“شارلي ايبدو”  تاريخ حافل في الصحافة الساخرة

48

سخرية وضحكات الرسامين تحولت لدماء علي المكاتب

بدأ العالم العربي في سماع اسم (شارلي ايبدو) الجريدة المحسوبة على أقصى يسار الصحف الفرنسية برسومات تسخر من الرؤساء الفرنسيين، ونجوم المجتمع، والرأسماليين والرموز الدينية، في عام 2005، بعد قيامها بإعادة نشر الرسومات المسيئة للرسول، التي سبق نشرها في جريدة دنماركية وأحدثت ضجة كبيرة وقتها، إلا أن وجود (شارلي إيبدو) وإثارتها الجدل كان قد بدأ قبل ذلك بكثير، فلها تاريخ طويل من الصحافة الساخرة التي اشتهرت فرنسا بتقديمها دوناً عن بقية البلدان الأوروبية منذ القرن التاسع عشر.

في بدايات القرن العشرين وبالتحديد في عام 1901، ظهرت جريدة l’ assiette au beurre أو (صحن الزبدة)، وكانت هي الجريدة الأم التي أسست الشكل الجديد للصحافة الفرنسية الساخرة وتلاها في الصدور العديد من المجلات والجرائد الفرنسية الساخرة.

ثم ظهرت بعدها بأربعة عشر عاما جريدة Le Canard enchaîné أو (البطة المكبلة)، المستمرة في الصدور حتى الآن منافسة لـ(شارلي إيبدو) على عرش الجرائد الساخرة.

ولكن الجذور الأولي  “لشارلي إيبدو” تعود إلى الأب الروحي للجريدة وأحد أشهر رسامي الكاريكاتير الفرنسيين سينيه، الذي كان أحد أهم الفنانين الذين خرجوا من رحم الحركة الطلابية الباريسية في مايو 1968، التي كانت تنادي بالحريات وتتحرك ضد شيوع القيم الاستهلاكية والرأسمالية في المجتمع الفرنسي، حيث أصدر وقتها مجلة المسعور L’Enrage التي أفردت مساحات شاسعة لعدد من رسامي الكاريكاتير الجدد، الذين أسسوا فيما بعد في عام 1969 مجلة هاراكيري Hara-Kiri، الإصدار الأول من مجلة شارلي إيبدو.

وكان من ضمن فريق عمل المجلة رساما الكاريكاتير ولونسكي وكابو اللذان لقيا حتفهما في الحادث الإرهابي الأخير على مقر المجلة.

ولم يمض الكثير من الوقت حتى أصدر وزير الداخلية الفرنسي قراراً بمنع مجلة هاراكيري من الصدور في عام 1970 لقيامها بالسخرية من وفاة الرئيس الفرنسي السابق شارل دي جول على صدر صفحتها الأولى.

وهو ما دفع رسامي الجريدة إلى حيلة ذكية للتغلب على قرار المنع بتغيير اسم المطبوعة إلى شارلي إيبدو Charlie hebdo (شارلي الأسبوعية) لتستمر في الصدور حتى تتعرض لأزمة مادية طاحنة أدت إلى إغلاقها عام 1981.

في عام 1992 أعاد كابو وسط مجموعة أخرى من الصحفيين والرسامين إصدار الصحيفة، ليتخطي توزيع العدد الأول منها حاجز المائة ألف نسخة.

منذ بدء ظهورها؛ سواء في الإصدار الأول أو الثاني، كانت شارلي إيبدو إشارة لنوع جديد من الفكاهة الحادة واستطاعت تغيير شكل الكاريكاتير الفرنسي الذي يعد أحد أقدم مدارس الكاريكاتير في العالم وأكثرها رسوخاً.

الحادث الإرهابي الأخير لم يكن هو الأول من نوعه، حيث تعرضت الجريدة في عام 2011 لهجوم بقنبلة على مقرها في باريس، لكن هذا الحادث لم يثن رساميها عن مواصلة سخريتهم اللاذعة، فدافع الرسام الراحل “شارب” عن موقفه وقتها قائلا: «نحن نريد أن نضحك، وأن نسخر من المتطرفين، كل المتطرفين. من الممكن أن يكون هؤلاء المتطرفون مسلمين، يهودا أو كاثوليكيين. بوسع أي فرد أن يصبح متديناً وهذا حقه، ولكن أفكار وأفعال المتطرفين هي ما لا يمكن أن نقبله بيننا». بعد قليل من الوقت، وفي 2013، ظهر اسم “شارب” على قائمة أكثر الشخصيات المطلوبة من قبل تنظيم القاعدة، ربما كان يدرك “شارب” وزملاؤه أنهم في معركة مع التطرف الفكري، لكنهم بالتأكيد لم يدركوا أنهم سيلقون حتفهم في لحظة واحدة وهم على مكاتبهم إلى جوار بعضهم، يؤدون وظيفتهم الوحيدة التي يتقنونها وهي السخرية.

وعندما خرجت في فبراير 2006 العديد من الاحتجاجات أمام بعض السفارات الغربية في العديد من الدول إثر نشر صحيفة دنماركية الرسومات المسيئة، لم تتأخَّر صحيفة تشارلي إبدو عن طبع هذه الرسومات.

فرنسا تعتبر الاعتراض علي هذه الإساءات تدخلا في إطار حرية التعبير، ذلك أنه بعد نشر احدى الرسوم المسيئة في المجلة، اتصل المجلس الوطني للديانة الإسلامية في فرنسا بوزير الداخلية الفرنسي داعيا إياه لمنع صدور هذه الرسومات، إلا أنه رفض الاستجابة، متمسكا بأن الأمر يتعلق بحرية التعبير، وأنه على من يعتبر أن في تلك الإساءة مساسا به أن يتوجه إلى القضاء لتبقى له الكلمة الفصل.

ورداً على سؤال عن الرسوم الكاريكاتورية التي نشرتها “شارلي ايبدو” قال رئيس الوزراء الفرنسي جان مارك آيرولت: ”نحن في بلد يحفظ حرية التعبير وحرية رسم الكاريكاتور أيضاً، وإذا شعر أناس حقاً بأنه أسيء إليهم في قناعاتهم بإمكانهم اللجوء إلى المحاكم ، لقد سبق أن حصل هذا الأمر مع هذه المجلة”، مؤكداً أن فرنسا جمهورية علمانية مدنية.

التعليقات متوقفه