فريدة النقاش تكتب:  يوم الغضب

107

شهدت الأيام الماضية اندلاع المظاهرات بالآلاف فى مدن أمريكية على رأسها “واشنطن” و”نيويورك” احتجاجا على الممارسات العنصرية الشرطية التى أودت بحياة شبين سود عزل من السلاح أطلقت عليهما الشرطة النار.

أطلق المتظاهرون على احتجاجاتهم عنوان “يوم الغضب” الذى استلهموا فيه نضال أجدادهم فى ستينيات القرن الماضى بقيادة القس الأسود “مارتن لوثر كنج” الذى أسهم فى تنظيم واندلاع حركة الحقوق المدنية وقتله العنصريون، بعد أن أطلق حلمه بالعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية.

وراكم الكفاح ضد العنصرية منذ ذلك التاريخ تراثا هائلا جرى بناؤه على معرفة ثاقبة وأليمة، بقيام ونهوض الولايات المتحدة الأمريكية على عرق ودماء وأشلاء ملايين الأفارقة الذين جلبهم تجار العبيد من بلدانهم بأساليب وحشية ليعملوا كثيرا – حتى الموت أحيانا – فى المزارع، وليعمروا الأرض البكر، ومن يستمع جيدا لألحان وأغنيات وأشعار الأفريقيين ويقرأ رواياتهم حتى الآن بعد فوات القرون على عمليات الجلب الأولي، يعرف إلى أى حد حفرت هذه المأساة علاماتها التى لا تنسى فى وجدان الأمريكيين الأفارقة، ومنحت طابعا تراجيديا لفنونهم وتراثهم الثقافى كله، وغلفت هذا التراث فى نزعة إنسانية جياشة ضد كل أشكال الظلم والعدوان أيا كان زمانه أو مكانه.

وخرج من قلب هذه المعاناة الطويلة مناضلون أشداء فى كل ميادين العلم والفن والحياة بعد أن انتصرت حركة الحقوق المدنية – جزئيا – فى ظل مناخ عالمى موات انطلقت فيه حركة التحرر الوطنى وحققت انتصارات فى البلدان المستَعَمَرة “بفتح الميم” مع انتصار الثورة الاشتراكية الأولى فى روسيا، وقيام الاتحاد السوفييتى فى ذلك الحين بدعم مسيرة التحرر الإنسانى ضمن رؤيته المستقبلية لبناء الاشتراكية.

وأدى انهيار المنظومة الاشتراكية العالمية إلى انفراد القوى الاستعمارية بالعالم، وتوحشت الرأسمالية وانقضت حتى على دولة الرفاه الاجتماعي، فازداد عنف الاستغلال والقمع على الصعيد العالمى ثم جرى إحياء العنصرية بعد أن كانت قد تراجعت.

وبعد أن كانت فرنسا قد ألغت العبودية عام 1848 بعد مد ثورى عاصف أخذت العنصرية تكشر أنيابها مجددا ضد المهاجرين والعدوان المنظم على وجودهم ذاته، وحدثت كذلك ممارسات عنصرية فى “السويد” التى كانت نموذجا يحتذى فى احترام حقوق الإنسان وتوفير الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لكل مواطنيها، وإن بقى الانقسام الطبقى قائما بل وأشد عنفا.

يرتبط إنبعاث العنصرية على هذا النحو بالأزمة العامة للرأسمالية وهى أزمة تعبر عن نفسها بأكثر من صيغة، سواء بتكثيف الاستغلال، أو استخدام الدين، أو ممارسة العنصرية، أو العودة لاحتلال البلدان الأخرى وإحياء الاستعمار العسكرى ونشر ثقافة التميز والتفكيك باسم تجاوز الحداثة إلى ما بعدها، وجر بعض المثقفين إلى اليأس والعدمية والاستغراق فى الذات بعيدا عن هموم شعوبهم وإنكارا لمهماتهم الطليعية فى قلب هذه الشعوب بحرمانها من معارف هؤلاء المثقفين ومهاراتهم.

ولكن هذا الوضع البائس ليس نهاية المطاف، كما أن يوم الغضب الأمريكى ونضال المهاجرين فى أوروبا ضد التهميش والقمع وضد الأحزاب العنصرية، هى كلها علامات على أن الصراع الممتد سوف يفتح للإنسانية أبواب مستقبل آخر تنهزم فيه العنصرية والوحشية وترتفع رايات التحرر والعدالة مهما طال الزمن.

فريدة النقاش

التعليقات متوقفه