د. رفعت السعيد  يكتب: صراع الإسلام والتأسلم حول تجديد الفكر الدينى ( 28 )

21

 

ونعود إلى طه حسين لنبدأ معه مسيرة شديدة الثراء والتعقيد فى آن واحد . ولد فى 1889 فى قرية صعيدية فقيرة ، ولسنا بحاجة إلى سرد تفاصيل حياته فقد أوردها تفصيلاً فى كتابه الأيام (ثلاثة أجزاء) ولكننا سنبدأ ومسرعين منذ عام 1908 ، فالفتى ابن التاسعة عشرة بدأ فى التألق خلال دراسته فى الأزهر وانتمى فى ذات الوقت الى الجامعة الأهلية وكانت الدراسة فيها مسائية ، ومنذ 1907 كان طه قد تعرف على أحمد لطفى السيد وتردد دوماً على مكتبه فى صحيفة “الجريدة” التى كان يصدرها حزب الأمة . وبدأ طه عبر مسارين متناقضين فكان يكتب فى “الجريدة” وكانت جريدة ليبرالية ويكتب فى ذات الوقت فى صحف الحزب الوطنى التى كان الشيخ عبد العزيز جاويش يشرف عليها وكانت تتسم بمسحة إسلامية داعية لفكرة الخلافة . ونقرأ لأحد دارسى مسيرته “فى هذه المرحلة التى توسطت تعليمه فى الأزهر وتعليمه فى فرنسا تعرض له طه لالتقاء الثقافتين ، وكان هذا اللقاء الأول بين ثقافته الإسلامية الأزهرية وبين المعارف العصرية هو البوتقة التى تكون فيها ككاتب والتى صيغت بفضلها النواة الأساسية لفكره. وقد تعلم الكثير فيما بعد ، وتعرض فكره لكثير من التحولات ، ولكنها لا تفهم إلا بوصفها تنقيحات وتعديلات على النواة الأولى ، أو حتى وصفها بمحاولات للانقلاب عليها ، وأقول محاولات لأن طه حسين لم ينجح قط فى الفكاك تماماً من تلك الأسس المبكرة” [عبد الرشيد الصادق المحمودى – المرجع السابق – صـ 9] . وظل طه يدرس فى الأزهر الأدب والبلاغة حتى تقدم عام 1910 لنيل شهادة العالمية لكن شيوخه لم يكونوا قادرين على إحتمال هذا المتمرد فأسقطوه ، فأسقطهم من حسابه وترك الأزهر متفرغاً للدراسة فى الجامعة التى أحدثت عنده “فوران عقلى” كما قال . ويفسر البعض هجومه على أسلوب الكتابة نثراً وشعراً لكبار كتاب وشعراء عصره بأنها رغبة فى الشهرة . فقد خاصم وإنتقد حافظ إبراهيم ومصطفى صادق الرافعى ورشيد رضا وعبد الرحمن شكرى وهاجمهم هجوماً شديداُ تبدت فيه نزعة استعلائية وربما انتقامية . بما دفعه إلى حجب أكثر هذه الكتابات وعدم طبعها مرة أخرى . لكنه رفض أسلوب التعليم الازهرى بقسوة فكتب “الطفل [هو] يذهب الى دروسه الأولى فى الفقه، وبدأ دراسته فى حلقة أستاذ يدرس الفقه على مذهب الإمام أبى حنيفة ، وكان أول ما درس فى ذلك أحكام الوضوء ، وأنواع المياه التى تصلح للتطهير ، فالأنهار العذبة ولا سيما النيل ودجلة والفرات وسيحون وجيحون هى أفضل أنهار الدنيا ، إنما يأتى إليها الماء من بحر زاخر تحت العرش ماؤه أصفى من اللبن وأبرد من الثلج وأحلى من العسل ويسقط الماء من هذا البحر كالجبال الشامخة فتتلقاه غرابيل من السحاب ، فإن عصفت بها الريح نسفت هذه الجبال المائية فنزلت الى الارض قطرات صغيرة ، وقد وكل الله سبحانه وتعالى ملكاً يسوق هذا الماء برفق مرة وبعنف مرة أخرى فيسمع له صوت تسمية الرعد . ولقد درست هذا الدرس ، بلوت مرارته ، واصطليت مرة ، وكنت أرى مره حلواً ، ولظاه برداً منتظراً آخر الكأس” [الأيام – الجزء الأول – صـ32] . أن هذه العبارة تلخص كل حياة طه حسين فهو ناقم على أسلوب التعليم الأزهرى لكن “مره” حلو .. ولابد من الانتظار حتى نهاية الكأس . وهكذا هو يتلمس وبرفق كل ما أراد أن يقول ناقماً على الفكر الظلامى ، وعلى هذا النمط من الكتابة الماكرة سار طه حسين دوماً . ونقرأ له ما كتبه فى الجريدة منذ أيامه الأولى فى الجامعة “ليس ينقصنا العلم وحده ، إنما تنقصنا معه حرية الرأى . فإن العلم فى بلدنا كثير بالقياس إلى العصور الماضية ، وستكون نهضة علمية لو أجتمع العلم والحرية . لكن هذه الحرية لا تكاد توجد لأسباب لا تحتاج إلى بيان” [الجريدة – 15/9/1908] ثم يعود لتفسير ما يريد وبحذر شديد فيقول “البيئة المصرية خاضعة من زمن بعيد لمؤثرات قوية لا تقبل المناقشة كالعادات والأخلاق والدين والسياسة ، وهذه المؤثرات عقدت الألسنة عن التعبير عما يضمر القلب بل منعت العقل من التفكير والبحث ، فوصلنا مع الزمان إلى حالة ليس لنا فيها رأى . ونتج عن هذا أننا نحفظ العلم حفظاً ونستظهره استظهاراً وهو يمر بعقولنا مر الحرير على الصخرة الملساء لا يؤثر ولا يتأثر” [الجريدة – 12/2/1909] . ويمضى هذا الماكر الهادئ الصاخب فيقول “إن ثمة قوة قاهرة واحدة تعقد الألسنة وتفل الأقلام وتعطل الإبداع” [مقال حياة الأدب – الهلال – أغسطس – 1910] .

وفى الجامعة المصرية حصل طه على درجة الدكتوراه [مايو 1914] فى دراسة عن أبو العلاء المعرى . وقد بدأ فى نشرها عام 1930 فى سلسلة مقالات بعنوان “تجديد ذكرى أبى العلاء” . وفى السوربون حصل على رسالة الدكتوراه عن موضوع “فلسفة ابن خلدون الاجتماعية” .

                             .. ولم تزل مسيرتنا مع طه حسين ممتدة .     

التعليقات متوقفه