ماجدة موريس تكتب: يوم غير مسبوق

121

ربما هى المرة الأولى التى تنتقل فيها تغطيات القناة الفرنسية الدولية “فرنسا 24” إلى مناقشة الحالة الفرنسية بدلا من الحالة الدولية، وأن تحاول الإجابة عن أسئلة لما يحدث فى الداخل بينما يقوم عملها أساسا على نقل ما يحدث خارج فرنسا، بل إن لقطات الدعاية التى تقدمها عن نفسها تقوم أساسا على “شوطات” جذابة لذلك العالم الذى تغطيه من خلال 160 مراسلا ومراسلة يتحدثون بثلاث لغات ومن خمس قارات إلى المشاهد من شاشة لا تغفل عين متابعيها لمساتها الخاصة فى العناية بالكادر وفى ترتيب الاستديو فى أوقات البرامج الحوارية.. غير أن كل هذا تغير بفعل الحادث الإرهابى الذى كان أهم أحداث العالم هذا الأسبوع، حين قام اثنان من الإرهابيين بالهجوم على مجلة “شارلى أبدو” المخصصة لفن الكاريكاتير وقتل 12 من رساميها ومحرريها وإصابة عدد آخر، وحين خرجا مسرعان منها قتلا شرطىا فى الشارع.. وكأنما جاءت هذه الحادثة – الموقعة – لتذكر العالم كله وليس فرنسا وحدها بأن حرية التعبير أصبحت فى خطر حقيقى بسبب التطرف والإهاب، وأنها مهما كان حجم توزيع أو انتشار رسم أو صورة أو مقال فإن هذا لم يعد عاملا يحسم المسألة، فقد كان توزيع “شارلى أبدو” ضعيفا، وأدارتها تعانى من أزمات مالية حقيقية مثل التى تعانيها المؤسسات الصحفية العامة فى مصر وأكثر، وكان لدى الكثيرين فى المجتمع الفرنسى اعتراضات على ما تنشره من رسوم وانتقادات تطول كل الأديان وكل الشخصيات المهمة، ولكنها كانت جزءا من الصورة العامة لعقيدة راسخة آمن بها الفرنسيون وهى حرية التعبير بالنسبة لأصحابها، وحرية القراء فى الموافقة أو الرفض وأيضا حرية كل من يغضبه رسم من رسومها فى مقاضاة الرسام أو الصحفي وطلب عقابه وفقا للقانون.. فى التغطية ليوم الأحد الماضى كانت عملية قتل الرسامين قد تطورت سريعا بفعل ردود أفعال بدأت من الدولة نفسها، حين ذهب رئيسها مسرعا “فرنسوا أولاند” إلى موقع الجريمة، وأعلن حالة من الطوارئ حتى يتم اكتشاف القتلة ووجه رسالة إلى الفرنسيين بالوحدة ضد هذا الفعل الإجرامى بل استدعى الرئيس الأسبق ساركوزي، ليتشاورا معا حول دلالات الموقف، وخلصا أنه إرهابى بلا ملامح تدين أي ديانة، فقد كان أحد الضحايا وهو رجل الأمن فرنسى مسلم، كما أن الجريدة نفسها تضم بين محرريها والعاملين بها مسلمون منهم “زينب الغزوي” المغربية التى خرجت علينا ضمن تغطيات “فرنسا 24” مساء الأحد بكلمات مهمة ومؤثرة.. سوف يأتى ذكرها.

من فرنسا إلى اليمن

فى نفس توقيت حادث “شارل ابدو” كان هناك حادث ثان فى اليمن راح ضحيته عدد أكبر مما هو فى فرنسا، سواء من القتلى أو الجرحى بفعل هجوم بين الحوثيين وأنصار الدولة اليمنية، لكن شتان الفارق فى التغطيات هنا وهناك، فى حادث اليمن لم تكن هناك دولة تواجه وإنما فرق تتواجه وصور تتوالى علينا ومعلومات شحيحة، بل نادرة، حول أطراف المعركة، ونقل لتغطيات تكاد تكون متشابهة بين جميع القنوات “المهتمة” لأن أغلب القنوات تمرر هذه الأحداث المتكررة بلا اهتمام، وأحيانا بلا عرض وهو ما نعرفه حين نلجأ إلى القنوات الدولية الخبرية.. لكن هذا لا يحدث فى بلد مثل فرنسا الدولة فيها حاضرة والنظام قوى وكل الأجهزة والمسئولين فى حالة معرفة بمهامهم وهو ما بدا من سلوك الرئيس وسلوك وزير الداخلية وقوات الأمن ووراء هؤلاء منظومة الإعلام بكل صورها التى جعلت من هجوم “شارل ابدو” حديث الساعة والعالم فى كل القنوات والمواقع وقبل صدور الصحف فى اليوم التالي.. وتحولت “باريس” إلى مدينة للبث الإعلامى للعالم بفضل هذا النظام الذى أتاح لقنوات التليفزيون بث رسوم لحظة الهجوم على الجريدة، وتصور لحركة القتلة والبداية ثم المعلومات السريعة عن الضحايا من الرسامين والمحررين، ثم متابعة حركة رجال وسيدات الأمن والإسعاف، وحركة مقابلة من الناس للذهاب إلى موقع الحادث، وامتداد هذا بفعل دعوة الرئيس للوحدة الوطنية، ثم إعلانه عن مظاهرة ضد الإرهاب يوم الأحد، كل هذه الخطوات نقلها الإعلام فى العالم كله، ومن بينه الإعلام المصرى وخاصة قناتى سى بى سى إكسترا وأون لايف، لكن “فرنسا 24” انفردت بالطبع بالأصل لأنها قناة فرنسا الدولية، ولأنها كانت تنقل رسائل للعالم عن ومن فرنسا وليست مجرد تغطيات.. وفى أمسية الأحد وعلى مدى نصف يوم كانت “كوزيت إبراهيم” أحد مقدمات القناة المتمرسات هى من تقود الاستديو أثناء نقل المظاهرة الكبرى التى دعا إليها الرئيس ضد الإرهاب وشارك فيها 44 رئيسا من بلاد مختلفة منهم كل رؤساء دول المجموعة الأوروبية وأوروبا الشرقية، ومن العالم العربى كان الملك عبدالله الأردنى والرئيس الفلسطينى أبومازن “الذى ظلت القناة تردد أن ما يفصله عن “نتنياهو” رئيس الوزراء الإسرائيلى مجرد أمتار”.. أيا كان الموقف، فقد جاءت المفاجأة حقيقة من نزول 3.7 مليون فرنسى للتظاهر ورفض الإرهاب وحيث نقلت إلينا الكاميرات الصورة من أعلى فذكرتنا بصورة القاهرة مساء 30 يونيو 2013 حيث نزلت الملايين لنرفض حكم الإخوان.

هل كان القتل ضروريا؟

إذا فى إطار تغطيات “فرنسا 24” أيضا، جاءت اللحظات المهمة من خلال حوارات الضيوف مع مقدمة البرنامج الممتد، وأولهم ضيف هو أحمد عبدالفتاح إعلامى فرنسى من أصل مصرى، قال إن فرنسا تعيش معاناة الإرهاب الذى لم تصدقه حين وقفت مساندة وجهة النظر الأمريكية ضد الثورة المصرية ولصالح حكم الإخوان، وفى مقابلة أخرى قال “محمد العربى حوات” الباحث المغربى الفرنسى إنه لابد أن تتغير الأفكار والسياسات تجاه المهاجرين إلى فرنسا وإلى أوروبا كلها وأنه لابد من حلول أوروبية وليس فقط فرنسية.. كانت التغطية الاحتفالية لهذا اليوم الذى وصفته مقدمة البرنامج بأنه غير مسبوق بالفعل لا تعنى الانسياق فى مديح الدولة وغزلها، وإنما تبادل الأفكار مع الضيوف بقدر من الصراحة ومنها ما قالته “كوزيت إبراهيم” نفسها من أن فرنسا خرقت الإرث الديجولى منذ ثلاث سنوات بإرسالها طائرات إلى ليبيا لضرب معمر القذافي.. واليوم ترسل طائرات إلى سوريا لضرب “داعش” بينما قال ضيف ثالث هو الكاتب الفلسطينى محمد حافظ يعقوب إن الشعب الفلسطينى ضحية الإرهاب الإسرائيلى فكيف يمكنه عدم مشاركة الآخرين فى تأبين ضحاياهم؟ لكن أكثر الكلمات تأثيرا وسط هذا كانت كلمات “زينب غزوي” الصحفية فى “شارل ابدو” حول ما حدث قبل وبعد الحادثة، قالت “لازلت لا أصدق ما حدث معنا.. كنا قد اعتدنا كصحفيين ورسامين على الكراهية والنقد لوجهات نظرنا.. وعلى رفض المساعدة المادية لنا، وكنا نعانى كثيرا حتى نستمر.. هل كان من الضرورى أن يقتل كل هؤلاء حتى يشعر العالم بنا؟.. ومع ذلك فإننى أقبل ما حدث.. من أجل زملائى الذين ماتوا.. ومن أجل هؤلاء الباقين فى العمل وسوف يبقون.. أن نزول ملايين الناس فى الشوارع ليس معناه اتفاقهم مع أفكارنا ولكن رفضهم أن يكون الرد علينا هو الرصاص والقتل” وهذه الكلمات تحديدا هى تعبر عن مشاعر كل رسامى الكاريكاتير فى العالم الذين عانوا ويعانون من ردود الأفعال تجاه رسومهم.. وبينهم الرسامون المصريون بالطبع.

التعليقات متوقفه