حامد عمار شيخ التربويين العرب وداعا

104

برحيل د. حامد عمار فقدت الحياة العلمية والثقافية في مصر واحدا من القامات الفكرية والتربوية الرائدة بما قدمه الراحل من اسهامات جليلة في مجال التعليم والتربية ليس في مصر فقط، وإنما علي مستوي الوطن العربي فقد شارك في تأسيس عدد كبير من المراكز العلمية والبحثية في معظم الدول العربية، فقد أسس معهد الخدمة الاجتماعية في الأردن عام 1970، وساهم في برامج مكتب الأمم المتحدة لرعاية الاطفال “يونيسيف” بالإضافة إلي مساهمته في تأسيس مركز التدريب علي العمل الاجتماعي في سلطنة عمان. وخلال حياته الممتدة – حيث توفي عن 93 عاما- قدم “عمار” نموذجا متفردا في الصلابة والنضال عبر مواقف سياسية وعلمية وفكرية أثبت خلالها أصالة الشخصية المصرية وبراعتها وقدرتها علي تحدي الصعاب. ومنها أنه كان أول مصري يحصل علي درجة الدكتوراه في “اجتماعيات التربية” من جامعة لندن عام 1952، برسالة حملت عنوان “التنشئة الاجتماعية في قرية مصرية” عاد بعدها ليكمل مشواره العلمي في جامعة عين شمس. وتعددت الاسهامات الفكرية للمفكر الراحل – ليس في المجال التربوي فقط- وإنما في كل مناحي العلم والثقافة والسياسية، فقد كان صاحب آراء حاسمة في كل مجال شارك فيه. اهتم منذ البداية بالدعوة إلي تعليم المهمشين والبسطاء في الأحياء الفقيرة وفي ريف مصر لذا جاء كتابه الأول تحت عنوان “العمل الميداني في الريف” والذي صدر عام 1954، ثم تبعه بعدة كتب رائدة في هذا المجال ومنها “اقتصاديات التعليم” و”تعليم المستقبل من التسلط إلي التحرر” و”المعلمون بناة ثقافة”، وهو كتاب مترجم و”مواجهة العولمة في التعليم والثقافة” و”التنمية البشرية في الوطن العربي” والذي حصل به علي جائزة التقدم العلمي من الكويت عام 1994. ثم كان كتابه “خطي اجتزناها بين الفقر والمصادفة إلي حرم الجامعة” والذي سجل فيه سيرته الذاتية ليكشف من خلاله رحلة المعاناة التي عاشها منذ الطفولة في مدينة أسوان التي ولد فيها عام 1920 وحتي التحاقه بالجامعة المصرية. كما أصدر الراحل عدة كتب في المجال السياسي كان آخر كتابه “أعاصير الشرق الأوسط وتداعياتها السياسية والتربوية”. البحث العلمي واهتم المفكر الراحل بالدعوة إلي تشجيع البحث العلمي مؤكدا قيمة العلم والعلماء حيث يقول : “وقد آن الآوان للباحثين والعلماء أن يجدوا من التشجيع والتقدير والمكانة في المجتمع ما تحاكيه أبطال كرة القدم والفنانون وأن توفر لهم الموارد لاقتحام البحوث في أولويات التنمية من زراعة الصحراء وبحوث المياه، وإنتاج “البرمجيات الحاسوبية” علي نطاق واسع وفي مختلف مجالات المعرفة لتمثل قدرا من صادراتنا كما هو الحال بالنسبة لعلماء الهند الذين استطاعوا أن يضمنوا الاكتفاء الذاتي في القمح وفي السلع الالكترونية والحاسوبية، فالهند تساهم بتصدير 40% من صادراتها من البرمجيات إلي بريطانيا”. الجانب الوجداني وعبر مؤلفاته المتعددة طالب “د. عمار” بالاتجاه إلي دراسة نفسية الطفل والابتعاد عن الحفظ والتلقين قائلا: “ماذا يحدث في تعليمنا، يتركز الاهتمام بالجانب المعرفي، أي تقديم معلومات للطفل يحفظها ويتلقنها وهكذا يستمر في كل مراحل التعليم أي الاهتمام بالجانب المعلوماتي المعرفي. لكن الجانب الوجداني والذي يتمثل في احساس الانسان وشعوره بما يكتسبه من معرفة وخبرات وما يتولد لديه من شوق وعشق لمزيد من المعرفة والخبرة وحب الاستطلاع والفضول، كلها معان تتولد مع المعرفة والخبرة تتطلب أنواعا من التعامل الذي يقوم علي نوع من الصداقة والمحبة بين المرسل والمستقبل لدرجة أن هناك بيت شعر لأحمد شوقي هو “قم للمعلم وفه التبجيلا.. كاد العلم أن يكون رسولا” فقمت بتحريفه وقلت: قم للمعلم وفه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون صديقا”. جدير بالذكر أن المفكر الراحل حصل علي جائزة الدولة في العلوم الاجتماعية وعلي عشرات الجوائز من الوطن العربي.

التعليقات متوقفه