في سيرته حامد عمار “خطي اجتزناها” الرحلة الأصعب في مواجهة المستحيل

66

    ماهر حسن  

الدكتور حامد عمار شيخ التربويين المصريين، من الرموز المصرية التي تؤنسنا بحضورها الصامت العازف عن الأضواء رغم أهميتها، ومن الشخصيات الفاعلة في تاريخ التعليم المصري التي لم تلق ما تستحقه من تكريم يليق بمسيرتها.. ويبدو أنه من أوجه الحظ القليلة في زمننا الفقير هذا، لجوء الكثير من رموز مصر وروادها لكتابة سيرهم الذاتية وكأنما يستشعرون الحاجة للمراجعة في زمن فوضوي اختلطت فيه المعايير. وقبل أيام أصدرت الدار المصرية اللبنانية السيرة الذاتية للدكتور حامد عمار بعنوان «خطي اجتزناها» وكان العنوان الفرعي لهذه السيرة هو «بين الفقر والمصادفة إلي حرم الجامعة».

 تبدأ المسيرة من سنة الميلاد «١٩٢١م» في محيط قرية بدائية تكاد تكون منعزلة في جنوب مصر مروراً بدخول الحرم الجامعي طالباً فأستاذاً ووصولاً إلي مستشار للأمم المتحدة، عرض عمار سيرته بكثير من التواضع ويقول: «إن كثيراً من مقاطع ذكرياتي قد صادفت كثيراً أو قليلاً من البشر.. وقد يكون لها خصوصيتها لدي لكنها إشارات قد تتشابه لدي كثير من المصريين. وبوب عمار سيرته إلي أربع وعشرين حكاية تدل كل منها علي مرحلة في المسيرة، ملتزماً بالتتابع الزمني والدرامي.

«الطفولة في قرية سلو» هو عنوان الحكاية الأولي التي يتحدث فيها عن ميلاده ونشأته في القرية المعزولة والمحرومة من العمران. وفي الحكاية الثانية عرض الدكتور حامد لملامح المعيشة في القرية التي كان وصفه لها أشبه بلوحة رائعة فضلاً عن حرصه علي دقة الوصف بتفاصيله الصغيرة.

أما عن التحاق الدكتور عمار بالتعليم الحديث فكان مضمون حكايته الرابعة منذ التحق بالمدرسة الابتدائية بإدفو في صيف ١٩٢٨ وكانت مدرسة إلزامية وهناك أوصي المعلم «جلال أفندي الأمير» الأب بالاهتمام بالصبي وضرورة استكمال تعليمه للحصول علي لقب أفندي فلما ذهب إلي إدفو أدهشه وجود حنفيات للمياه في الغرفة التي يسكنها كما أدهشه زحام المدينة وحركتها وكانت مصاريف المدرسة ثلاثة جنيهات مع وجبة غداء إلي أن انتقل إلي مدرسة أسوان الابتدائية بين عامي «٢٨ ـ ١٩٢٩».

وكان جلال أفندي الأمير الذي تحمس للغلام مازال علي إصراره في أن يستكمل الغلام مسيرته التعليمية ويلتحق بالثانوي، ثم قوبل حصوله علي البكالوريا بالطبل والزمر في قرية في احتفال استمر ثلاثة أيام. وفي الحكاية السادسة «وما أدراك ما الجامعة» عرض الدكتور عمار لقصة التحاقه بكلية الآداب وجسد إحساسه بالدخول إلي عالم جديد وهموم والده بالمصاريف.

وتمضي حكايات الدكتور عمار علي سجيتها.. وكأنما هو الحكي العادي والعاري من التقعير والتنظير وصولاً إلي مرحلة التحول من طالب إلي معلم بعدما حصل علي الليسانس عام ١٩٤١، والتحق بالمعهد العالي للتربية بالأورمان وقد صادف يوم التحاقه الأول به إضراباً عاماً فقطع الرحلة علي الأقدام! وبعد التخرج استقر به المقام مدرساً في مدرسة قنا الابتدائية حيث بدأ مدرساً للتاريخ والجغرافيا وتسلم بطاقة التموين المقررة لشراء أقمشة «الدبلان والدمور» إلي أن جاءته بعثة إلي باريس عضواً في وفد مصري إلي اليونسكو ثم ألحق بالعمل في المركز الدولي للتربية الأساسية في قرية سرس الليان في المنوفية وهي قصة امتدت ستة عشر عاماً علي سبيل الانتداب.

 وعندما بدأ التدريس في كلية التربية في المنيرة، كان جميع أعضاء هيئة التدريس من إنجلترا وأمريكا ويذكر د. عمار مدي الإفادة والخبرة التي تحققت له من مشاركاته في المؤتمرات القومية فضلاً عن بعثاته ووجوده في المؤتمرات الدولية ثم عرض لطبيعة مشاركاته أثناء القيام بمهامه في مكتب الأمم المتحدة عام ١٩٦٩/١٩٧٠. ويحقق د. عمار قفزة بين صفحتين من كتابه إذ قال: وبعد عودتي من البعثة، ومن انشغالي بهموم التربية والتعليم والعمل مع الأمم المتحدة حتي عام ١٩٨٧ افتقد مخطوطة رسالته في التاريخ!

ودارت الحكاية الثامنة عن الاجتياز الحضاري الكبير والذي تمثل في البعثة لجامعة لندن ومع انتهاء رسالته في التاريخ انقطعت صلته به ليبدأ رحلته مع صناعة التربية والتي نصحه بها إسماعيل القباني وتحدث عن المفارقات الحياتية التي واجهته في البعثة والناجمة عن فروق الحياة بين مصر ولندن التي قضي فيها خمس سنوات وهناك تحقق التواصل بينه وبين الطلاب العرب. هذه السيرة الغنية توازي في قيمتها سرداً تاريخياً دقيقاً لمجريات تاريخية اجتماعية وسياسية ومعرفية لرائد في التربية والاجتماع والتاريخ والتنمية البشرية وهو شاهد من شهود العصر الأمناء.

التعليقات متوقفه