فريدة النقاش تكتب : مجرمون ضحايا

80

جاء المراهقون القتلة الذين اعتدوا علي مقر الجريدة الفرنسية الساخرة باسم الدفاع عن الإسلام ونبيه من أوساط المهاجرين في فرنسا. وهؤلاء أسر وأفراد هربوا غالبا من بؤس العيش في بلدانهم الأصلية في العالمين العربي والإسلامي، وتطلع بعضهم إلي أنوار أوروبا ورغد العيش فيها. ولكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن، فقد عاش هؤلاء المهاجرون في ما يشابه المعازل الفقيرة التي تكدست بهم، ومارسوا المهن والحرف الحقيرة التي يرفض الأوروبيون الاشتغال بها، مثل أعمال النظافة وجمع القمامة، وإذا ارتقي بعضهم يصبحون عمالا وسائقين، وتلقي أبناؤهم تعليما بائسا، لأنهم فقراء جري فرزهم أولا بأول ضمن التصفية المبكرة والقاسية لأبناء العائلات ذات السمتوي اثقافي المتدني، التي تنتمي لأكثر الفئات الشعبية حرمانا كما يضع الأمر عالم الاجتماع الفرنسي الراحل ” بيير بورديو” الذي خصص ثلاثيته “بؤس العالم” لدراسة متعمقة علي أرض الواقع لأوضاع هذه العائلات التي يمتنع عليها الترقي الاجتماعي بعد أن نسف “بورديو” الفكرة الرومانسية  القائلة بأن التعليم العام هو أداة للارتقاء الطبقي للفقراء في مجتمع رأسمالي. وراح غالبية هؤلاء المهاجرين ضحية شعور هائل بخيبة جماعية .

ووجد بعض شباب هؤلاء المهاجرين ملاذا وتعويضا عن الحرمان والتهميش المؤبد، والرغبة في أن يلقوا الاعتراف والقبول من مجتمع لفظهم، في الانخراط في الجماعات المتطرفة باسم الدين، ولم يتقبلوا ابدا، بل ولم يتفهموا السياق الأوروبي للدولة العلمانية التي ترعي حرية التعبير والفكر والإبداع دون قيود.

كذلك فإن بعض النصوص الدينية تقدم لهم تبريرا ومنطقا لكي يتحولوا إلي “جهاديين”  طبقا للتعبير الشائع، في محاولة لمد الجذور التي استأصلتها الهجرة والحرمان، ومد هذه الجذور علي أرضية جديدة تفتح لهم الأبواب واسعة إلي آخره مضمونة تسعهم فيها الجنة التي لم يجدوها علي الأرض، بعد أن طردتهم نظم الفساد والاستبداد والاستغلال والتبعية في بلدانهم الأصلية إلي العوالم المعادية التي يعيشون فيها، “حيث يعملون من أجل ازدهار الآخرين عوضا عن أن يعملوا من أجل ازدهارهم هم” ويتساءل أحدهم:”منذ متي تم مسخنا.. فنحن لم نر عملية المسخ هذه”.

وما لم يقله أو ربما لم يدركه هذا المهاجر الجزائري الذي تحدث بمرارة عن الأوضاع التي يعيشون فيها في أحياء المهاجرين في باريس، أن بعض من يسمون أنفسهم برجال الدين في البلدان التي جاء منها هؤلاء المهاجرون قد أعلنوا أنفسهم حراسا للسماء، وحولوا الدين إلي تجارة، ووقفوا بحزم ضد أي قراءة عصرية وتأويل مستنير للنصوص الدينية، وقطعوا الطريق متعاونين مع قوي الرجعية والاستعمار علي كل الجهود التي بذلها علماء وباحثون ومفكرون للقراءة النقدية للنصوص في محاولة لبناء الأرضية المشتركة بين الإسلام والعلمانية حتي ينتصر المسلمون علي قوي الظلام التي تعتمد القراءة الحرفية.

إن إصلاحا دينيا حقيقيا لم يحدث في ثقافتنا منذ أن “دعا ابن رشد” للتأويل قبل ثمانية قرون، ومنذ خرجت أوروبا من عصر الظلمات اعتمادا علي النتاج الفكري الرفيع لعلماء المسلمين.

ومن عباءة كل هذه المآسي والتناقضات خرج الإرهابيون والقتلة- الضحايا- من أبناء المسلمين لتستخدمهم في الغالب الأعم أجهزة مخابرات كبري مكلفة بقطع الطريق علي تطورنا، ولا أدل علي ذلك من هذه الحرقة التي عبرت بها الإدارة الأمريكية عن غضبها لثورة الشعب المصري التي اسقطت حكم الإخوان.

التعليقات متوقفه