لغز الانخفاض المفاجئ لأسعار النفط

50

هبوط الأسعار .. وزيادة الإنتاج!

السعودية لن تقوم بدور “المنتج المرجح” للحفاظ على ارتفاع السعر في مواجهة زيادة إنتاج الدول غير الأعضاء في “أوبك”

هبوط الأسعار فرصة لكثير من الدول لتخفض دعم الطاقة

ارتفاع أسعار العملات في الدول المستوردة للنفط وانخفاضها في الدول المصدرة له

واصلت أسواق النفط العالمية الهبوط الأسبوع الماضي، وسجلت عقود خام القياس العالمي مزيج برنت والنفط الأمريكي أدنى مستوياتها منذ أبريل،2009 وأغلقت على سابع خسارة أسبوعية على التوالي، رغم أن الأسعار تعافت من مستوياتها المنخفضة بعد صدور بيانات أظهرت هبوطا حادا في عدد منصات الحفر النفطية العاملة في الولايات المتحدة.

ونزل سعر العقود الآجلة لبرنت 85 سنتا عند التسوية إلى 50.11 دولار للبرميل،  وتراجع الخام الأمريكي 43 سنتا عند التسوية إلى 48.36 دولار للبرميل بعدما نزل في وقت سابق إلى 47.16 دولار للبرميل. وخلال الأسبوع خسر الخام الأمريكي 8% في حين هوى برنت بنسبة 11 بالمائة. وما زالت أسواق النفط تبحث عن قاع للأسعار وسط توقعات خبراء النفط أن يكون حول مستوي 50 دولارا للبرميل.

وأثر الانخفاض الكبير فى أسعار النفط في الآونة الأخيرة على الجميع، سواء البلدان المنتجة أو البلدان المصدرة أو الحكومات أو المستهلكين. غير أن هذا التطور بث في الاقتصاد العالمي جرعة من النشاط. ووفقا لـدراسة “رباح أرزقي”و”أوليفييه بلانشار” الخبيرين بصندوق النقد الدولي فإن إجمالي الناتج المحلي العالمي حقق زيادة تتراوح بين 0.3 و 0.7% في عام 2015.

وهبطت أسعار النفط بنسبة 50% تقريبا منذ يونيو الماضي، وبنسبة 40% منذ سبتمبر، كذلك تراجعت أسعار المعادن، التي عادة ما تتأثر بالنشاط الاقتصادي العالمي أكثر من أسعار النفط، لكن تراجعها كان أقل بكثير من تأثر النفط.

فالتعديلات التي أجرتها الوكالة الدولية للطاقة بين شهري يونيو وديسمبر على تنبؤاتها للطلب، إلى جانب تقديرات مرونة عرض النفط على المدى القصير، توضح أن انخفاض الطلب غير المتوقع بين ذلك الحين والوقت الراهن يمكن أن يفسر 20 إلى 35% فقط من انخفاض الأسعار.

الدراسة تشير إلى أن عوامل العرض والطلب ساهمت بدور في الهبوط الحاد الذي طرأ على الأسعار منذ شهر يونيو الماضي. وتشير أسواق العقود الآجلة إلى أن أسعار النفط ستعود إلى التعافي، ولكنها ستظل أدنى من مستوى السنوات الأخيرة. وسط حالة من عدم اليقين بشأن تطور عوامل العرض والطلب.

مكاسب الانخفاض

ويتفاوت تأثير هبوط أسعار النفط على الدول، لكن هناك خصائص مشتركة تجمع بين البِلدان. فالمجموعة المستوردة للنفط ضمن الاقتصادات المتقدمة، وحتى الأسواق الصاعدة بدرجة أكبر، ستستفيد من ارتفاع الدخل في قطاع الأُسر، وانخفاض تكاليف المدخلات، وتحسن أوضاعها الخارجية. وستحقق البلدان المصدرة للنفط عائدا أقل، كما أن موازناتها العامة وأرصدتها الخارجية ستتعرض لضغوط. فالضغوط على العملة لا تزال مقصورة على عدد قليل من البلدان المصدرة للنفط مثل روسيا ونيجيريا وفنزويلا. ونظرا للروابط المالية العالمية، فإن هذه التطورات تتطلب زيادة اليقظة حول العالم.

وسيكون على البلدان المصدرة للنفط تمهيد مسيرة التصحيح دون كبح الإنفاق من المالية العامة بشكل مفاجئ. غير أن ضغوط الموازنة وسعر الصرف قد تكون كبيرة بالنسبة للبلدان التي لا تمتلك صناديق للوفورات ولا قواعد مالية قوية. وبدون السياسات النقدية السليمة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع التضخم ومزيد من الانخفاض في سعر الصرف.

دعم الطاقة

ومن ناحية أخري يتيح هبوط أسعار النفط فرصة لكثير من البلدان كي تخفض دعم الطاقة وتستخدم الوفورات الناتجة عن ذلك في زيادة التحويلات الموجهة وإجراء بعض الزيادة في ضرائب الطاقة وتخفيض الضرائب الأخرى.

وعلى جانب العرض، تشير الأدلة إلى عدد من العوامل، بما فيها الزيادات المفاجئة في إنتاج النفط والتي يرجع بعضها إلى تعافي إنتاج النفط الليبي بأسرع مما كان متوقعا في سبتمبر وعدم تأثر إنتاج النفط العراقي رغم القلاقل التي تمر بها البلاد. غير أن هناك عاملا رئيسيا أكيدا هو ما أعلنته المملكة العربية السعودية عن عزمها عدم اتخاذ إجراءات مقابلة للزيادة المطردة في عرض النفط من البلدان المنتجة داخل منظمة أوبك وخارجها، وقرار أوبك في نوفمبر المترتب على ذلك بالحفاظ على الحد الأقصى المجمع للإنتاج عند مستوى 30 مليون برميل يوميا رغم ما يتصور من حدوث تخمة في السوق.

أوبك والسعودية

وطبقا لآخر تقرير أصدرته الوكالة الدولية للطاقة، بلغت مخزونات النفط أعلى مستوياتها في فترة عامين، مما يشير إلى توقعات بزيادة الأسعار وليس انخفاضها. لكن إلى أي مدى يرجح أن يكون هذا التحول في العرض مستمرا؟

يعتمد هذا على عاملين أساسيين: الأول هو مدى استعداد منظمة أوبك، والمملكة العربية السعودية بالتحديد، لتخفيض الإنتاج في المستقبل. ويعتمد هذا بدوره اعتمادا جزئيا على الدوافع وراء تغير استراتيجيتها. وإحدى الفرضيات في هذا الصدد هي أن المملكة العربية السعودية وجدت أنه من المكلف للغاية أن تقوم بدور “المنتج المرجِّح” الذي يحافظ على ارتفاع سعر النفط في مواجهة الزيادات المطردة في عرض البلدان غير الأعضاء في منظمة أوبك. وعلى ذلك، وما لم تؤد المتاعب المترتبة على انخفاض الإيرادات إلى موافقة المنتجين الآخرين في المنظمة وروسيا على اقتسام أعباء التخفيضات على نطاق أوسع في المستقبل، فمن غير المرجح حدوث تغير قريب في هذا التحول الذي طرأ على الاستراتيجية.

وهناك فرضية أخرى، وهي أن ذلك قد يكون محاولة من أوبك لتخفيض الأرباح والاستثمارات ومن ثم العرض من جانب الموردين غير الأعضاء في المنظمة، وبعضهم يواجه تكاليف أعلى بكثير في عمليات الاستخراج مقارنة بأكبر منتجي أوبك.

انخفاض تكلفة الاستثمار

أما العامل الثاني، فهو كيفية استجابة الاستثمار، ومن ثم الإنتاج النفطي، لانخفاض أسعار النفط. وهناك بعض الأدلة على أن النفقات الرأسمالية لإنتاج النفط بدأت في الانخفاض. وطبقا لشركة “ريستاد إنرجي” لاستشارات النفط والغاز، يُلاحَظ أن النفقات الرأسمالية الكلية لشركات النفط الكبرى أقل بنسبة 7% في الربع الثالث من عام 2014 مقارنة بنفس الفترة من عام 2013.

وتشير التوقعات إلى أن النفقات الرأسمالية ستهبط بصورة ملحوظة حتى نهاية عام 2017. وبالنسبة للنفط غير التقليدي، مثل النفط الصخري الذي يمثل 4 ملايين برميل يوميا من العرض العالمي البالغ 93 مليون برميل يوميا، فإن الأسعار التعادلية – أي سعر النفط الذي يصبح عنده استخراج النفط مدرا للربح – لأكبر الحقول الصخرية الأمريكية (باكن وإيغل فورد وبرميان) تبلغ في العادة أقل من 60 دولارا للبرميل .

وبالأسعار الحالية حوالي 55 دولارا للبرميل، وتشير توقعات “ريستاد إنرجي” إلى أن مستوى إنتاج النفط يمكن أن يسجل انخفاضا ولكنه معتدل بنسبة أقل من 4% تقريبا في عام 2015. غير أن معدلات العائد ستكون أقل بكثير، وهناك شركات مثقلة بأعباء الرفع المالي لم تتخذ تدابير تحوطية تحسبا لانخفاض الأسعار فأصبحت بالفعل في مرحلة العسر المالي وبدأت تخفض نفقاتها الرأسمالية وتسرح أعدادا كبيرة من العمالة.

وعلى ذلك، ومع تساوي العوامل الأخرى، ينبغي أن تؤدي الآثار الديناميكية لانخفاض الأسعار على العرض إلى تخفيض العرض بالنسبة إلى التحول الأوَّلي، ومن ثم إلى تعافي الأسعار بشكل جزئي. وهذا ما تشير إليه أسواق العقود المستقبلية لتصل إلى 73 دولارا للبرميل بحلول عام 2019.

الآثار على الاقتصاد العالمي

تشير الدراسة إلى نموذحين من المحاكاة، ويفترض النموذج الأول أن تحول العرض يفسر 60% من انخفاض الأسعار الذي تعبر عنه أسواق العقود الآجلة. ويفترض النموذج الثاني أن تحول العرض يفسر 60% من انخفاض الأسعار في البداية ولكن هذا التحول يتلاشى جزئيا مع الوقت ، مع تراجع مساهمته في انخفاض الأسعار بشكل تدريجي حتى يصل إلى الصفر في عام 2019.

وتنطوي المحاكاة الأولى على زيادة في الناتج العالمي بمقدار 0.7% في عام 2015 و 0.8% في عام 2016 بالنسبة إلى السيناريو الأساسي (الوضع في ظل هبوط أسعار النفط). وليس من المستغرب أن يكون الأثر على الناتج أقل في السيناريو الثاني، بواقع 0.3% في عام 2015 و 0.4% في 2016.

وتخفي هذه النتائج العالمية آثارا غير متماثلة يُحْدِثها انخفاض الأسعار عبر البلدان المختلفة، حيث البلدان المستوردة (الصافية) للنفط هي الأطراف الفائزة، والبلدان المصدرة (الصافية) للنفط هي الأطراف الخاسرة. ولكن هناك فروقا مهمة، حتى داخل كل مجموعة.

البلدان المستوردة للنفط

هناك ثلاث قنوات رئيسية يؤثر من خلالها انخفاض سعر النفط على البلدان المستوردة له. والقناة الأولى هي أثر زيادة الدخل الحقيقي على الاستهلاك، والثانية هي انخفاض تكلفة إنتاج السلع تامة الصنع، وما يُحْدثه ذلك من أثر على الربح والاستثمار. أما الأثر الثالث فهو الذي يقع على معدل التضخم، سواء الكلي أو الأساسي.

فعلى سبيل المثال، نجد أن أثر الدخل الحقيقي أقل في الولايات المتحدة، التي تنتج الآن أكثر من نصف النفط الذي تستهلكه، منه في منطقة اليورو أو اليابان. كذلك تعتمد آثار الدخل الحقيقي والأرباح على كثافة استخدام الطاقة في البلد المعني. فكثافة استخدام الطاقة في الصين والهند لا تزال أكبر بكثير مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، مما يحقق لهذين البلدين استفادة أكبر من انخفاض أسعار الطاقة. ويبلغ متوسط نسبة استهلاك النفط من إجمالي الناتج المحلي 3.8% في الولايات المتحدة، مقارنة بنسبة 5.4% في حالة الصين و 7.5% في حالتي الهند وإندونيسيا.

الصبن واليابان

ويُلاحَظ أن الأثر على الصين أكبر من الأثر على اليابان والولايات المتحدة وبلدان منطقة اليورو. وبالنسبة للصين، يزداد إجمالي الناتج المحلي إلى مستوى أعلى من السيناريو الأساسي بمقدار يتراوح بين 0.4 و 0.7% في عام 2015، وبين 0.5 و 0.9% في عام 2016. أما في الولايات المتحدة، فيزداد إجمالي الناتج المحلي إلى مستوى أعلى من السيناريو الأســاسي بمقدار يتراوح بين 0.2 و 0.5% في عام 2015، و بين 0.3 و 0.6% في عام 2016.

البلدان المستوردة منخفضة الدخل في منطقة الكاريبي والتي تستفيد من التحويلات التي تحصل عليها بمقتضى تحالف “بتروكاريبي” النفطي الذي ترأسه فنزويلا يمكن أن تواجه انخفاضا ملحوظا في التحويلات حين تتعرض فنزويلا نفسها للضغوط. ومن المرجح أن تتعرض البلدان المستوردة للنفط في القوقاز وآسيا الوسطى لتداعيات مناوئة من تباطؤ النمو لدى البلدان المجاورة المصدرة للنفط، وخاصة روسيا، مما سيخفض الصادرات غير النفطية وتحويلات العاملين في الخارج. وقد تتأثر سلبا أيضا بلدان المشرق العربي وباكستان عن طريق انخفاض الصادرات غير النفطية، والتحويلات الرسمية، وتحويلات العاملين من البلدان الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، وخاصة على المدى المتوسط.

البلدان المصدرة للنفط

نجد أن الطاقة تمثل 25% من إجمالي الناتج المحلي في روسيا، و 70% من صادراتها، و 50% من إيراداتها الفيدرالية. وفي الشرق الأوسط، تبلغ نسبة النفط في إيرادات الحكومة الاتحادية 22.5% من إجمالي الناتج المحلي و 63.6% من الصادرات في دول مجلس التعاون الخليجي. وفي إفريقيا، أسعار النفط المحققة لتعادل المالية العامة تمثل الصادرات النفطية 40-50% من إجمالي الناتج المحلي في جابون وأنجولا وجمهورية الكونغو و 80% من إجمالي الناتج المحلي في غينيا الاستوائية. كذلك يمثل النفط 75% من إيرادات الحكومة في أنجولا وجمهورية الكونغو وغينيا الاستوائية. وفي أمريكا اللاتينية، يساهم النفط بحوالي 30% و 46.6% على التوالي في إيرادات القطاع العام وحوالي 55% و 94% من الصادرات في إكوادور وفنزويلا. 8 ويوضح هذا مدى التحدي الذي واجه هذه البلدان.

عجز المالية العامة

وفي معظم البلدان، يرجح أن يكون عجز المالية العامة هو الأثر التلقائي لانخفاض سعر النفط. ومن الطرق الممكنة لتوضيح جوانب الضعف في البلدان المصدرة للنفط احتساب ما يطلق عليه اسم الأسعار المحققة لتعادل المالية العامة –أي أسعار النفط التي تتوازن عندها ميزانيات الحكومات في البلدان المصدرة للنفط. وتتفاوت الأسعار التعادلية تفاوتا كبيرا بين البلدان، ولكنها غالبا ما تكون شديدة الارتفاع.

 وبالنسبة لبلدان الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، تتراوح الأسعار التعادلية بين 54 دولارا للبرميل في حالة الكويت و 184 دولارا في حالة ليبيا، بينما يبلغ سعرا ملحوظا قدره 106 دولارات في المملكة العربية السعودية.

وبالنسبة لإفريقيا، تم تخفيض تقديرات الميزانية لأسعار النفط في عام 2015 في ضوء تراجع الأسعار، وفي أمريكا اللاتينية، تبلغ أسعار النفط في الميزانية 79.7 في إكوادور و 60 دولارا في فنزويلا.

كذلك يؤدي انخفاض أسعار النفط في العادة إلى ارتفاع أسعار العملات في البلدان المستوردة للنفط، ولا سيما الدولار، وانخفاض أسعار العملات في البلدان المصدرة للنفط. وقد ساهم هبوط سعر النفط في حدوث انخفاض مفاجئ في أسعار عملات عدد من البلدان المصدرة للنفط، ومنها روسيا ونيجيريا. وبينما يمثل انخفاض سعر النفط سببا واحدا فحسب من أسباب انخفاض سعر الروبل، إلا أن العملة الروسية انخفضت بمقدار 40% حتى الآن في العام الحالي، و 56% منذ سبتمبر الماضي.

التعليقات متوقفه