.عاصم احد افكار ومشاريع “عمار” التربوية التى سعى لتحقيقها والتى منها عودة كليات التربية الى اصلها بمعنى ان تستقطب خريجى الكليات المختلفة ذوى الأقسام والتخصصات المختلفة الذين يريدون العمل بالتدريس وذلك لتعليمهم طرق التدريس الصحيحة وإعداد المدرس تربوياً بحيث يكون قادراً على التدريس بشكل تربوى سليم ،يخدم من خلاله مجتمعه ويخرج جيلاً قادراً على الفهم والتعلم وليس الحفظ والتلقين.

دراسات مبدعة

ويقول د. جمال شقرة “مدير مركز بحوث الشرق الاوسط بجامعة عين شمس” ان “عمار” استطاع ان يقدم للثقافة المصرية انجازات عدة خاصة فى مجال التعليم والتربية، فقدم دراسات علمية مبدعة تناولت قضايا التعليم من منظور علمى شامل، فضلا عن أنه استطاع ان يخلق جيلاً تتلمذ على يده ينتمى للفكر التنويرى المستنير، ومن ثم يخدم هذا الجيل بلده ووطنه بشكل تنويرى وعلمى وتربوى.

وتابع:لم نفتقد لمثل هؤلاء الذين رحلوا عنا وتركوا لنا اعمالهم ،فالعطاء مستمر فى شكل تلاميذه فى مجال اصول التربية وكتاباته العلمية.

ويضيف د.جمال عن “عمار” قائلا: رغم تخصصى فى التاريخ فإننى كنت احرص على حضور ندواته ومؤتمراته لنستفاد من رؤيته البانورامية العامة حول اهمية التعليم كمعالج للمشكلات فى المجتمع المصرى، وكثيرا ما كان يهدينا الكتب ونستعيرها منه ليضيف لنا بعلمه ورؤيته المستنيرة، بالاضافة الى انه كان محباً للاطلاع فكان يبحث عن الذين يختلفون عن تخصصه ويحضر ويشارك فى ندوات عدة.

رؤية شاملة

“صاحب رؤية شاملة فى تطوير التعليم وتطوير مصر بأشملها “.. هكذا تقول د. زبيدة عطا “مقرر لجنة التاريخ بالمجلس الاعلى للثقافة” مضيفة انه كان يترأس العديد من لجان تحكيم الجوائز بالمجلس، وكان متواضعاً ولا يتكبر على احد بل يدين له الجميع بالجميل والعرفان ،فمصر ولادة امثال الدكتور عمار ومؤلفاته وكتاباته وتلاميذه اهم إسهاماته فى الحياة.

ويتذكر د.على بركات “استاذ التاريخ بآداب حلوان” عن “عمار” انه كان فى الفترة الأخيرة شديد الهموم بواقع التعليم فى وقتنا الحاضر، نظرا لتعدد مصادر التعليم ما بين التعليم الرسمى والخاص والاجنبى، بما يخلق نوعاً من الازدواجية فى العقلية المصرية.

وتابع: فكان منتقداً لهذا الوضع حفاظا على الهوية المصرية واللغه العربية والوعى الوطنى لدى الاجيال، فإلى جانب انه استاذ تربية إلا انه له رؤيه سياسية، منطلقة من كونه إنساناً مثقفاً، سوياً، يحب بلده، فهو مفكر، وصاحب وجهة نظر.

وقال د.ايمن فؤاد “رئيس الجمعية التاريخية المصرية” ان “عمار” ساهم إسهاماً كبيراً فى الدراسات التربوية رغم انه خريج اداب قسم تاريخ، ولكنه اول من اهتم بالدراسات التربوية منذ بواكيرها إلى أن أصبح رائداً من رواد علوم التربية فى مصر، ويضيف د.ايمن: أن للجمعية المصرية إسهاما فى حصوله على جائزة مبارك (جائزة النيل حاليا) عن مجمل أعماله تقديراً له وذلك فى الثمانينات.

وتابع: التواضع والاخلاق جمع بينهم وهم من صفات العلماء، فكان له دور فى خلق جيل من الباحثين فى مبادئ علوم التربية، وكان لا يبخل على احد بعلمه وثقافته،فترك لنا تراثاً مكتوباً نستند اليه فى مرجعنا.

وعلى صعيد متصل فقد قررت وزارة التربية والتعليم ان تضع اسم الدكتور حامد عمار،على أول مدرسة يتم الانتهاء من تجهيزها بكل من محافظة القاهرة التى شهدت تفوقه ونبوغه وإنجازاته وإبداعاته، ومحافظة أسوان مسقط رأسه ومهد طفولته.

ولد “عمار” الملقب بشيخ التربويين المصريين في قرية (سلوا) بمحافظة أسوان في أقصى جنوب مصر في 25 فبراير 1921، ونال ليسانس الآداب من جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً) ، ويعد أول مصرى يحصل على درجة الدكتوراه فى اجتماعيات التربية من جامعة لندن عام 1952 وحملت رسالته عنوان (التنشئة الاجتماعية في قرية مصرية). وعاد إلى مصر ليعمل بجامعة عين شمس.

نال عمار في 2008 جائزة النيل في العلوم الاجتماعية وهي أكبر جائزة في مصر، وسجل سيرته الذاتية في كتابه (خطى اجتزناها.. بين الفقر والمصادفة إلى حرم الجامعة) التي اعتبرها رحلة طويلة مذهلة من مجتمع الزراعة البدائي واقتصاد الكفاف والاكتفاء بموارده الذاتية إنتاجا واستهلاكا إلى مرحلة آفاق مجتمع العولمة وعصر المعلوماتية.

التعليقات متوقفه