حسين عبدالرازق يكتب : صراع الأجيال

35

فى الوقت الذى تشتعل فيه الصراعات الطبقية والفكرية والسياسية خلال الفترة الانتقالية الحالية، ومن أجل رسم صورة “مصر” فى المستقبل، تحاول بعض القوى التغطية على هذه الصراعات الطبيعية فى أى مجتمع خاصة فى مراحل الانتقال، وجر المجتمع لصراعات مصطنعة، سواء عن طريق إثارة فتنة طائفية أو مذهبية، أو الحديث عن صراع الأجيال.. إلخ، والهدف هو الحفاظ على هيمنتها السياسية أو الاقتصادية، أو استمرارها فى نهب ثروات الشعب واحتكارها، ووقف أى تطور اقتصادى اجتماعى لتحقيق عدالة توزيع الثروة وعائد الاستثمار.

ولم يكن غريبا أن يلجأ البعض للحديث عن “دولة العواجيز” و”حكومة الموميات”، وأن يختار نماذج من رجالات ونساء مصر البارزين تجاوزوا الستين والسبعين من العمر ومازال عطاؤهم مستمرا، ليطالب برحيل “دولة العواجيز”، وإفساح الطريق أمام “الشباب” وبعيدا عن المناصب والمواقع التى يتم شغلها طبقا للقوانين والتدرج الطبيعى فى الوظائف، فالمفترض أن المعيار الذى يحكم اختيار شخص ما لمنصب أو موقع سياسى أو حزبى أو إدارى أو قيادى من أى نوع هو الكفاءة والصلاحية لهذا المنصب أو الموقع – أو اختيار الناس إذا كان بالانتخاب – بصرف النظر عن عمره وكونه شابا أو جاوز الستين أو السبعين من العمر.

والنماذج العشر التى اختارتها صحيفة “الوطن” لدولة العواجيز المطلوب رحيلها ترفض تماما فكرة صراع الأجيال، والدعوة لرحيل “العواجيز”، وسأكتفى – كنماذج – بالأسماء الثلاثة الأولى فى هذه القائمة، كدليل على ما أقوله.

الأول هو “عمرو موسي” – الذى جاوز عمره (78) عاما – الذى بدأ حياته العملية عام 1958 – بعد تخرجه بعام واحد – وتدرج فى السلك الدبلوماسي، وأصبح مندوبا دائما لمصر لدى الأمم المتحدة عام 1990، ثم تولى وزارة الخارجية من عام 1991 وحتى عام 2001 إلى أن رشح أمينا عاما للجامعة العربية وتم انتخابه للموقع فى مايو 2001 واستمر أمينا عاما حتى 2011، وترشح فى انتخابات الرئاسة المصرية فى عام 2012 ولم يوفق، وأخيرا انتخبته لجنة الخمسين لصياغة الدستور رئيسا لها حيث لعب دورا رئيسيا فى التوفيق بين الآراء والاجتهادات المختلفة لأعضاء اللجنة الذين مثلوا كل ألوان الطيف السياسى والاجتماعى والتنوع المهنى والفئوى والدينى والجغرافي.. إلخ، وفى قيادة اللجنة لإصدار دستور توافقى، حظى بموافقة أغلبية كاسحة من المصريين (98.13% من نسبة المصوتين)، باختصار لم يفرض أحد “عمرو موسي” علينا، ولكن كفاءته وتاريخه وعطاءه وقدراته هى التى زكته لينتخب على المستوى العربى أمينا للجامعة العربية ثم على المستوى المصرى لينتخب رئيسا للجنة الدستور، وهى التى ترشحه للاستمرار فى العطاء.

الثانى هو محمد حسنين هيكل الكاتب والصحفى الذى تخطى الواحد والتسعين عاما – ولد فى 23 سبتمبر 1923 – وبدأ حياته الصحفية فى عام 1942 صحفيا تحت التمرين فى جريدة “الايجيبشيان جازيت”، ثم محررا بمجلة آخر ساعة “دار أخبار اليوم”، ومراسلا متجولا وراء أحداث الشرق الأوسط والبلقان وأفريقيا والشرق الأقصي، فرئيسا لتحرير آخر ساعة عام 1951 ومدير التحرير أخبار اليوم، فرئيسا لتحرير الأهرام عام 1957 وظل فى مرتعه 17 عاما، وصدر له 22 كتابا باللغة العربية وثلاثة كتب باللغة الإنجليزية، وترجمت كتبه إلى 32 لغة، وأصبحت الأهرام فى عهده واحدة من أكبر عشر صحف فى العالم، ورغم بعده عن أى منصب حكومى كان من أبرز اللاعبين السياسيين فى مصر خلال حكم الرئيس جمال عبدالناصر ولفترة محدودة خلال حكم الرئيس السادات، ونجح فى نسج علاقات عميقة مع قادة وسياسيين وصحفيين بارزين على مستوى العالم، ومازال حتى اليوم يؤثر فى الرأى العام والحياة السياسية والصحفية من خلال أحاديثه التليفزيونية ولقاءاته الصحفية.

الثالث هو “د. حازم الببلاوي” الاقتصادى والمفكر والكاتب المصرى ورئيس وزراء مصر السابق، من مواليد 17 أكتوبر 1936 “جاوز عمره 78 عاما”، خريج كلية الحقوق جامعة القاهرة بامتياز مع مرتبة الشرف عام 1957 وحاصل على دبلوم الدراسات العليا للعلوم الاقتصادية من جامعة جرينوبل فى فرنسا عام 1961 ودكتوراة الدولة فى العلوم الاقتصادية من جامعة باريس “فرنسا” عام 1964، عمل مدرسا وأستاذا مساعدا بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية (1965 – 1982) وتولى مناصب عديدة منها، مستشار وزير التخطيط عام 1966 وأستاذ زائر بجامعة السوربون 1968 فأستاذ زائر بجامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس 1979، ورئيس مجلس إدارة البنك المصرى لتنمية الصادرات (1983 – 1995)، واختير فى يوليو 2011 نائبا لرئيس الوزراء للشئون الاقتصادية ووزيرا للمالية، وتولى رئاسة مجلس الوزراء بعد ثورة 30 يونيو 2013 وسقوط نظام الإخوان إلى أن قدم استقالته فى 24 فبراير 2014، وله 20 كتابا.

وهذه النماذج لشخصيات جاوزت السبعين والتسعين ومازال عطاؤها مستمرا ومازالت ملء السمع والبصر، هى استثناء وليست القاعدة.

وبنفس القدر فهناك نماذج لشباب وصلوا إلى مراكز ومواقع مهمة ومؤثرة وهم فى أواسط العمر، يكفى الإشارة إلى أن أحمد بهاء الدين أصبح رئيسا لتحرير مجلة صباح الخير عام 1957 وهو فى الثلاثين من عمره، وبعدها بعام واحد تولى رئاسة تحرير صحيفة “الشعب”، فرئيسا لتحرير الأخبار عام 1959 فرئيسا لتحرير أخبار اليوم عام 1962.

وقاد جمال عبدالناصر ثورة 23 يوليو 1952 وتولى حكم مصر وهو فى الرابعة والثلاثين من عمره، كما قاد فيديل كاسترو الثورة الكوبية وتولى رئاسة الوزارة فى كوبا ولم يتجاوز عمره 33 عاما.

القضية إذن ليس قضية صراع بين أجيال، ولا قضية أعمار، ولكن المعيار هو الكفاءة والقدرة على العطاء، والانحيازات الطبقية والاجتماعية والسياسية والفكرية.

التعليقات متوقفه