د. رفعت السعيد  يكتب: صراع الإسلام والتأسلم حول تجديد الفكر الدينى ( 27 )

28

 

ونأتى الآن إلى ساحة بالغة الصعوبة ، تفرض علينا كتابة من نوع خاص . نحن الآن فى ساحة طه حسين ، وأعترف أننى قد حاولت أن أكتب عنه كما كتبت عن غيره من المجددين فلم أستطع . جمعت كتاباته حوالى اثنى عشر مجلداً وأكثر يضم الواحد منها أكثر من ألف صفحة . وما كتب عنه أكثر بكثير وتأملت واحداً مما كتب عنه وعنوانه “طه حسين – الوثائق السرية – تحقيق وتقديم د. محمد إبراهيم” وصفحاته أكثر من ألف صفحة . وكتابين عن الكتابات الأولى لطه حسين أحدهما بالعربية للدكتور عبد الرشيد الصادق محمودى” والآخر لذات المؤلف بالانجليزية وهو                             [Abdel Rashid Mahmoudi –  Taha Husain’s Education From the Azar to the Sorbonne -1998 ]   

ومجموعها أيضاً يقارب الألف . بالإضافة إلى عشرات المقالات والإشعار والتى تكاثرت بمناسبة الذكرى الأربعين لرحيله. والحقيقة أننى ما أشفقت على نفسى من قراءة هذه التلال من الكتابات فكل وقت أقضيه فيها متعة ما فوقها متعة ، لكننى أشفقت على القارئ الذى لم يعلق بذهنه سوى أن طه حسين زلزل الدنيا بكتابه “فى الشعر الجاهلى” الذى اعتمد فيه صراحة مذهب الشك الديكارتى ليتخذه سبيلاً الى اليقين العقلانى . وكان طه قد بدأ بدروس فى الأدب الجاهلى فى الجامعة ثم طبعها فى الكتاب فقامت الدنيا ولم تقعد وتأول الرجعيون فى الكلمات فقالوا بخطورة الشك فى النصوص الأدبية الجاهلية والمعلقات بما يقود إلى احتمال أنها صنعت فيما بعد الزمن الجاهلى . خاصة أنه أكد أن النقوش التى وجدت على الآثار المكتشفة فى شبه الجزيرة العربية مختلفة من حيث لغتها ومحتواها لما قيل انه شعر جاهلى وهو الذى لا يطابق لا شكلاً ولا موضوعاً ما نعرفه عن الأصول السائدة فى العصر الجاهلى”  [Mahmoui – lbid – p.82] بما قد يفتح الباب للشك فى النصوص المقدسة وقبلها وعندما عاد طه حسين من مونبيليية فى (1915) ليقضى عدة أشهر ثم يعود إلى باريس كتب عديداً من المقالات بعنوان حياة “الآداب” قال فيها دون أن يلتفت أحد إلى ذلك “إن الخنساء شخصية خرافية لأن أخبارها لم تدون إلا بعد ظهور الإسلام بفترة طويلة . وكان ذلك قبل صدور الكتاب المتفجر بأحد عشر عاماً” [راجع محمودى – طه حسين الكتابات الأولى – النص الكامل للمقالات] وعلى أيه حال صدر الكتاب فتأول الرجعيون الكلمات وتحدثوا عن إخضاع النصوص المقدسة وقصص القرآن لمبدأ الشك بما قد يؤدى إلى إنكارها . وثارت ثائرة الجميع . وتظاهر طلاب الأزهر طالبين طرد طه حسين من الجامعة وإحراق الكتاب وذهبوا إلى سعد زغلول بهتافاتهم الصاخبة فإستقبلهم بترحاب وكما فعل مع كتاب “الإسلام وأصول الحكم” مستنكراً الكتاب ومؤيداً موقف الشيوخ الأشد رجعية لأسباب سياسية فعلها مع طه حسين فخطب فى الأزهريين “هبوا مجنوناً يهدف القول” وهى عبارة آذت طه حسين كثيراً إذ يتهمه سعد زغلول ويتهم ما قاله بالجنون . وحتى فن الكاريكاتير الذى كان فى بداياته هاجم قوله “أنا أشك إذن أنا إنسان” ورسم صورة لطه حسين وهو يقول “أنا اشك إذن أنا دبوس” فقال طه “إن ما يستدعى البكاء أن يتحدث السوقة فى شأن العقل” . وإنبرى كل خصوم طه حسين وهم كثيرون ومنهم مصطفى صادق الرافعى ورشيد رضا والغمراوى وغيرهم ممن خاصمهم طه حسين فى مقالات حادة وعنيفة فى تأليف كتب للرد عليه . وأحنى طه حسين للمرة الأولى رأسه للعاصفة ووجه رسالة إلى رئيس الجامعة يضع فيه النسخ المتبقية من الكتاب تحت تصرفه معلناً براءته مما نسبه إليه مؤكداً إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله ثم طلب قبول إستقالته ، فلم تقبلها الجامعة وكذبت ما نسب إلى طه حسين مؤكدة على إحترام استقلال الجامعة وضرورة إحترام حرية البحث حتى ولو كان صاحبة مخطئاً . وأثيرت الأزمة فى مجلس النواب وكادت تطيح بحكومة عدلى لكن الحكمة تغلبت وتقرر إحالة الموضوع للنائب العام الذى حقق فى الأمر وأستمع إلى طه حسين وأصدر قراره بأن الدكتور لم يكن غرضه الطعن على الدين وأن عباراته وردت على سبيل البحث العلمى . وأمر بحفظ التحقيق إدارياً لانتقاء القصد الجنائى [الأهرام – 23/11/2013 – مقال للدكتور أحمد زكريا الشلق – بعنوان .. طه حسين بين الأدب والسياسة].

ويعود بنا هذا الأمر إلى العلاقة الملتبسة بين حزب كبار الملاك العقاريين [الأحرار الدستوريين] وبين الليبرالية كموقف وفكر ، وهو فى ذات الوقت حليف للقصر الملكى وموال للاحتلال ، والعلاقة الأكثر التباساً بين سعد زغلول بزعامته المهيبة وبين دعاة التجديد الدينى من أعضاء الأحرار الدستوريين أو المقربين منهم مثل على عبد الرازق وطه حسين ..

وعلى أن العلاقة المضطربة بين طه حسين والجامعة كانت أيضاً ملتبسة . فقد واصل طه حسين كتابات كثيفة هطلت كالمطر على صحراء جافة فكتب “الأيام” وأعاد إصدار كتاب فى الشعر الجاهلى بعد أن شطب منه الفصل المثير للجدل وأصدره بأسم “فى الأدب الجاهلى” مضيفاً إليه أربعة فصول جديدة تسير على ذات نهجه الديكارتى . فحاز إعجاب الصفوة ذات التوجه الليبرالى وخاصة زملاءه فى الجامعة الذين انتخبوه عميداً لكلية الآداب فى بداية 1928 ولكن القوى الأجنبية فى الجامعة وخارجها اعتادت أن يكون عميد الآداب من الأساتذة الأجانب وجرى ضغط على وزير المعارف الذى فاتح طه فى الأمر ولكن طه أبى إلا أن يتولى منصب العمادة ولو يوماً واحداً ثم يستقيل . وقد كان . وفى نوفمبر 1930 انتخب طه حسين مرة أخرى عميداً لكلية الآداب ليصبح أول مصرى يتولى هذا المنصب ولينال لقبه الأبدى .. الأستاذ العميد .

               ونبقى ولم نزل على شاطئ طه حسين

التعليقات متوقفه