فى الذكرى المئوية لميلاده .. الغابة والأشجار فى رؤية لويس عوض

55

 الثورة الفنية والإبداع الجميل

فى الذكرى المئوية لميلاد الدكتور لويس عوض (1915-1990) نشرت مجلة “ديوان” الفصلية فى عددها الأخير مقالا بقلم شعبان يوسف، يقدم فيه صورة محرفة للناقد الكبير، تقتصر على عرض المآخذ التى أخذت عليه، وجعلت منه هدفا للسهام، القليل منها بحق، والكثير بغير حق، لا يبدو فيها لويس عوض معاصرا كما وصفته ندوة المجلس الأعلى للثقافة التى عقدتها فى يومى 12، 13 يناير الحالي، اعترافاً بفضله على الثقافة العربية التى أضاف إليها صفحات مضيئة فى النقد الأدبي، وفى الدراسات الحضارية، وفى السيرة الذاتية، والترجمة.

ولتحقيق هذه الغاية لم يذكر مقال الكاتب إلا أسماء من نالوا من لويس عوض، وعددهم لا يتجاوز أصابع اليدين، أما الذين كتبوا عنه المقالات الطوال، والدراسات المنصفة، وأشادوا بعطائه فى المجالات المختلفة، فلم يذكر منهم أحدا.

وليس هناك ضرورة لذكر هذه الأسماء التى تعد بالعشرات وأضعافها، حتى لا تستغرق المساحة الخاصة بهذا الرد.

وبغض النظر عن التفاوت فى الكم، أو البون الشاسع بين الطرفين فى الوزن الثقافى فإن هذه الأسماء لا توضع مقابل بعضها، لأنها – باستثناء رجاء النقاش – أسماء سلفية تقليدية، تهاجم “عمال على بطال” كل محاولات التجديد والتجريب فى تاريخنا الثقافى الحديث، بما فيه شعر التفعيلة الحر، الذى تحقق فى الأقطار العربية فى مرحلة زمنية واحدة، كثورة فنية لا تضارعها ثورة أخرى فى هذا التاريخ، حتى غدت مقياس الوعى المتحضر والحساسية الجديدة والتفتح على العصر، لا يقارن فيه الجديد التى أتت به هذه الثورة الشعرية بالقديم المستهلك الذى تخطته.

وعلى كثرة ما كتب عن الموشحات الأندلسية فى المشرق والمغرب، فإن تمسك هذه الموشحات بموضوعات أو أغراض الشعر العربى القديم يقلل من قيمتها كثورة فنية، إذا ما قورنت بثورة الشعر الحر فى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، التى كان لويس عوض أحد روادها كشاعر وناقد يعرف فى كتاباته أنها اشتملت على الأوزان والبناء الفنى والموضوعات فى آن واحد، ولم تقتصر على تنوع الأوزان فقط.

ولم يكن لويس عوض يلتفت إلا للظواهر والإبداع الذى ينتمى قلبا وقالبا إلى الثورات الفنية، إذا توفرت فيها قيم الجمال، حتى إذا شاخت هذه الثورات واستنفدت طاقتها، بحث عن ميلاد جديد لثورة أخرى لا تخضع للعرف السائد، والتقاليد المستهلكة.

وأكثر ما يؤخذ على مقال المجلة أنه لم يتناول الفروع العديدة المتفرقة التى شغلت لويس عوض، وإذا عرض لأحد هذه الفروع فبكلمات قليلة جدا أقرب إلى الهجوم منها إلى النقد، مثلما نجد فى حكمة المتسرع على مسرحية لويس عوض “الراهب” التى ذكر يوسف إدريس فى نقده لها فى كتابه “بصراحة غير مطلقة” أنها مسرحية خطيرة، أراد بها المؤلف إعادة تشكيل مصر على صورة مغايرة، مرتفعا بنصه إلى ذروات شيكسبير، ورمزيات بريخت، وعقلانية ابسن، ووجدانية تنيس ويليامز.

وغنى عن البيان أن الحكم الذى يصدر على عمل مسرحى من كاتب مسرحى محترف مثل يوسف إدريس، يكون عادة أصدق من كل الأحكام التى تصدر عن أحد آخر لا يعتريه حسد أو تنافس أبناء المهنة.

ومع أن مقال “ديوان” ينشر فى مجلة فصلية فى مناسبة كبيرة، فلم يتطرق إلى منهج لويس عوض فى النقد، النظرى والتطبيقي، الذى يقدم النص فى نوعه وأصوله، معتمدا على التحليل والتفسير، ولا تطرق إلى رؤيته للفكر المصري، وللتعليم ومشاكله التى كانت من همومه الأساسية، كما كانت الثقافة ونشرها من هذه الهموم.

كذلك لم يتطرق المقال بكلمة إلى تقييم لويس عوض لثورة 1952 التى كرمته مثلما نكلت به، آنا بالفصل من الجامعة والصحافة، وآنا بالاعتقال ومنع نشر مقالاته، أو رفعها من المطبعة بعد الطبعة الأولي، ومصادرة كتابه “مقدمة فى فقه اللغة العربية، ولا كيف واجه محنة الوطن فى 1967.

وخلا المقال أيضا من أى عرض لكتبه المثيرة للجدل التى تتناول النهضة المصرية منذ عصر إسماعيل حتى ثورة 1919، أو نشأة المسرح الملحمى والمسرح الدرامى فى البيئات الزراعية والصناعية، أو قضية اللهجة العامية فى كتابه “مذكرات طالب بعثة”، أو دراساته فى الأدب المقارن.

أما اليونانيات واللاتينيات ما بين الترجمة والتأليف، التى كانت بلسمه من أوجاع الحياة، فمن الواضح أنه ليس للكاتب علم بها، ولا علم له بإيمان لويس عوض، فى هذا السياق، بوحدة الفكر الإنساني، وتداخل الخصوصيات فى النسيج الكلى للثقافات فى مختلف الأقطار، والتى يرى فيها أيضا أن الإبداع فوق القوميات، وأن الفوضى يمكن أن تكون من أدوات أو عناصر الإبداع.

وهناك فى المقال عدد من الأخطاء الأخرى التى يمكن تجاوزها لضيق المساحة مثل اعتبار “فن الشعر” لهوراس من التراث الإنجليزى وليس التراث اللاتيني، وأنه حصل على الدكتوراة من جامعة بريستون فى الأدبين الفرنسى والإنجليزي، والصحيح أنها عن أسطورة برومثيوس فى هذين الأدبين.

والحق أنى لست بسبيل حصر ما تجاهله المقال من إنتاج لويس عوض الذى يدرك جيدا أنه ليس للمغاليق مفتاح واحد لفتحها.. وليس للأدب والفن تعريف أو تفسير محدد أو نهائي.

ولا انفصال عنده بين النص وتاريخه، وإلا تحول إلى شكل مجرد بلا معني، ولم تشغله الأشجار عن رؤية الغابة، أو التفاصيل عن الكل، أو الفرع عن الأصل.

ورغم هذا فقد نجد عند لويس عوض خبطات أو شطحات على درجة من درجات الصحة والصواب، لا تضيق بها الحقيقة.

فإن لم نجد هذه الدرجة يكفيه أنه لم يركن كغيره إلى المسلمات أو إلى البداهة.

وكثيرا ما كانت تراكيبه اللغوية المجازية تؤكد الحقائق ولا تنفيها.

وللويس عوض اعترافاته التى يقرر فيها أن له أخطاء، أو أنه لم يسلم منها، وأن هناك بين النقاد فى حياتنا الثقافية من هو أكثر منه علما، مع ما هو شائع عنه من غزارة المعلومات، وقوة الذاكرة، وبعد الأحلام.

غير أن كل هذه العيوب التى يذكرها لويس عوض عن نفسه تختلف كلية عما ورد فى المقال المذكور.

لقد عاش لويس عوض من العمر ما عاش، اسما لامعا فى أوساط الثقافة والسياسة، لم يأفل نجمه أو يخفت بيانه، سواء أصاب أم أخطأ، وسواء اتفقنا معه أو اختلفنا.

ولكن لا أحد يمكن أن ينكر أن أجيال الكتاب والمبدعين التى عاصرته كانت تعتبر أن مجرد ذكر لويس عوض لاسم من الأسماء، وليس الكتابة عنه، كان بمثابة جواز المرور أو شهادة الميلاد للحركة الأدبية لا يقوى أحد على دحضها أو التهوين من شأنها، بصفته صاحب الكلمة العليا فى النقد فى مصر والوطن العربي.

وكان الجميع ينتظر مثل هذه الشهادة وهم يتعاملون معه ويتوددون إليه، خاصة أولئك الذين يشعرون أن الأبواب موصدة أمامهم، وما أكثر أعدادهم.

ولا شك أن عدم وجود دائرة محكمة حول لويس عوض تمنع الفضوليين من الاقتراب منه، أتاح لهذه الفئة من الأدباء الشباب أن تستعين به فى تذليل الصعاب التى يواجهونها، وكان لويس عوض يحب رفقة الأدباء من جميع الأعمار.

ولهذا لم يكن غريبا أن تودعه مصر فى 1990 على مدى أسبوع كامل بما يليق بهذه المكانة، وكان الاحتفال بذكرى رحيله العاشرة فى سنة 2000 مماثلا للوداع، وفى الذكرى المئوية لميلاده احتشد جيل آخر من الكتاب والمثقفين فى المجلس الأعلى للثقافة لم يعاصروا لويس عوض ومع هذا لم يكونوا أقل احتفالا به وتقديرا له من الأجيال السابقة.

ولأن أغلب الذين حضروا فى القاعة كانوا أكثر شبابا من المتحدثين على المنصة، فقد كانت القاعة تراجع المنصة فى بعض أحكامها وتصححها، بما يعنى أن وعى الحاضرين من الشباب الغض كان فى هذه الندوة التى ضمت أعلام الثقافة أكبر من وعى المتكلمين على المنصة.

واكتفى بالإشارة إلى ما زعمته المنصة بأن لويس عوض كان يزدرى الأدب الشعبي، والعكس هو الصحيح، كما قال أحد الحاضرين، لأنه جمع بنفسه بعض قصص هذا الأدب ومواويله من أفواه المغنيين، وكان يرى فى تعابيرها من الجمال ما يفوق أرفع آيات الإبداع فى الآداب الإنسانية.

ومن المؤكد أن هذا الاحتفال بلويس عوض لن يكون الأخير، طالما ظلت الثقافة العربية حية صافية، تتطلع دائما إلى الثورة والتجديد.

نبيل فرج

 

التعليقات متوقفه