حسين عبدالرازق يكتب :الأحزاب.. مرة أخرى

21

مرة أخرى تعود موجة الهجوم على الأحزاب السياسية وتتهمها بالضعف والهزال وغياب الخيال السياسى والأخلاقى وشيخوخة القيادة، ويرتبط تجدد الحملة هذه المرة بقرب موعد انتخابات مجلس النواب المتوقع خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام القادم (2015)، ويحاول البعض أن يكسب هذا الهجوم طابعا أكاديميا، بينما الغالبية تعتمد مقولات عامة تفتقر لأى عمق أو تحليل، ويستند هجومهما معا على القول بضعف الأحزاب السياسية المصرية والتى تجاوز عددها الثمانين حزبا!

والحديث عن ضعف الأحزاب السياسية وعدم جماهيريتها، قولة حق يراد بها باطل.

فالرؤية الموضوعية تقول إن التعددية الحزبية ووجود الأحزاب السياسية تم منعها بالقانون بعد ثورة يوليو 1952 بقرار من مجلس قيادة الثورة صدر فى يناير 1953، رافضة حملة ضد الأحزاب والحزبية وصلت إلى حد الزعم بأن السماح بقيام الأحزاب مرة أخرى سيؤدى إلى قيام حزب يمينى يكون عميلا للولايات المتحدة، وقيام حزب يسارى يكون عميلا للاتحاد السوفييتي.. واستمر هذا المنع 23 عاما.

وعندما سمح السادات بتنوع من التعددية الحزبية المقيدة عام 1976 بإنشاء ثلاثة منابر وتنظيمات، داخل الاتحاد الاشتراكى العربى “يمين ووسط ويسار”، تحولت إلى أحزاب فى نوفمبر من نفس العام ثم صدور قانون للأحزاب عام 1977، سرعان ما تعرضت الأحزاب لحملة ضارية قادها رئيس الجمهورية ورئيس وزرائه والحكومة وأجهزتها والصحافة والإعلام المملوك للدولة، وتركزت هذه الحملة على حزب التجمع “اليسار” الذى تعرض قادته وكوادره وأعضاؤه للاعتقال والمنع من العمل خلال حكم السادات، وللحصار والملاحقة خلال حكم مبارك ومنع صحيفته “الأهالي” من الصدور ومصادرتها، وامتد الحصار من فرض الأمن إلي الإقامة الجبرية على الأحزاب داخل مقارها ومنعها من النزول للشارع، إلى حصار مالي، وحصار قانونى – مازال قائما حتى اليوم – بمنع الأحزاب من تكوين وحدات لها فى المصانع والشركات والمصالح الحكومية والجامعات.. إلخ، أى منعها من التواجد حيث توجد الجماهير المنظمة، والتركيز على التجمع جاء كرد فعل لإصرار الحزب على ممارسة دوره باستقلال كحزب سياسى معارض.

ورغم سقوط كثير من القيود بعد الثورة وقيام عديد من الأحزاب الجديدة، فلم تستطع الأحزاب التى قامت قبل الثورة أن تتخلص من آثار القمع الذى استمر 35 عاما، ولم تكتسب الأحزاب الجديدة الفعالية المطلوبة لقصر المدة التى مارست فيها العمل، خاصة وأغلب قادة معظمها لم يسبق له العمل السياسى أو الحزبى من قبل.

ورغم الخطوات التى تحققت بعد ثورة 30 يونيو 2013 فى الطريق للتحول إلى الديمقراطية، بدءا بإصدار الدستور الجديد الذى نص بوضوح على أن النظام السياسى يقوم على التعددية السياسية والحزبية، وأكد ذلك فى مواده الأخري، مرورا بانتخاب رئيس الجمهورية فى انتخابات تعددية، إلا أن الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى يرأس السلطة التنفيذية ويملك السلطة التشريعية لحين انتخاب مجلس النواب، اختار منذ توليه السلطة تجاهل الأحزاب السياسية، وأصدر قانونا معيبا لانتخابات مجلس النواب دون أى تشاور أو اعتبار لرأى الأحزاب والقوى السياسية التى تم إبعادها عن اللجنة التى أعدت مشروع هذا القانون، وتكرر الأمر بحذافيره فى إعداد مشروع القانون الخاص بتقسيم الدوائر، ولم يهتم الرئيس حتى بمجرد الرد على المذكرات التى قدمتها الأحزاب حول القانونين!

وفى ظل هذه الحقائق لا يمكن تحميل الأحزاب وقادتها وحدهم – رغم بعض الأخطاء من جانبهم – المسئولية كاملة عن ضعفها، ومن ثم الاستناد لهذا الضعف للهجوم على الأحزاب والحزبية، فلا توجد ديمقراطية بدون تعددية حزبية حقيقية.

التعليقات متوقفه