رضوى عاشور وذاكرة الوطن

67

عواطف عبدالرحمن

داهمنى الخبر الحزين رحيل رضوى عاشور وأنا أقف على عتبة البيت الجديد الذى لم يكتمل بناؤه بعد للصديقة الجزائرية مليكة بن قاسى أستاذة الأدب المقارن بجامعة الجزائر وحفيدة أحد شهداء الثورة الجزائرية، انتابتنى حالة هيسترية من الالتباع والبكاء المر واحتضنتني الصديقة الجزائرية وشاركتنى البكاء وقالت إننا كنا نخطط لدعوتها لمناقشة ثلاثيتها المبدعة “غرناطة”، لماذا يرحل الأحباب والرفاق فى هذا الوقت العصيب لم أفق بعد من صدمة رحيل فتحية العسال وأبوالعز الحريرى وسمير نعيم ومحمد إبراهيم مبروك، هل هذا زمن رحيل جيل من المناضلين الشرفاء والمبدعين الأصلاء، عندما رحيل الأحباب يفقد الوجود مغزاه ويخلو فضاء الحياة من المعنى والبهجة والأمل، تنتفض خلايا الروح لوعة وأسى رغم إدراكى أنها عانت وصمدت وقاومت المرض ببسالة وإصرار على الحياة وأن النتيجة الحتمية لهذا الصراع المضنى الذى عاشته رضوى والتنقل بين المستشفيات والجراحين على مدى سنوات طالت لابد أن يكون له نهاية وعلينا أن نتقبلها بصبر وحكمة تفوق قدراتنا المنهكة، كنا رفاق طريق تجمعنا هموم الوطن وأوجاع البسطاء، هل سافرت إلى الأبد ولن نلقاها ونئتنس بدفء مشاعرها واحتفائها الدائم بأى إنجاز يحققه الإنسان فى مواجهة القهر واليأس والإذلال، لقد عاصرت وشاركت أستاذتنا لطيفة الزيات أشواق رضوى لمجئ ابنها تميم إلى الحياة، وكانت تردد قولها “أليس لى حق فى أن يكون لى طفل وأهديه إلى مصر وفلسطين” وقد جاء تميم بعد محاولتين غير موفقتين للإنجاب وكان بالفعل أعظم وأنبل إضافة إنسانية مصرية وفلسطينية إبداعا شعريا وتألقا فكريا وامتدادا عبقريا للالتحام المصيرى بين مصر وفلسطين، لقد تلقى تميم تعليمه فى مدارس مصر وجامعاتها ولعب فى شوارعها وحواريها وتألق مع أطفالها وشبابها ولكن أرضعته رضوى الانتماء لتراث وطنه الفلسطينى وكانت جدته سكينة لا تكف عن قولها دائما “إن رضوى المصرية أهدتنا تميم الفلسطينى أكثر مما منحتنا الأمهات الفلسطينيات”.

وعندما أجبر مريد على مغادرة مصر مع سائر الفلسطينيين بقرار من السادات عقب توقيع اتفاقية الصلح مع إسرائيل كانت المجر المنفى الاختيارى واختارت رضوى القرار الأصعب أن تمكث فى مصر لمواصلة عطائها العلمى لطلابها فى جامعة عين شمس واستمرار تلاحمها مع قضايا الوطن ولضمان تنشئة تميم وسط محيطه العربى، وطوال 17 عاما حرصت رضوى على زياراتها المكوكية لمريد فى بودابست مرتين كل عام، فى سبتمبر 1981 سمعنا معا فى منفاها الاختيارى بودابست قرار السادات باعتقال 1536 مواطنا مصريا هتفت قائلة “إنه لم يبق معارض واحد طليقا لقد وصل الاعتقال إلى أمى وأمك”.

رافقتنى فى جولاتى الانتخابية بقريتى “الزرابي” جنوب أسيوط عام 1984 ركزت اهتمامها على الصبية والفلاحات الصغيرات من فقراء القرية تأملت حقول القمح وعلقت قائلة “لقد صدق صلاح جاهين عندما قال القمح من لون الدهب القمح لون الفلاحين”.

جاءتنى مبكرا فى صبيحة يوم 15 مايو 1985 وفى يدها الكوفية الفلسطينية وأسرعنا إلى شارع عدلى أمام المعبد اليهودى للمشاركة فى المظاهرة التى نظمتها القوى الوطنية المصرية احتجاجا على احتفال إسرائيل بما تسميه عيد استقلالها وهو يمثل لنا يوم نكبة ضياع فلسطين، شاركنا فى المظاهرة التى بدأتها فتحية العسال بالهتاف “أنا أم شهيد بتنادى الصهاينة قتلوا أولادي” واخترقت الجموع إحدى الأمهات تهتف “دول اتنين من واحد الأول فى حرب 1967 والتانى فى حرب 1973) تزاملنا فى لجنة الدفاع عن الثقافة القومية ضد الصهيونية والإمبريالية وأشرفت رضوى على إصدار وتحرير مجلة المواجهة لسان حال اللجنة وكنا نجمع تكاليف إصدارها من مواردنا المحدودة آنذاك وصدر منها 7 أعداد، هاتفتنى فى لندن وأبلغتنى خبر اغتيال ناجى العلى وشددت على فى ضرورة مشاركتى فى تشييع جنازته فى اليوم التالى وتعزية أسرته باسم لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، وقد فعلت، فتحت مبكرا بوابة الاهتمام العلمى الجاد بالأدب والرواية الأفريقية فى كتابها غير المسبوق “التابع ينهض”.

أمضيت ثلاث أمسيات أقرأ معها فى بيتها فى بودابست بروفات أول رواية لها “الرحلة” ثم تعودت أن أقرأ إبداعاتها “حجر دافئ” وخديجة وسوسن وسراج ومريم والنخيل والثلاثية الفذة “غرناطة” قبل إرسالها إلى المطبعة، ربطها خيط سحرى بطلابها وبالمدرج بجامعة عين شمس كان يزودها دوما على حد قولها بمغزى الاستمرار ومقاومة اليأس فالشباب قادمون ومصر ولادة، وتصدرت الجامعة وهمومها وحقوق وكرامة أساتذتها أجندة رضوى فتزاملنا مع نخبة من الأساتذة الأجلاء فى جماعة 9 مارس للدفاع عن استقلال الجامعات المصرية، وكانت تتولى دائما مسئولية كتابة البيانات وتنظيم وقفات الاحتجاج أمام قبة جامعة القاهرة وقصر الزعفران بجامعة عين شمس، كانت رضوى صوتنا المدافع عن الجندى المصرى سليمان خاطر الذى ضحى بحياته دفاعا عن كرامة الوطن ضد استفزاز وهمجية الشراذم الإسرائيلية على الحدود المصرية فى سيناء.

كان حضورها وإبداعاتها تملأ فضاء الندوات والمؤتمرات العربية والدولية، منعها المرض من مشاركتنا فى أحداث ثورة 25 يناير وكانت تفيق من إغفاءاتها أثناء علاجها فى أمريكا وتسأل عن مصير “الأولاد” شباب الثورة وهل لايزالون صامدين فى ميدان التحرير.

قاومت المرض ببسالة منقطعة النظير.. وأبلغتنى تليفونيا أنها تقرأ سيرتى الذاتية “صفصافة” فى الفترات القليلة بين جولات العلاج، وكتبت فى تلك الفترة العصيبة القاسية آخر أعمالها “أثقل من رضوي” ودفعت بها إلى المطبعة فور عودتها إلى أرض الوطن قبل أن تستأنف جولتها التالية من العلاج فى الخارج كان منزلها مزارا لكل عشاق الأوطان والمبدعين من مختلف الجنسيات، التقيت واحتفيت معها فى منزلها بالعالم الفلسطينى الراحل إدوارد سعيد وسحر خليفة وإميل حبيبى ومحمود درويش وغيرهم كثيرين ورغم تعدد أعبائها وظروفها الاستثنائية كانت تقوم بكل واجبات الضيافة بمفردها حفاوة وسخاء وجدانى قل نظيره وقدرة فدة على تجاوز الأزمات والشدائد لم أعهدها يوما متجهمة أو يائسة كانت تغضب فقط عندما يهان الوطن أو يتعرض إنسان للإذلال.

شريط طويل من الذكريات التى تلسع نيرانها كل قطعة من كيانى وتنتزع من روحى أغلى ما فيها، لماذا يذهب الأحباب ويتركوننا وحيدين فى هذا الفضاء القاتم تحاصرنا هموم الوطن وفقدان الرفاق.

هذه لمحات خاطفة مما تحفظه الذاكرة المشحونة بالحزن لرحيل الصديقة والرفيقة المناضلة رضوى عاشور.

عواطف عبدالرحمن

التعليقات متوقفه