EBE_Auto_Loan

فريدة النقاش تكتب: وجه معتم للنمو

113

قبل ما يزيد على خمسة عشر عاما أصدرت محكمة فى نيجيريا حكما عاجلا بالإعدام ضد الشاعر والروائى والكاتب الدرامى “كين سيراويوا” وثمانية من رفاقه، ثم جرى تنفيذ الحكم بسرعة لأن شركة “شل” البريطانية للبترول هى من حركت الدعوى وجمعت الأدلة، واتهم المناضلون التسعة الذين انتموا إلى قبيلة صغيرة تدعى “الأوجوني” بتحريض السكان وقيادتهم لمقاومة عمليات التنقيب البدائية عن النفط التى تقوم بها الشركة، مما أدى إلى هطول الأمطار الحمضية التى قتلت البشر والزرع والحيوانات والطيور فاستحالت الحياة.

وتكررت قصص مشابهة بل وأكثر وحشية فى بلدان ما يسمى بالعالم الثالث حيث توجد الدول الفقيرة، والتى تتوفر مع ذلك على ثروات طبيعية هائلة أحكمت القوى الإمبريالية قبضتها عليها، وأخضعتها عبر إغراقها فى الديون بوهم تحقيق النمو ومحاكاة الدولة المتقدمة.

ويحكى الباحث الاقتصادى الأمريكى “جون بركنز” فى كتابه “الاغتيال الاقتصادى للأمم” وعنوانه الفرعى “اعترافات قرصان اقتصادي” الذى نقله إلى العربية وراجعه “مصطفى الطناني” و”د. عاطف معتمد” وقدم له د. “شريف دولاور” يحكى هذا الباحث الذى كان قد تورط لشوشته فى الألاعيب القذرة لإخضاع الدول والشعوب، أنه كرس كتابه هذا لتكريم رئيس دولتين فى أمريكا اللاتينية هما “خايمى رولدس” رئيس الإكوادور، و”عمر توريخوس” رئيس بنما قاوما المشروع الإمبريالى الجهنمى ودافعا عن استقلال بلادهما، فلقيا حتفيهما فى حادثين مروعين وكانا مدبرين بسبب معارضتهما لتلك الشبكة الجهنمية من الشركات العملاقة والحكومات والبنوك التى تسعى لبناء إمبراطورية عالمية “وعندما فشلنا نحن قراصنة الاقتصاد فى استمالة الرئيسين تدخل فريق آخر من القراصنة وهم ثعالب المخابرات المركزية الأمريكية CIA المعتمدين لديها والذين كانوا دائما خلفنا، واستطاعوا تنفيذ المهمة”.

وتكررت حكايات مشابهة فى بلدان آسيا وإفريقيا خدمة لما سماه الباحث “الكوربوقراطية” التى هى منظومة الشركات والبنوك والحكومات التى تسعى لترسيخ فكر الإمبراطورية العالمية واستنزاف ثروات الشعوب وأموالها، وفى هذا السياق يحكى الباحث – الذى تعرض لوخز الضمير فى النهاية – كيف كان طرفا فى لعبة قذرة لتدوير أموال السعوديين للعمل فى الاقتصاد الأمريكى مرة أخري.

وتحقيق نمو مرتفع – حتى ولو عبر تزوير الإحصائيات – هو ركن أساسى من أركان المشروع الإمبراطورى فى البلدان النامية، ويتحقق ذلك من خلال خلق أفكار زائفة، وإضفاء القداسة عليها بمفهوم راسخ ويقينى كأنه إنجيل، وهو أن النمو الاقتصادى يفيد البشرية عامة، حتى وإن كانوا يسخرون العمال بأجور العبيد، ويجعلونهم يعملون تحت ظروف غير إنسانية فى ورش العبودية، ويقول الباحث، وحتى فى بلادنا الغنية – الولايات المتحدة – هنالك إثنتا عشر مليون عائلة لا تعرف كيف تدبر وجبتها التالية، وتتركز ثروة البشرية عبر النمو على الطريقة الإمبراطورية فى أيدى حفنة قليلة من البشر بينما يزداد البؤس والجوع على امتداد المعمورة فى ظل “الاستثمار” الذى تموله الشركات العملاقة والمؤسسات المالية مثل البنك الدولى والصندوق.

ويلعب الإعلام دورا أساسيا فى عملية التزوير الشاملة تلك لأن “معظم صحفنا ومجلاتنا ودور نشرنا وقنواتنا التليفزيونية تمتلكها وتستغلها شركات عالمية متحدة وعملاقة، إن وسائل الإعلام جزء من الكوربوقراطية”.

قبل عام كتب الباحث الاقتصادى الفرنسى “توماس بيكيتي” كتابه عن رأس المال فى القرن الواحد والعشرين، من بين الحقائق التى كشف عنها “أن الاستثمار الأجنبى يعنى فى أحد وجوهه “أن يمتلك بلد بلدا آخر”، وأن انعدام المساواة بين البلدان وداخل كل بلد على حدة هو أعلى كثيرا فى القرن الجديد مما كان عليه الحال فى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

وأدعو الذين يستجدون الاستثمار الأجنبى ويهللون لمعدلات النمو ويفصلون بين الاقتصاد والمجتمع أن يقرأوا هذه الحقائق.

تحتاج القدرة على تكوين وجهة نظر مخالفة للسائد إلى معلومات موثقة وإلى شجاعة أخلاقية إمتلكهما معا “بركنز” وإن متأخرا وأسس جماعة “الحالمون بالتغيير”، إذ أن التغيير هو رغم كل شيء ضرورى وممكن.

فريدة النقاش

التعليقات متوقفه