محمد فهمي يكتب: المنابر.. لها ودان!

53

راحت ليالي.. وجت ليالي.. وأجرت وزارة الأوقاف اختبارات المرحلة الثانية للمتقدمين للحصول على تصاريح.. باعتلاء المنابر.. وممارسة الخطابة.. فى المساجد لحماية المصلين من شر البدع.. أو تحليل المحارم.. أو تكفير العمل بشركات التأمين على الحياة والممتلكات.

وقال الشيخ محمد عبدالرازق رئيس القطاع الدينى بالوزارة إن الأسئلة لم تكن “مفخخة” على حد قوله.. وهو تعبير دقيق نحسده عليه ونشد على يديه.. لما ينطوى عليه من استخدام مفردات العصر.. التى يتعلمها الأطفال فى المدارس، وأضاف بأن الأسئلة تضمنت قضايا مهمة.. مثل الوقوف للسلام الجمهوري.. أو بناء ما هدم من دور العبادة لغير المسلمين.. وتولى المرأة مناصب القضاء.. ومفهوم الموت الإكلينيكى وحكمه.. وهل يجوز تولى القضاء فى بلد يحكم بقوانين وضعية.

وأضاف سيادته أن أسئلة الامتحان تضمنت حكم إقامة المتاحف للآثار الفرعونية والمصرية القديمة.. ومفهوم الخلافة الإسلامية.. ومدى قابليته للتطبيق.. ورأى الشرع فى أنظمة الحكم الملكية والديمقراطية.. وأشار فضيلته إلي أن الأسئلة وضعت بمعرفة لجنة من كبار العلماء بالوزارة.. وفقا لمنهجية الأزهر.

وهذه التصريحات التى أدلى بها الشيخ محمد عبدالرازق ونشرتها الصحف السيارة.. تعنى إلغاء وظيفة الدولة.. ومؤسساتها ودستورها.. وقوانينها.. وكل ما يمت لسلطان الدولة الحديثة بأدنى صلة.

فوظيفة الدولة التى لم يعد عليها خلاف فى العصر الذى نعيشه.. أنها المنظم لحياة كل مواطن يعيش داخل حدودها.. وهى التى تضع القواعد والقوانين واللوائح التى يتعين على كل مواطن الالتزام بها وطاعتها.. ليس لأنها عادلة أو مقبولة ولكن لأنها آمرة.. أى أنها إجبارية وملزمة وليست اختيارية.. يختلف حولها الرأى بين مواطن وآخر.

فاعتلاء المنابر.. ليست متاحة لكل من هب ودب.. وليست متاحة للجماعات التى ترفع الشعارات الإسلامية.. وتتحدث باسم عشرات المذاهب ومئات الفتاوي.. والآلاف من صفحات كتب التراث التى كانت تعبر عن الثقافات التى كانت سائدة فى عصور الرعى وحياة الخيام والتداوى بما تبوله الناقة من المياه الملوثة.. لالتماس الشفاء ومداواة العلل.. وكل شيخ وله طريقة!

الدولة هى المسئولة وحدها عن اختيار العناصر التى تتمتع بثقافة رفيعة المستوى تسمح لها باعتلاء المنابر.. ليس بسبب مواقفها من الموت الإكلينيكى وتولى المرأة مناصب القضاء أو بناء ما هدم من دور العبادة لغير المسلمين.. إلخ.. وإنما لأن المساجد ودور العبادة ليست المواقع التى يمكن أن تطرح بداخلها هذه الموضوعات.. ولو من باب الدردشة.

دور العبادة مسئولة فقط عن الدعوة لكل ما جاء فى الكتب المقدسة.. ابتداء من الأمانة فى التعامل والإخلاص فى العمل.. وحتى الامتناع عن سرقة الأحذية من المساجد أثناء صلاة الجمعة.

ولذلك فعندما يتضمن الامتحان الذى أعدته وزارة الأوقاف أسئلة حول موضوعات سياسية.. تلتزم بها الدولة وفق تشريعات ولوائح محددة.. فهذا يعنى أن وزارة الأوقاف تتدخل فيما لا يعنيها على غرار محاولتها التدخل فى “بيزنس” استيراد اللحوم.. خصوصا أنها تعلم أن المنابر.. لها ودان!

التعليقات متوقفه