من الحياة الهامشية لعميد الرواية العربية…نجيب محفوظ والحرافيش على “مقهى عرابي”

105

ارتبط “نجيب محفوظ” فى بداية شبابه بمقهى “عرابي” بالعباسية حيث كان قريبا من بيت الأسرة التى انتقلت إليه من حى الجمالية الذى ولد ونشأ فيه وقضى فيه أيام طفولته وصباه.

وترجع تسمية المقهى إلى “كامل عرابي” فتوة الحسينية الذى قضى فى السجن 20 عاما بعد أن كسر وحطم وأطاح بعين أحد الأشخاص، وكانت هذه الحادثة سببا فى إلغاء نظام “الفتونة” فى الثلاثينيات من القرن الماضي.

وقد تحدث “محفوظ” عن علاقته بهذا المقهى فى الكتاب الذى أعده الناقد رجاء النقاش عن أحاديث مطولة معه عن حياته وذكرياته وحمل عنوان “نجيب محفوظ.. صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته” فيقول “محفوظ” عن بداية تعارفه بالمكان: “تعرفت على “عرابي” بعد خروجه من السجن وكنا – أنا وأصدقائى – نذهب للجلوس فى مقهاه، وكان أحيانا يتشاجر معنا لأنه كان محبا للهدوء والنظام، ويكره أن يصفق أحد بيديه لاستدعاء “الجرسون”، وكان صوتنا يعلو كثيرا وندخل فى فاصل من المشاغبة البريئة، فلما يضيق بنا يتجه نحونا ويقول فى غضب: “هذا مقهى أم مدرسة أيها الأفندية؟ من الغد لا تدخلوا المقهي”.. فننتقل إلى مقهى “الفقي”، وهو مقهى صغير فى آخر العباسية، وبعد عدة أيام يمر علينا “عرابي” فى بيوتنا، يصالحنا ويعلن انتهاء فترة الطرد، ونعود إليه من جديد”.

ويضيف محفوظ: “فى أيام الانتخابات كانت “قهوة عرابي” تتحول إلى معسكر لأنصار الوفد، لأن عرابى كان وفديا، وكان كبار السياسيين من أهل الحسينية مثل الشواربى باشا وأحمد ماهر باشا يخطبون ود “عرابي” حتى يساعدهم فى كسب أصوات الناس بما يتمتع به من تأثير جماهيرى رهيب، ورغم السنوات العشرين التى قضاها فى السجن إلا أنها لم تؤثر على شخصيته، وكان شكله وتركيبته يوحيان بالزعامة، وفيه هيبته سعد زغلول، وكان فى صوته شموخ لأنه تعود أن يأمر فيطاع”.

تأثير المكان

إذن كان عرابى هذا كما يصوره “محفوظ” شخصية ذات تأثير قوى فى محيطها الاجتماعي، وبمنطق ذلك الزمان الذى كانت فيه الفتوة أحد تجليات القوة فى ذلك العصر، وكان الفتوات بإمكانهم فرض الإتاوات على التجار فى الأسواق والمحلات، وكانت الحكومة – فى كثير من الأحيان تساعدهم على فرض هيمنتهم على الحوارى الشعبية، فكان لكل حى “فتوة” خاص به.

وكانت شلة العباسية والتى كانت نواة لما عرف بعد ذلك بـ “الحرافيش” تضم فى بداية تكوينها كل من مصطفى كاظم شقيق السيدة تحية كاظم زوجة الرئيس عبدالناصر، وأحمد الحفناوي، وهو غير الموسيقار المعروف وحسن عاكف والألفى مأمون، والمعلم كرشو، و”نجيب الشويخي” الذى وصفه “محفوظ” بأنه شرير الشلة فقد اعتدى بالضرب على معظم أعضائها ومهددا أى عضو من الشلة يختلف معه بعدم الخروج من بيته حتى لا يتعرض للضرب وكان من بين أعضاء الشلة أدهم رجب وهو طبيب هاجر منذ أكثر من ستين عاما إلى الولايات المتحدة الأمريكية ومازال مقيما فيها حتى الآن وقد تجاوز المائة عام.

ثم بعد ذلك تكونت “الحرافيش” من خلال مجموعة من الأدباء الذين فازوا بالجائزة التى أقامتها وزارة المعارف فى بداية الأربعينيات فى القصة وهم على أحمد باكثير ويوسف جوهر وعادل كامل ومحمد عفيفى ونجيب محفوظ، وانضم إليهم بعد ذلك الفنان أحمد مظهر والمخرج توفيق صالح.

لقاء أسبوعي

وقد كان محفوظ ورفاقه يلتقون فى مساء كل يوم خميس من كل أسبوع أما باقى الأيام فكان المقهى يمتلئ بالزبائن من كل طوائف المجتمع، ويذكر محفوظ فى حديثه مع “النقاش” أن “مقهى عرابي” كان أكثر المقاهى التى يجلس عليها الضباط الأحرار قبل الثورة ومنهم عبدالحكيم عامر وعبداللطيف البغدادى وجمال سالم فيقول: “لم يخطر على ذهنى مطلقا أن يقوم الجيش المصرى بانقلاب عسكرى يطيح فيه بالحكم الملكى عام 1952، وذلك على الرغم من أن سهرات مقهى “عرابي” بالعباسية قبيل الثورة كانت تضم عددا من الضباط الأحرار منهم عبداللطيف البغدادى وجمال سالم، وهذان الضابطان لم ألتق بهما لأنهما كانا يفضلان الذهاب إلى المقهى طوال أيام الأسبوع باستثناء يوم الخميس موعد سهرتنا الأسبوعية، حيث الازدحام والصخب، حتى أننا كنا نسميه “يوم الزيطة”، كان البغدادى وجمال سالم يجلسان طويلا مع شلتنا، ومع ذلك لم يشعر أحد بالتحركات التى تتم داخل الجيش، أو بأن هناك تخطيطا للثورة، وكان عبدالحكيم عامر يرتاد المقهى أحيانا”.

ويضيف محفوظ: “وأذكر أحد أصدقاء “شلتنا” هى شخصية كنا نسميها باسم المعلم “كرشو”، وهو أحد أصدقاء شلة العباسية، ومن رواد سهرة “عرابي” وقد تخرج فى مدرسة الزراعة العليا، وكان من بين الذين أعطتهم الحكومة عشرين فدانا لزراعتها فى الثلاثينيات، وكان يتمتع بالثراء خاصة أنه ورث عن والده عمارتين، وقد أخبرنى المعلم “كرشو” ذات يوم أنه دخل المقهى فوجد “عبدالحكيم عامر” يجلس بها، وكانت تربطهما – عامر وكرشو – صداقة قوية، وكان “عامر” يومئذ يجلس فى المقهى فى انتظار صديقه عبدالناصر وجلس معه عدة مرات، وكان من بين الضباط الأحرار أيضا “سعد حمزة” الذى اعتاد بخلاف البغدادى وسالم على حضور سهرة الخميس، وظل فى صفوف الجيش حتى بلوغه سن التقاعد، فعينوه رئيسا لإحدى المدن”.

كل هؤلاء الضباط.. يتحدثون معنا فى كل شئون الحياة، ونعرف أسرار حياتهم الشخصية، ولكننا لم نعرف أبدا السر الخطير الذى يدبرونه فى الخفاء.

شلة العباسية

ومن المؤسسين لشلة العباسية “حسين عاكف” الذى أصبح – بعد ذلك – الطيار الخاص للملك فاروق الذى اختاره ليقود طائرته الخاصة، وكان من الشخصيات المهمة ذات النفوذ الواسع لكنه كان يتحين الفرصة لكى يذهب إلى قهوة “عرابي” ليجلس مع أصدقاء الصبا، الذى كانوا يدركون خطورة موقعه السياسي، فكانوا يجلسون داخل المقهى حين يكون معهم.

وعندما قامت الثورة حاول حسن عاكف أن يقوم بتهريب الملك للخارج، وتم إلقاء القبض عليه قبل أن ينفذ محاولته، وتم تقديمه للمحاكمة التى كما يقول عنها محفوظ “دافع فيها عن موقفه برجولة: فقد قال إنه يعتبر الملك فاروق مولاه، وأنه لا يعرف شيئا عن أهداف ونوايا القائمين بالثورة، ورأى أن من واجبه أن يحافظ على الرجل الذى عينه لخدمته ويعتبره حاكما لمصر، وكان حسن عاكف من رجال الملك القلائل الذين أفرج عنهم بعد أن اعتقلتهم الثورة، ومات حسن عاكف فى أواخر الثمانينيات ولتأثرى بشخصيته قدمته فى رواية “صباح الورد”.

وعلى مقهى عرابى – أيضا – التقى “محفوظ” بالبطل الحقيقى لروايته “الكرنك” وهو “حمزة البسيوني” مدير السجن الحربى وقتها، وفى ذلك يقول: “أما فكرة رواية “الكرنك” فقد وردت إلى ذهنى وأنا أستمع إلى أصدقاء مقهى “ريش” وهم يقصون على ما لاقوه من صنوف التعذيب أثناء فترة اعتقالهم، قلت لنفسى لماذا لا أسجل هذه الأحداث فى عمل روائى لألفت الأنظار لهذه القضية؟ واختمرت فكرة الرواية فى رأسى بعد أن قابلت اللواء حمزة البسيونى الذى كان مديرا للسجن الحربي، جلست أتأمل فى ملامحه التى لا تظهر عليها علامات الخشونة والجفاء بما يتفق مع ما كان مشهورا عنه من غلظة فى التعامل.. كان وقتذاك قد خرج من الخدمة ويحاول الرجوع إليها مرة أخري.

رأيت حمزة البسيونى مرة ثانية فى مقهى “عرابي”، حيث كنت جالسا، وإذا به يدخل المقهى ويقترب منى ويقول فى لهجة محايدة “سعيدة يا أستاذ” ثم جلس على منضدة مجاورة، وبعد أيام لقى مصرعه فى حادث تصادم وهو فى طريقه إلى الإسكندرية.

ومن خلال ما سمعته عن حمزة البسيونى وأفعاله مع المعتقلين فى السجن الحربي، وما حكاه لى أصدقاء مقهى “ريش” بدأت فى التخطيط للرواية”.

التعليقات متوقفه