حسين عبدالرازق يكتب : العنف.. فى تونس

41

أعلنت “حركة النهضة” فى توسن قبولها بنتائج الانتخابات النيابية والرئاسية التى خسرتهما بالتوالي، وهنأت المرشح الفائز، وكانت الانتخابات للمجلس التشريعى قد أجريت يوم 26 أكتوبر 2014، وفاز خلالها حزب “نداء تونس” برئاسة “الباجى قائد السبسي” بالأكثرية بعد حصوله على 86 مقعدا من مجموعة 217 مقعدا، وجاءت “حركة النهضة” فى المرتبة الثانية بـ 69 مقعدا، وأجريت الانتخابات الرئاسية “الجولة الأولي” فى 29 نوفمبر 2014 وخاضها 27 مرشحا وحصل “الباجى قائد السبسي” على المركز الأول (مليون و289 ألفاً و384 صوتا بنسبة 39.46%) وتلاه “المنصف المرزوقي” فى المركز الثانى (مليون و92 ألفاً و418 صوتا بنسبة 33.43%) وحل فى المركز الثالث “حمة الحمامي” بحصوله على 255 ألفاً و529 صوتا بنسبة 7.82%، وجرت الإعادة بين السبسى والمرزوقى فى 21 ديسمبر 2014، وانتهت بفوز “السبسي” بحصوله على مليون و731 ألفاً و529 صوتا بنسبة 55.68% وحصول منافسه “المرزوقي” على مليون و378 ألفاً و513 صوتا بنسبة 44.32%، وكانت أصوات النساء “رمانة الميزان” فى فوز السبسي.

واعتبر بعض المحللين والمراقبين إعلان “حركة النهضة” قبولها بالنتائج وتهنئة الرئيس الفائز دليلا على ديمقراطية الحركة، واستبعاد العنف من العمل السياسى فى التجربة التونسية، وأشار بعضهم إلى أن “حركة النهضة” كانت أول حركة تنتمى إلى الإسلام السياسى “تعلن تبنيها للديمقراطية ونبذ العنف والاحتكام لصناديق الاقتراع وحقوق المرأة والعمال، واعترافها بخارطة التعدد الفكرى والثقافى على قاعدة المواطنة والتنافس على استجلاب أسباب النهضة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وخارجيا”.

وأستطيع القول إن هذه القراءة للواقع السياسى التونسى قراءة خاطئة، فالتاريخ والوقائع المادية والشواهد تقطع بسيادة العنف فى الصراع السياسى فى تونس.

لقد تأسست حركة النهضة فى أواخر الستينيات تحت اسم “الجماعة الإسلامية”، وعقدت أول لقاء تنظيمى لها سرا فى إبريل 1972، وكان أبرز مؤسسيها “راشد الغنوشي” أستاذ الفلسفة والمحامى عبدالفتاح مورو والدكتور المنصف بن سالم، واقتصر نشاط الجماعة فى البداية على الجانب الفكرى الدعوى من خلال إقامة حلقات فى المساجد ومن خلال الانخراط بجمعيات المحافظة على القرآن الكريم “لاحظ أن هذا النمط هو تماما ما فعله حسن البنا عند تأسيسه لجماعة الإخوان المسلمين عام 1928 فى مدينة الإسماعيلية”، ولقى نشاط الجماعة ترحيبا ضمنيا من طرف الحزب الاشتراكى الدستورى “الحزب الواحد آنذاك” الذى رأى فى الحركة الإسلامية سندا فى مواجهة اليسار المهيمن وقتئذ على المعارضة وسمح نظام بورقيبة عام 1974 لأعضاء الجماعة بإصدار مجلة المعرفة، وعقدت الجماعة مؤتمرها الأول التأسيسى (1979) والمؤتمر الثانى (1981) سرا، وقرر المؤتمر الثانى ضرورة الانتقال للعلانية تحت اسم “حركة الاتجاه الإسلامي”، وتم الإعلان عن الحركة فى مؤتمر صحفى يوم 6 يونيو 1981 عقده الغنوشى ومورو، وتقدمت الحركة فى اليوم نفسه بطلب الحصول على اعتماد رسمى دون أن تتلقى أى رد، وفى 18 يوليو 1981 ألقت السلطات القبض على قيادات الحركة وخضعوا للمحاكمة فى سبتمبر بتهمة الانتماء إلى جمعية غير مرخص بها والنيل من كرامة رئيس الجمهورية ونشر أنباء كاذبة، وحكم على كل من الغنوشى ومورو بالسجن لعشر سنوات، وتم الإفراج عن الغنوشى فى أغسطس 1984، وألقى القبض على الغنوشى مرة أخرى فى مارس 1987 واتهمت إيران بتمويل الحركة، وبلغ الصدام أوجه بعد الحكم على الغنوشى بالأشغال الشاقة مدى الحياة والتورط فى تفجيرات استهدفت 4 نزل فى جهة الساحل.

ومع سقوط نظام بورقيبة وتولى بن على السلطة فى 7 نوفمبر 1987 تم الإفراج عن أعضاء الحركة المسجونين، وفى فبراير 1989 تم تغيير الاسم إلى “حركة النهضة” لتتوافق مع قانون الأحزاب الذى يمنع إقامة أحزاب على أساس ديني، ورفض طلبها من السلطات فى 28 مايو 1989.

وغادر الغنوشى تونس متجها للجزائر، وفى بداية 1990 وقع صدام بين الحركة والسلطة، وبلغ الصدام أوجه فى مايو 1991 خلال حرب الخليج، واتهمت الحركة بالضلوع فى مؤامرة لقلب نظام الحكم واغتيال الرئيس بن علي، وتم اعتقال 8000 من قيادات وكوادر الحزب، وحكم عام 1992 على 256 قيادا وعضوا بالحركة بأحكام وصلت إلى السجن مدى الحياة.

بالمقابل مارست الحركة العنف بأشكال وصور وأساليب مختلفة، تورطت الحركة فى تفجيرات نزل فى سوسه والمنستنير عام 1986 مما أسفر عن جرح 13 سائحا، وتم الاعتداء على شعبة التجمع الدستورى الديمقراطى فى باب سويقة فى 17 فبراير 1990.

ولكن العنف المنظم مارسته حركة النهضة فى الفترة من 2011 إلى 2014 عندما شكلت الطرف الرئيسى للحكم بالتحالف مع حزب المؤتمر “يسار الوسط” والتكتل الديمقراطى من أجل العمل والحريات، بعد حصولها على الأكثرية (89 مقعدا) فى المجلس الوطنى التأسيسي، عقب اندلاع الثورة التونسية.

ومن أبرز الجرائم التى ارتكبت فى هذه الفترة، اغتيال القائد اليسارى “شكرى بلعيد” فى 6 فبراير 2013، بعد أن اتهم فى مداخلة تليفزيونية له يوم 5 فبراير حركة النهضة بالتشريع للاغتيال السياسي، مع ارتفاع اعتداءات “رابطات حماية الثورة” الذراع العسكرية – غير الرسمية – لحركة النهضة، ووقعت فى هذه الفترة عمليات عنف ضد صحفيين ونشطاء سياسيين وفنانين ومواطنين عاديين، دون أن تحقق السلطات فيها، كما أثبتت تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتشن، وعقب اغتيال بلعيد بأسابيع أعلنت جهات الأمن التونسية أسماء المتهمين بارتكاب هذه الجريمة، وسرعان ما قتل المتهم الأول “كمال القضقاضي” وتم هروب المتهمين الآخرين أو قتلهم، ليتم وقف التحقيق وإغلاق ملف القضية بعد حوالى عام من الاغتيال وتكررت المأساة باغتيال النائب المعارض “محمد البراهمي”.

ومارس أعضاء حزب النهضة العنف بعد إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية، فقاموا فى جنوب تونس بمظاهرات احتجاج تم خلالها إحراق مركز الحرس الوطنى وجزء من مقر المعتمدية ومقر حركة “نداء تونس” يوم الأربعاء الماضى فى منطقة سوق الأحد، وأشعلوا إطارات مطاطية وأغلقوا الطرق الرئيسية بالمدينة فى محافظة “سيدى بوزيد”.

وإذا كان صحيحا أن الإرهاب والعنف يبدأ فكرا، فقد مارست حركة النهضة خطاب العنف بصورة جلية، فشنت حملة ضد العلمانية وجعلتها صنوا للشرك والإلحاد، وأحدثت تداخلا بين الدين الفقهى من ناحية وبين السياسى من جهة ثانية، واحتلت المساجد ووظفتها فى خطب سياسية تحريضية، يكفى بعض تصريحات قادة النهضة من نوع “موتوا بغيظكم يا علمانيين” و”سنظل جاثمين على صدوركم سنة بعد أخرى ننتج دستورا عقب دستور حتى تقبلوا”، و”المعارضون تقطع أوصالهم.. إلخ”.

التعليقات متوقفه