فى وداع سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة.. نجمة القرن العشرين

97

“فاتن حمامة” اسم من ذهب، له طعم الحياة وسحر الخلود منذ إطلالتها الأولى على الشاشة فى فيلم “يوم سعيد” مع موسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب وهى طفلة صغيرة لم تتجاوز السابعة من عمرها، كما شاركت فى فيلم “الوردة البيضاء” وكانت قد كبرت قليلا، وحتى آخر أفلامها “أرض الأحلام” إخراج داود عبدالسيد وبطولة يحيى الفخراني.

كبرت “فاتن” أمام المشاهدين وكأنها واحدة من الأسرة المصرية، وأتقنت أداء كل الأدوار ولامست نبض الجماهير، راصدة فى أفلامها القضايا الحيوية التى مرت بالمجتمع المصرى السياسية منها والاجتماعية، ووصلت إلى جوهر الشخصية المصرية البسيطة، يتضح ذلك من أدوارها المركبة فى أفلام مثل “اليتيمتان” و”يوم حلو ويوم مر” و”أفواه وأرانب” و”الحرام”، ورائعة طه حسين “دعاء الكروان” حيث برزت شخصية “هنادي” بما فيها من صراع نفسى ما بين العاطفة والثأر، ما بين الحب والقتل، أدت “فاتن” الدور باقتدار، وبلغة أهل الصعيد.

خصائص فنية

تميزت تجربة “فاتن حمامة” بعدة ميزات..

أولها: الاحترام الفنى والالتزام، فلم تقدم دورا مبتذلا، كانت تضع فى اعتبارها أنها تقدم نموذجا للفتاة المصرية عبر تنوع شخصياتها.. “ريفية – صعيدية – أرستقراطية – سواحلية وغير ذلك”.

ثانيها: إجادة اللغة الفنية، حيث كانت تؤدى المشاهد باقتدار، لا تحس بأى تعنت أو جهد، وتلك قمة الاقتدار والجسارة والثقة، عبر مرجعيات أساسية أولها الموهبة وثانيها حبها للغة العربية التى كانت تجيدها لأنها تربت عليها فى بيت والدها “أحمد حمامة” والذى كان يعمل مدرسا للغة العربية.

ثالثها: بساطة الأداء وتلقائيته ومعايشتها للأدوار وأدائها بلغتها التى تليق بها مما جعلها قريبة من الجمهور.

رابعها: ثقافتها العالية التى جعلتها تحسن اختيار النصوص التى تقدمها، ولذلك تم اختيار 17 فيلما من أفلامها ضمن أفضل مائة فيلم فى السينما المصرية.

بالإضافة إلى تعاملها مع كبار الأدباء مثل عميد الأدب العربى طه حسين فى “دعاء الكروان”، ويوسف السباعى وإحسان عبدالقدوس فى روايته “لا أنام”، ولطيفة الزيات فى “الباب المفتوح” والذى شاركها بطولته صالح سليم، فى فيلم يطرح قضية تحرر المرأة وبحثها عن شخصيتها المستقلة فى ظل مجتمع ذكورى تسوده النظرة الأبوية.

لكن الفتاة الجامعية تحاول اختراق تلك القواعد لتبحث عن تفردها الذاتي، وعن الحب الحقيقى وسط بحر متلاطم من الإشكاليات، وفى النهاية يتحقق لها ما تريد.

وكذلك فى فيلمها البديع “أريد حلا” والذى ناقش قضايا المرأة عبر خطاب مفتوح وجريء.

خامسها: التنوع، فلم تستسلم للأدوار النمطية ككثير من الفنانين والفنانات، فلا تتشابه أدوارها، فى كل عمل هناك دائما ما يدهشني، عبر لغة المغايرة والاختلاف، وإن دارت معظم أعمالها حول منهج “الطبقة الوسطي” وتطلعاتها، وانكسارها، فى مراحل الملكية أو ما بعد ثورة 23 يوليو 1952، بالإضافة لتجسيدها لكثير من الأدوار عبر الطبقات المهمشة.

سادسها: مواكبة التحولات الاجتماعية والسياسية وطرحها فنيا دون افتعال أو مباشرة، مع طرح القضايا الأسرية بطريقة راقية ولا ننسى فى ذلك فيلم “إمبراطورية ميم” والذى شاركها بطولته مجموعة من الممثلين الشباب وقتها – فى سبعينيات القرن الماضى حيث طرح الفيلم قضايا الحوار بين الأجيال فى الأسرة الواحدة.

 

ضمير الفنان

ومن أهم مميزات شخصيتها الفنية تعاملها مع كبار المخرجين فى السينما المصرية مثل هنرى بركات وصلاح أبوسيف وكمال الشيخ وعزالدين ذوالفقار الذى ارتبطت به لسنوات وقدما معا أجمل الأفلام فى السينما.

كما تعاملت مع نجوم الشاشة الفضية مثل عماد حمدى وشكرى سرحان ويحيى شاهين وعمر الشريف وأحمد رمزى وعبدالحليم حافظ الذى غنى لها أجمل الأغانى ومنها “حلو وكداب.. ليه صدقتك” كما غنى لها فريد الأطرش مجموعة من أجمل الأغانى فى أفلامه التى شاركته فيها البطولة.

وعندما أرادت أن تقدم مسلسلا قدمت “ضمير أبلة حكمت” التى طرحت من خلال شخصية “أبلة حكمت” قضية أزمة التعليم المصرى بداية من المدرس مرورا بالفوضى الأخلاقية، والفساد الاجتماعي.

ظهرت “فاتن” على الشاشة كحلم ذهبي، واحتفظت بتاريخها داخل صندوق ذهبى أحبت الفن حتى النخاع، بدأت نجمة وهى طفلة صغيرة، ورحلت وهى أسطورة فنية قلما يجود الزمان بمثلها.

فاتن حمامة.. وداعا.

 

التعليقات متوقفه